loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

نَفيرُ الضَبَاب

breakLine

 


رايموند دوغلاس «راي» برادبري ‏ || أديب وكاتب سيناريو أمريكي

                                                           

ناظم مزهر/ مترجم عراقي 

 


وكالة نخيل عراقي || خاصّ


 
هُناك في المياه الباردة، بعيداً عن الأرض اليابسة ، ننتظر مَجيءَ الضَبَاب كُلّ ليلة ، فيأتي إلينا .نُعيد تزييت المِحور الدوار ، نملأالمِصباح النفطي ونشعله في أعلى الفَنار الحجري وسط الضَبَاب. كُنا نشعر، أنا و "مَكْدُنْ" ، كأننا طيّران مُحلِّقان في السماء القاتمة ، من مكاننا العال نُرسل ضوءاً يومض أحمراً وأبيضاًلتحذير السُفن البعيدة . فإن لَمْ تَرَ السفن ضوئنا ، نطلق صوت الصفّارة المدويّ كالنفير لِيمزق سُكون الضَبَاب فتَطيرُ النوارس مَفْزوعةً تملأ السَّماء مثل نِثارٍ أبيض مِن أوراق المناشير .
ويرتفع المَوجُ عالياً و يَتكسّر فينتشر زبدُ البَحر على الساحل.
سألني " مَكْدُنْ ":
- العَيشُ هنا عُزْلة، لكِنَّك اعتدتَ عليها الآن ،أليسَ كذلك؟
- نَعم، حَمداً لله أنَّني وَجدتُ أَنيساً مِثلك.
- حسناً ، غداً هو دورُكِ في النّزول إلى اليابسة.
ثُمَّ وهو يبتسم أضاف:
- لترقص مع السيدات وتشرب .
- مالذي يخطر في بالك يا "مَكْدُنْ" لو تركتك هنا لوحدك مع أسرار البحر الغامضة؟
أشعل "مَكْدُنْ" غليونه . كانت الساعة تشير إلى السابعة والربع من ذلك المساء التشريني  البارد ، النار مستعرة في الموقد وكان ضوء الفنار يرسل شعاعه بعيداً في كل اتجاه وكان صوت نفيره يغمغم كنحيب عملاق خرافي في أعلى بُرج الفَنار. كنا بعيديّن كل البعد عن أية مدينة صغيرة و هذا الخلاء المحيط بالساحل يَمْتَدّ على مسافة مئات الكيلومترات ، عدا طريق واحد فقط لا يَمرُّ فيه غير القليل من السيارات وهو يَمْتَدّ طويلاً نَحْوَ ذلك الساحل المهجور ؛ ساحل صَخري لا يَمرُّ به إلا ما نَدر مِن عَوابر السُّفن .
وقال "مَكْدُنْ" غارقاً في التفكير:
- يا لأسرار البحر الغامضة! أ تدري ؟ تِلْكَ الطبقة الرقيقة من الجليد حين يجرفها الموج يكون لها شتّى الآلاف من الأشكال والألوان . مرّة في إحدى الليالي، قبل سنين مضت، كنتُ هنا وحدي عندما، فجأةً، طفَت ملايين الأسماك على سطح الماء، غريبة! شيءٌ ما جعلها تعوم نَحْوَ الشاطئ وتستلقي هُناك وهي ترتعش وتحدق في برج الفنار وهو يطلق ضوئه باستمرار ، أحمر ابيض ،أحمر أبيض . ينعكس عليها حَتّى أصبح بإمكاني رؤية لمعان أعينها الغريب فانتابتني قشعريرةٌ باردة. ظلت الأسماك تتلاون كذيل طاووس حَتّى منتصف الليل ، ثُمَّ فجأة وبدون أدنى صوت انسحبت كُلُّها مختفية عن الأنظار.غريبة! لقد تبادر إلى ذهني بطريقةٍ ما إنّ الأسماك هذه قطعت كل تِلْكَ الأميال لتصل إلى الشاطئ، ربّما، لأداء طقسٍ ما. تصوَّر كيف كان برج الفنار يبدو لها وهو بارتفاع خمسة وعشرين متراً؟ ربّما كان الفنار في عليائهِ، بالنسبة لهذه الأسماك، بمثابة إله يسطع نوره في الأرجاء، لكِنَّ صوت النفير الصادر عنه بدا وكأنه صيحة وحش عملاق.لهذا لم تعُد تِلْكَ الأسماك أبداً، ألا يتبادر إلى ذهنك ولو لبرهة إن تِلْكَ الأسماك ظنّت إنها في حضرة إله ؟ "
اقشعرَّ بدني وأنا أحملق في دَكنة البحر الممتدة إلى ما لانهاية. نفخ "مَكْدُنْ" دخان غليونه بعصبية وهو يرمش بعينيه قائلاً:
- آووه ، البحر مليء بالأسرار .
كان "مَكْدُنْ" عصبي المزاج طول النهار دون أن يفصح عن السبب ، وعاد يقول:
- نحتاج إلى آلاف أخرى من السنين ونحن بهذه السفن والغواصات لتطأ أقدامنا القاع الحقيقي للبحر ومعرفة أسرار الأرض الغاطسة هُناك حيث الممالك الخرافية ، عندها فقط سنشعر بالخوف الحقيقي . فكِّرْ بالأمر، إنَّ الأعماق المجهولة هذي مازالت تعيش على حالها في الأسفل وكأنها في سنة 300000قبل الميلاد. و نحن مازلنا نستعرض جيوشنا وننفخ في الأبواق ،نقطع رؤوس بعضنا البعض و بلاد تغزو بلاد . و تِلْكَ الممالك ساكنة في الأعماق والبرد مُنْذُ زمن طويل تُقدّر أعمارها بأعمار النجوم.
- نعم أنه لعالم قديمٌ حقاً.
- تعال إذاً لأُريك وأفشي لك سراً احتفظت به لك .
صعدنا ثمانين درجة من سُلّم الفنار دون أن نتوقف عن الكلام. وعندما وصلنا القمة أطفأ "مَكْدُنْ" مصابيح الغرفة في أعلى الفنار لمنع انعكاس الضوء على زجاج النافذة . كان المصباح الرئيس يدور ببطءمثل عين مركبة حول المحور المُزيَّت وكانت صافرة الضَبَاب تطلق تنبيهاً متواصلا كل خمسة عشر ثانية.
أومأ "مَكْدُنْ" برأسه وهو يقول:
- ألا يبدو صوت النفير هذا وكأنه صوت حيوان ؟ حيوان عملاق  يَنحبُ وحيداً في الظلام قابعاً هنا منذ ملايين السنين ، منادياً الأعماق كأنه يقول أنا هنا أنا هنا أنا هنا ، فتجيبه الأعماق ، نعم يردُّ عليه صدى الأعماق. 
اسمع ياجوني لقد مضى على وجودك معي في الفنار ثلاثة أشهر ولا بد لي من تدريبك وإعدادك."
ثُمَّ وهو يحملق في عتمة الضَبَاب قال:
- في مثل هذا الوقت من كل عام، ثَمّة مَن يأتي لزيارة هذا الفنار.
- أَتعني أسراب تِلْكَ الأسماك؟
- كلا ، بل شيءٌ آخر، لقد أرجأتُ إخبارك بهذا الموضوع خوفاً من أنك تتهمني بالجنون، لكِنَّ في هذه الليلة بالذات حين يحلالظلام لابد لي من كشف المستور ،لا أريد أن أدخل في التفصيلات بل سترى ذلك بنفسك ، أجلس فقط . وإنْ أردت ، بإمكانك في الصباح أن تحزم أمتعتك في الزورق لتصل الساحل وتضع سيارتك عند رصيف الشاطئ وتشعل المصابيح الأمامية لتراقب كل شيء من هُناك . لا ألومنّك إن تركتني ورحلت . لقد مرَّ على الحادث الآن ثلاث سنين وقد حان الوقتالذي يتسنى لأي شخص معي أن يتأكد من صحة ما حدث، أنتظر وسترى بنفسك.
نصف ساعة مرّت بيننا لم نتبادل فيها حديثاً غير همسات قليلة. وعندما مللنا الانتظار راح "مَكْدُنْ" يوضح لي بعضاً من أفكاره ؛ كان لديه بعض النظريات التي تخص ظهور أول نفير للضباب ، راح يقول:
- حَدثَ أن جاء رجل في الماضي البعيد ليتنزه على طول الساحل وتوقف لدى سماعه صوت البحر في يوم غائم فقال: تحتاج السفن إلى صوت يحذرها وهي في عرض البحر؛ سأخترع مثل هذا الصوت.سأبتكرُ صوتاً مثل صوت الزمان، صوت كأنه كل هذا الضَبَاب، سأخترع صوتاً له برودة فراشك الخالي من الحياة طوال الليل، صوته كأنين الوحشة التي تجدها في بيت مهجور حين تفتح الباب. صوت يعبِّر عن عُريّ الأشجار في الخريف، صوت كأنّه صياح الطيور المهاجرة نَحْوَ الأصقاع. صوت كأنه صفير الرياح في الشتاء أو كصوت شاطئ في يوم شديد الصقيع، سأبتكر صوتاً يستطيع كل شخص تمييزه من شدة العزلة التي فيه وكل من يسمعه سيبكي من الأعماق ويحن إلى دفء المواقد في الشتاء. إنَّ سماعه من الأعماق يبدو أفضل من سماعه في المُدن النائية؛ سأبتكر صوتاً يسميه الجميع بنفير أو صوت الضَبَاب؛ كل من يسمعه سيشعر أن الدنيا دار فناء وأن الأبدية دار بقاء.
أطلق النفير صوته.
وقال "مَكْدُنْ":
- أخبرتك هذه الحكاية لأوضح لك مالذي يأتي  لزيارة هذا الفنار في مثل هذا الوقت من كل سنة .  اعتقدُ إنه حين يسمع هذا النفيريشعر به مثل نداء له فيأتي ملبياً هذا النداء.
 - ولكن ..؟ قلت له
- هسسسسسس أسكت ، هُناك! قال وهو يومئ برأسه نَحْوَ عرض البحر.
شيء ما كان يسبح نَحْوَ برج الفنار ، كانت ليلة باردة كما قلت وكان البرج بارداً في الأعالي  حيث كان الضوء ذاهباً آيباً في اشتعال وانطفاء وكان صوت النفير يصيح في جحافل الضَبَاب الزاحفة خلسة. لم تكن الرؤية واضحة على مسافة بعيدة لكنك تشعر بان أعماق البحر تتحرك نَحْوَ أرض الليل ناعمة وهادئة لها لون الطين الرمادي وها نحن وحيدان هنا في أعلى برج الفنار . في البدء رأينا على مسافة مادوامة ماء تلتها موجة ارتفعت كالقُبّة وعلاها زبد البحر ، ثُمَّ انشق سطح الماء البارد ليخرج لنا رأس ، رأس كبير غامق اللون له عينان كبيرتان ثُمَّ ظهر عنقه رحنا نتصور أن جسمه هو الذي راح يخرج فتبين لنا أن العنق هذا راح يطول ويطول حَتّى وصل إلى ارتفاع اثنا عشر متراً ،عنق ملساء سمراء جميلة . بعد ذلك ظَهرَ جسمه مثل جزيرة عائمة وراح المرجان البحري وجراد البَحر الذي ظَهرَ من الأعماق يتقاطر منه على الجانبيّن. كان هُناك ثَمَّة خبط لذيل . وعموماً خَمَّنتُ أن طولَ هذا العملاق البَحري من الرأس حَتّى الذيل بأكثر من ثلاثين متراً .
لا ادري ماذا أقول لكنني قُلتُ شيئاً.
- على مَهلك يا فتى على مهلك واهدأ . هَمسَ "مَكْدُنْ".
- إنه لأمر مُستحيل . قلتُ له
- كلا  يا جوني لا شيء مستحيل يا صديقي ، هكذا هو الأمر مثلما كان قَبل ملايين السنين . لَمْ يتغير فيه شيء. إنَّما نَحن الذين تَغيرنا على وجه هذه الأرض . نحن الذين أصبحنا هذا المستحيل الذي تتحدث عنه !
سَبَحَ هذا العملاق الأَسْوَد بعيداً بِكُلِّ جبروته خارجاً مِن المياه الجليدية ،يخترق الضَبَاب و يخبئ جسمه الهائل مَرَّة ويكشف عنه مَرَّةً أُخرى ، وعكست إحدى عيني هذا الوحش الضوء الهائل للفنار احمرا ثُمَّ ابيضا وأحمرا ثُمَّ ابيضا مثل قرص ساطع نُصِبَ في أعالي السماء وراح يُرسل إشاراته الضوئية بِشفرات مِن العصور البدائيّة للتاريخ . كان  يعومُ صامتاً كأنَّه الضَبَاب.
جَلستُ ممسكاً بالحاجز الحديدي لِسُلَّم الفَنار وأنا أقول لـ"مَكْدُنْ":
- يبدو أنه أحد أنواع الداينوصورات.
- نعم ، من إحدى فَصائِلها.
- لكنَّها انقرضت. 
- كلا ،  اختبأت في الأعماق، في أعمق أعمق الأعماق . أليس هذا هو التعبير الصحيح؟ ألأعماق ،مثل البرد والظلام هذه الأعماق.
- مالذي سنفعله إذاً؟
- مالذي سنفعله؟؟ لدينا واجبنا المُناط بِنا وليس بإمكاننا المُغادرة إضافةً إلى أننا هنا أكثر أمناً وسلامة من ركوب الزورق والفِرار إلى الشاطئ ؛ هذا الشيء الذي رأيتْ أعظم خطراً من أية مُدمِّرة بحرية وأسرع من أي تمساح .
- لكِنَّ قُلْ لي لِمَ يأتي إلى هنا بالذات؟
- سأجيب على سؤالك هذا بَعدَ قليل.
انطلق صوت النفير من أعلى الفنار.
فأجابه الوحش العملاق من الأعماق .
صَرخةٌ تردّدتْ وعَبرَتْ مليون سنة من المَاء والضباب ، صرخةٌ فيها مِن العذاب والوحدة بِما جَعلَ فِكري وجَسدي يرتعشان في خَفقة واحدة .لقد فَتحَ  الوحش فَمه  المليء بالأنياب الطويلة وردّدَ  صارخاً في جوابه لنفير الضَبَاب بصوتٍ مماثل للنداء المُنطلق من أعلى الفنار. وكلَّما صاحَ النفير ،زَمْجرَ العملاق بصوت مماثل، صوتٌ هائل، بعيد ووحيد. صوتٌ من الوَحشة في ذلك الليل البارد من ظلام البحر الشاسع .
وهَمسَ "مَكْدُنْ":
-والآن هل عَرفتَ سَببَ ظُهورهِ هنا بالذاتْ؟
فأومأت بالإيجاب.
استمرَّ "مَكْدُنْ" يقول:
- اسمع يا جوني ، إنَّ هذا العملاق المسكين يقبع طول السنة هُناك في الأعماق الباردة على مسافة آلاف الكيلومترات وعلى عمق عشرين ميلا وربَّما أصبح عمره الآن أكثر من مليون سنة ، هذا المخلوق الوحيد من زمانه ، تأمَّلْ حالَهُ وهو ينتظر مُنْذُ مليون عام ، هل بإمكانك أن تنتظر كل هذه المدة؟ لعله الأخير من نوعه، أعتقد إن كلامي فيه شيء من الصحة ، على أية حال ، جاء الإنسان إلى هنا وبنى هذا الفنار قبل خمس سنين ، ونُصِبَ البوق وراحوا يطلقون النفير تلو النفير نَحْوَ المكان الذي افترض أنك تختبئ فيه حيث تنام وتحتفظ بذاكرتك الكثير من العالم الذي كنت تعيشه مع آلاف من أبناء جنسك ، لكنك الآن وحيد في عالم لَمْ يَعُدْ لك ،عَالمٌ يُحتِّمُ عليك أن تختبئ وتواري نفسك منه. لكِنَّ صوت النفير بقى يأتي مرّة ويذهب مرّة وأنت تتحرك من سُباتك الطيني في أعماق البحر وتتفتح عيناك مثل عدستيّن لكاميرا عِملاقة ويتحرك جسمك متململا ببطء تحت ثقل مياه المحيط الضاغطة على كتفيك . صوت النفير هذا يأتيك من بعيد من مسافة آلاف الفراسخ من المياه العميقة للمحيط، يأتيك واهناًرتيباً فيستيقظ الجوع فيك ويقرص أمعائك فتستيقظ وتتحرك ببطء ببطء. وتروح تلتهم ما يمر بك من أسراب هائلة لسمك القدوتنهض  ببطء شديد أثناء أشهر الخريف عندما يبدأ موسم الضَبَاب في شهر أيلول ويزداد كثافة في شهر تشرين ويظل نفير الضَبَاب يطلق ندائه إليك طوال شهر نوفمبر حيث تروح تشق لنفسك طريقاً من رحم الأعماق لتقترب ببطء شديد يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة متَّجِها نَحْوَ تخوم سطح الماء وأنت غير مصدق انك باق على قيد الحياة ، عليك اذاً أن تتمهل في خروجك فوق سطح الماء لأنك لو خرجت إلى سطح هكذا دفعة واحدة سوف ينفجر جسمك وتتحول إلى أشلاء ولهذا سيستغرق وصولك إلى السطح طوال أشهر الخريف وتستغرق رِحلتُك سابحاً في المياه نَحْوَ بُرج الفنار عِدَّة أيام ، ثُمَّ ها أنت ذا  ياجوني قد خَرجتَ في الليل أكبر مخلوق على سطح الأرض مُنْذُ الخليقة. هاهو الفنار يُطلق ندائَه إليك عبر عنقه الطويلة التي تشبه عنقكَ ، كلاهما ينتصبُ عالياً فوق الماء، له هيكل ضخم مثل هيكل الفنار لكِنْ أهم من كُلِّ ذلك هو هذا الصوت الذي يشبه صوتك ، هل فهمتني الآن يا جوني هل فهمتَ مَغزى الكلام؟"
أطلقَ الفنار صوتَ نفيرِه.
فردَّ عليه الوحش بصوت مماثل.
رأيتَهُ كُلَّه وعرفتُ كُلَّ شيء الآن ، عرفتُ ماذا يعني الانتظار طيلة ملايين السنين والبقاء وحيدا بالنسبة لكائن يعود و ما كان مقدراً له أن يعود أبداً من عزلته التي استغرقت في الأعماق مليون عام ، عرفتُ جنونَ الزمن واضطرابه عِنْدما انقرضتْ الزواحف الطائرة وانحسرَ الماء و تكوّنت القارات ،حينذاك فقط حانتْ ساعة الزواحف العملاقة مُسيفة الأسنان وانطمرت في حُفَرٍ من القطران. وظهرَ بنو آدم يتراكضون كأنَّهم النَمل الأبيض فوقَ التلال.
أطلقَ الفنار صوتَ نفيرَه. و"مَكْدُنْ" قال:
- في العام الماضي سَبحَ هذا المخلوق حولَ المكان وراح يدور ويدور طوال الليل دون أن يقترب كثيراً فأردتُ أن أقول رُبَّما هو حائر أو خائف ولعلَّه غاضبٌ بعض الشيء مِن قَطعِهِ كل هذه المسافة ، لكِنْ في اليوم التالي انقشع الضَبَاب فجأة وظهرت الشمس وكانت السماء زرقاء صافية كما في لوحة زيتية فابتعد الكائن هذا عن حرارة وصمت المكان ولم يرجع أبداً. أعتقد إنه كان يفكر في موضوع الفنار ، تفكيره ربَّما استغرق سنة بحالها ويبدو أن السنة قد انتهت الآن."
كان الحيوان هذا يبعد عنا الآن أكثر من مئة متر وكان يتبادل النداء مع نفير الضَبَاب المنبعث من أعلى الفنار وعندما مسَّ ضوء المصباح عَينيّه عكستا هذا الضوء وبديتا بيضاويّن؛ مرّة كالثلج وحمراوين كالنار مرّة أخرى. و "مَكْدُنْ" يقول:
- تِلْكَ هي الحياة؛ فيها مَن ينتظر مَن لايعود إلى الأوطان ،القصة نفسها تتكرر دائماً ، فيها مَن يُحب أكثر مما يحبه الطرف الآخر وبعد حين من الزمان يسعى المُحب إلى تدمير حُبَّهُ لكي لا يُسبب له كُلَّ هذا الأذى والحرمان.
كان الوحش يندفع نَحْوَ فنارنا.
ويطلق بوق التنبيه نفيرَ الضَبَاب. وعاد "مَكْدُنْ" يقول:
- دعنا نرى مالذي يجري .
وضغط على زِرِّ البوق ليوقفَ صوتَ النفير.
كانت اللحظة التالية من الصمت بمكان بحيث إننا رُحنا نسمع ضربات قلبيّنا ترنُّ في البرج الزجاجي للفنار ونسمع أيضا صوتَ دوران المحور المُزيَّت لفانوس الفنار.
توَقَّفَ الوحش جاداً في سكونه ولمعتْ عيناه الكبيرتان وفتحَ فكيّه مطلقاً غَمغمة كأنَّها صوت بُركان وهو يحرك رأسه ذات اليمين وذات الشمال، كما لو أنه يبحث عن هذا النداء الذي تلاشى مختفيا بين طيات الضَبَاب . وحَملقَ في ضوء الفنار مُزمْجراً مرّة أخرى ثُمَّ قدحت عيناه شرراً وانطلق يشق الماء وهو يرتفع بكُلِّ قوته نَحْوَ مَبنى الفنار. فصحتُ بـ "مَكْدُنْ" :
- افتحْ زِرَّ النفير !
راح "مَكْدُنْ" مرتبكاً يضغط على زر النفير لكِنَّ الوحش قد سبق كُلَّ ذلك خارجاً عن سطح الماء ، وشاهدتُ مَخالبَه الكبيرة وما يلمَع بينهما مِن حَراشف جِلديّة صلبة  وهو يُطبق على البرج بأصابعه الشبيهة بكمَّاشات الحَفَّارات ، وكانت عيناه تلمعان في رأسه وهو يصرخ و يتلوى من الألم أمامي مثل مَرجل يَغلي . راح برج الفنار يهتز بينما كان نفيره ينطلق صارخاً فيردُّ عليه الوحش بالصراخ نفسه وهو يمسك بالبرج ويحطم الزجاج الذي تناثر هشيمُهُ على رؤوسنا.
أمسك "مَكْدُنْ" بذراعي قائلاً:
- هيا لننزل أسفل السُلَّم!
بينما راح البرج يترنح وبدأ بالسقوط . كان نفير الضَبَاب مستمراً في دويّه وكان الوحش يرد عليه بالزئير. تعثرنا في نزولنا السلالم وكُدنا نَقعْ و"مَكْدُنْ" يصيح :" بسرعة !"
وصلنا إلى أسفل البرج الذي كان يترنح ثم ينهار علينا . اختبأنا تحت السلالم في سرداب حجري صغير. كُنا نسمع أصوات الحجر الذي كان يسقط بالآلاف كأنه المطر، وانقطع صوت نفير البرج دفعة واحدة بينما ارتمى الوحش على حطام البرج و كنت و"مَكْدُنْ" جاثييّن مُتمسكيّن بشدة ، ثُمَّ انتهى كُلُّ شيء فجأة ولَمْ يبقَ غير الظلام وأمواج البحر تغسل الصخور. و"مَكْدُنْ" يقول بهدوء:
- اسمع ، اصغ .
انتظرنا لحظة ثُمَّ سمعتُ الصوت ؛ في البدء كان أشبه بصوت أنبوب كبير يشفط الهواء ، ثُمَّ  تحوّل إلى هذا الأنين النادب المُعبِّر عن الوحدة والحيرة التي يعيشها الوحش العملاق وهو يرتمي طاوياً نفسه فوقنا لا يفصلنا عنه غير ركام الصخور حَتّى أن رائحة جسمه الزنخة قد ملأت المكان . كان الوحش يئن ، ها قد تلاشى البرج عن الوجود وانطفأت الضياء. إنّ الصوت الذي كان يناديه عبر آلاف السنين قد سكت أخيرا وكان الوحش يفتح شدقيّه الهائليّن ويطلق صرخاته العظيمة كأنه بالضبط نفير الضَبَاب نفسه ، حَتّى أن السفن البعيدة التي كانت تمر في تِلْكَ اللحظة  دون أن ترى مصابيح الفنار، قد سمعت  صوت هذا النفير في وقت متأخر من الليل ، ولا شك أن البَحَّارة راحوا يقولون: هذا هو الصوت لوحده ، نَفير الساحل الموحش، كلُّ شيء على ما يرام لقد مَررنا بسلام.
هكذا سار الأمر طوال تِلْكَ الليلة.
وفي عصر اليوم التالي كانت الشمس صفراء ساخنة عندما وصل فريق الإنقاذ وأخرجونا من القبو ،وقال "مَكْدُنْ" موضحاً لهم وهو يقرص ذراعي:
- لقد انْهارَ فجأة عندما تَعرضنا إلى بعض الموج العالي .
كان البحر هادئاً وكانت السماء زرقاء ، كل ما تبقى هو هذه الرائحة الزَّنِخة  للطحالب التي غَطَّتْ حجارة الفنار المُهدَّم وصخور الشاطئ أيضاً وكان الذباب يَئِزُّ متجمعاً حَولَ تِلْكَ الحجارة. وكان المحيط مُستمرّا في غَسلِه الساحل.
 في السنة التالية أنشأوا فناراً جديداً ، لكني كنتُ قد حَصلت على وظيفة أخرى وتزوجت وأنشأت بيتاً في المدينة الصغيرة ، بيت دافئتُضاء مصابيحُه الصُفر في ليالي الخريف الباردة حيث نُوصد أبوابَنا ويرتفعُ دخان مواقدنا من المَداخن . أما بالنسبة لـ"مَكْدُنْ" فقد بقى في الفنار الجديد الذي أُنشيء حَسب مواصفات خاصة من الخرسانة المُسلحة ، وذات مساء اتجهت بسيارتي في وقت متأخر وتوقفت هُناك انظر إلى المحيط المترامي وأصغي إلى الفنار الذي يطلق بوقه نفيراً عالياً ثلاث أو أربع مرات في الدقيقة الواحدة نَحْوَ الأصقاع البعيدة من البحر ، صوت وحيد.
لكِنَّ أين الوحش العملاق؟
فأجاب "مَكْدُنْ": 
- لَنْ يعود أبداً. لقد رحل عائداً نَحْوَ الأعماق ، لقد عَرفَ إنه لايمكن لأحد أن يُحبَّ كُلَّ شيء في هذه الدنيا ، رَحلَ إلى أعمق أعماق المحيط رُبَّما لينتظر مليون سنة أخرى ، يا للحيوان المسكين! تَصوَّر وهو ينتظر وينتظر بينما الإنسان يأتي ويمضي على سطح هذا الكوكب البائس الصغير ، أما هو فباقي ينتظر وينتظر ."
جلستُ في سيارتي وأنا أصيخ السمع، لَمْ أرَ الفنار ولا ضوئه إنّما كنتُ أسمع صوت نفيره وهو يصيح ويصيح ويصيح كما لو أن النفير ينطلق من حنجرة ذلك العملاق نفسه.
جلستُ هُناك متمنياً أن أجد شيئاً أقوله.