loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

آرنولد بينيت : هجاءُ طغاة المنازل

breakLine
134 2020-07-29

آرنولد بينيت : هجاءُ طغاة المنازل

غنوة فضة / روائية سورية

 

هاجمت الكاتبة الانكليزية "فيرجينيا وولف" الروائي "آرنولد بينيت" في مقالة كتبتها عام 1924, واتّهمته عبرها بالإصرار على إغراق رواياته وأبطالها بأكوام من التفاصيل التي تكدّست بين نصوصه لجعلها أكثر إقناعاً وواقعية. تقول وولف: إن صورة الأدب الروائي الجيد في نظر "بينيت" أدت لإلقاء الظلال العاتمة على خبايا نفوس أبطاله، وأضفت القتامة على طبائعهم الداخلية، وردّت ذلك لاهتمام بينيت وهوسه بالبنية الخارجية والهيكل الظاهري لرواياته مسايراً بذلك من عاصرهم من روائيين فرنسيين. تلك التفاصيل التي أثارت حفيظة وولف، بدت حاضرة بجلاء في أكثر روايات بينيت انتشاراً و شهرة، وهي رواية " آنا والمدن الخمس" والتي كتبها عام 1902، وتتحدث عن فتاة تدعى "آنا تيلرايت" وهي صبية عشرينية محدودة الخبرة والثقافة، تهيمن عليها التقاليد والظروف، إلا أنها تتسم بإحساسٍ قويّ بالواجب، وعاطفةٍ متقدة تختفي تحت وجه خجول لا يرى بدّاً من الامتثال لما يجب أن يُفعَل، تاركة أمر دواخلها وما يعتمل في نفسها من مشاعر وما يعذبها من آثام لخيالاتها الخبيئة.
تعيش الفتاة مع أخت صغيرة في بلدة "بيرسلي"، وهي الموئل القديم لصناعة الخزف، وتمتلك تاريخاً يناهز ألف عام، جعل منها أكبر مدينة إلى جانب أربع أُخرٍ يجاورنها، حيث يتبدى الفضاء المكاني للأحداث في بيئة لوثتها يد الإنسان، وطبيعة حولتها الصناعة إلى أمكنة ذات ملامح قاسية وهواء خانق زاد من قتامته عيشٌ ضنك مع والد مستبدّ وأنانيّ، يشغل حيزاً هاماً في أحداث الحكاية، حيث أظهره الكاتب كنموذج لرب أسرةٍ بخيلٍ، ورجلٍ صاحب مزاجٍ سيء ومتقلبٍ، إلا أنه غني يدير أموال البلدة ويشغل أبناءها الوزليين. تتأقلم آنا مع طباع والدها الخشنة، إلى أن ترث رغماً عنه أموالاً من جهة والدتها المتوفاة، لتشكل تلك المفارقة منعطفاً هاماً، فالفتاة التي لم تلمس المال يوماً بيدها، تحولت في ليلة وضحاها إلى مالكة مصنع وبضعة سندات مالية، الأمر الذي يثير سخط الأب ليدفعها، رغماً عنها، لتحصيل الديون القديمة ممن يعجزون عن سدادها، وعلى رأسهم " تيتس وابنه ويلي برايس" اللذان استأجرا مصنعها لأعوام طويلة مضت، لتتوضح عبر شخصية "أفرايم تيلرايت" صورة الأب المهووس بالمال والذي ينسبه الكاتب لما كان يسمى آنذاك بطبقة " طغاة المنازل".
تُجبَر "آنا" على مخالفة عاطفتها وأخلاقها، وتعيش حزناً عميقاً سيما بعد أن تكتشف وقوعها في حب "ويلي برايس" والذي يشكل جانباً من شخصيتها الخجولة المكبوتة التي تدفعها لقبول خطبة الشاب المرموق "هنري ماينورز" امتثالاً لما يأمرها به الواجب والسمعة والطبقة الاجتماعية. إلى أن يذاع خبر انتحار والد ويلي، والذي يشكل الدافع لتحدي أبيها الجشع، ومواجهة أحداث معقدة، ورؤى تتناحر بين أمزجة وأموال وقصص أودت لانتحاره ورحيل ابنه.
تتبدى عبر الصفحات تفاصيل الحياة الإقليمية لإنكلترا الفيكتورية، فتضيء على الشروخ بين الأغنياء والفقراء، في حين يبقى الكاتب متخفياً خلف شخصياته بصورة الراوي الذي يبثها الحركة والحياة، فيميز قارئ روايته، عاديّتها، وقدرة صائغها على تحويل العادي إلى استثنائي، فالفتاة "آنا" والتي يمتلكها الارتياب إزاء كل شيء حولها، تمتلك حسّ الشكّ والمقارنة والرفض، فنراها رغم عاطفتها المتأججة وحماستها الوقادة، تمتلك شكوكاً تجاه ما يخطب به الواعظ الإحيائي في الكنيسة، وتقارن الأفعال بالأقوال، ليكشف الكاتب عبرها عن قضية النفاق الاجتماعي الذي يتجسد بشخصيات عديدة، مانحاً المال صلف السُّلطة وعنجهيّتها، والقدرة على توجيه الأوامر والنواهي في تنسيق الزيجات وعقد الصداقات والجلسات المسائية, لقاء فشل المذهب الديني في تعزيز الجوانب الروحية لدى الأفراد. لتتوضح الصبغة الواقعية لسردية "بينيت" الشهيرة, كما تأثره بروايات فلوبير وزولا وغيرهم ممن عاصروه في كتابة الرواية الواقعية. فنجد التفاصيل تسود كل المشاهد؛ من أنواع الأطعمة إلى الأشربة وطقوس الأعياد والصلوات إلى النزهات والملابس, حتى نتبيّن رسماً بنيوياً شديد الوضوح لروايةٍ حافظ كاتبها على بقائه بعيداً عن القراء, تاركاً لهم الحرية في الحكم على الأحداث والوقائع، مثلما نتبين هدفه من عرض واقع المرأة في مجتمع محدد ومنطقة مؤطرة بقوانينها وأعرافها, كاشفاً عن زور العلاقات وتشابكها بين أرباب العمل والعمال, وبين الأبناء والآباء, فتتشكل الصورة الكاملة للحياة المحلية في المدن الخمس بسردٍ بسيط غير متكلف, رفض الولوج لتصور التحليلات النفسية أو التفسيرات المنطقية, مكتفياً بالتعبير عن شخصياتٍ عاجزة لا تملك هبةَ الإفصاح عن مكنوناتها؛ شخصياتٍ كتومة تعيش تحت رحمة مجتمعات خانقة تتسم ظاهرياً بالاستقامة والمثالية.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي