loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

وقائع الحياة في القلعة المهجورة

breakLine

 

 

برهان شاوي - كاتب عراقي

 

حين نهضت من موتي، كان الظلام حولي دامسًا. ارتطم رأسي بباب التابوت. أين أنا؟. متى متُّ.. وكيف؟  حينها كانت العربة التي يجرها جوادان أسودان تسرع وهي في سبيلٍ ضيقٍ تحت قطع جبلي يطل على وادٍ سحيق. وكانت العربة من دون سائق. وبدا وكأن الجوادين يعرفان إلى أين يمضيان..! لكن ما الذي جرى؟ لقد كنتُ أقود تلك العربة، متجهًا لتلبية دعوة الأميرة المعتزلة في قصرها بين الجبال.!

 

أتذكر الآن، بأنني لم أتلق دعوة منها كي أتوجه إليها، فقد رأيتُ قصرها الشامخ ذات يوم من بعيد وكأنه فوق الغيم، لكن قبل تسع ليال راودني صوت وأنا في المنام، صوت امرأة فيه رزانة وهدوء ومودة، تدعوني لزيارتها في قصرها بين الجبال، لأعالجها من حالة السوداوية التي تمر بها، فاستيقظت من نومي، سألت نفسي هل أنا طبيب كي تريد مني علاجها، أم أنا ساحر أو مشعوذ يكتب الرقى والتعاويذ والطلاسم..؟ ومع ذلك أعددتُ عربتي وسقيت جواديّ، وأطعمتهما، وتزوّدت بالمؤن والماء والتبن للجوادين وانطلقتُ.

 

اجتزتُ وديانَ ومنعرجاتٍ. ومررت بقرى مهجورةٍ ومقابرَ نائيةٍ صارت ملجأً للغربان ولفئران الحقول. إلى أن وصلتُ إلى منطقة جبلية مهيبة، حيث الجبال العالية والمقاطع الجبلية الحادة والأنهار المندفعة التي تظلل ضفتيها الأشجار المنحية على الماء، ومن البعيد لمحتُ قصرها المنيف فوق قمة جبلية. وعلى الرغم من أنني قطعتُ تسعةَ أيامٍ في الطريق، فما زالت أمامي مسافة ليستْ بالقصيرة، إذ عليّ المرور بين ممرات الجبال الوعرة، كي أصل إلى الجبل الذي قصرها فيه.

 

متُّ البارحة موتًا فجائيًا. وسمعت الطبيب يقول إنها سكتة قلبية، لكنني بعدها لم أعد أعرف شيئًا، إلى أن أفقتُ في تابوتي، مع أنني ما أزال، إلى الآن، أقود عربتي حيًّا بين ممرات الجبال.

 

لكن ياللعجب، ها أنا راجع من القلعة الجبلية، حيث الأميرة الغامضة، ولستُ ذاهباً إليها كما كنت أرى نفسي لحظة عودتي من الموت؟. لكن طريق العودة كان طويلًا جدًا وكأنه امتد لسنوات مع أنه الطريق نفسه الذي سلكته حين توجهت إلى القصر!؟. أأنا ذاهب إليها أم راجع من عندها؟؟