loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

أدب الإرهاب اليومي في العراق

breakLine
9 2021-02-23

أدب الإرهاب اليومي في العراق    
مواكبات الكاتب الكبير محمد خضير

 

باقر صاحب - كاتب عراقي

 

قد يصحُّ قولنا إنَّ القاصَّ الكبيرَ محمد خضير يعدُّ من أوائلِ الكتاب الستينيين الذين واكبوا نصِّياً النكبةَ العراقيةَ الأخيرة، ونقصدُ بها انهيارَ الموصلِ على أيدي الغزاةِ (الدواعش). واكبها من خلال كتاباته كل أسبوع، آنذاك، في ثقافية (الصباح).
القاص محمد خضير، كتبَ نماذجَ إبداعيةً، عصيةً على التجنيس، ولذلك جعلنا مكانتها مستقلةً؛ لا خانة السرد ولا الشعر، لقد برهنَ خضير فيها أنَّنا معشرَ المبدعين، نستطيعُ كتابةَ النصِّ المنتصر جمالياً على قباحة الحدث بموازاة  أشدّ لحظاته تراجيديةً.

            جلسة صامتة (مونولوج أمام شاشة تلفاز)

أولُ نصٍّ كتبهُ القاص الكبير محمد خضير عن حدثِ الموصلِ تحديداً والنكبةِ الجمعيةِ عامة، كانَ بعد أسبوعين من تاريخ وقوع الحدث، كان النص المنشور في ثقافية الصباح بعنوان ( جلسة صامتة/ مونولوج) ومن ثم نشره في الكتاب المشار اليه في الهوامش رقم(1)، وبالعنوان الجديد أعلاه.
وبحسب الدقة التي يُعرفُ بها محمد خضير، فإنَّ  كلَّ ما في النص بدءاً من العنوانِ واختيارِ المبنى النصِّي متمثلاً بالمونولوج، له دلالاته، فضلاً عن حسابِ التناقضِ بين (الجلسة الصامتة) ظاهرياً وبين الحوارِ الذاتي، أيْ وجودُ شخصٍ يتكلّم. كلامٌ يقالُ، ولا أحدَ يجيب، ( أغلبية صامتة).
المبنى المونولوجي للنص اتَّسقَ مع العزلةِ المكانية، (قبو في عمارة )، أو( ملجأ متَّسع الأرجاء)، تعميقاً لوصف محمد خضير عزلتنا عما يجري. رسمَ المشهدَ الفوضويَّ ساعةَ الحدث، والارتباكَ الذي حدثَ في تفاصيل يوميّاتنا، ليست هناك سوى (شاشة تلفاز) هي الوسيط التكنولوجي بيننا وبين ما يحدث خارجاً.
حوار محمد خضير، أو أناه، كما في النص، مُتجاهَل، "إنهم يتجاهلونني تماماً" الأغلبية  منشغلون، بماذا، " بشريط الشاشة الاعتباطي"، هل (أنا) محمد خضير تمثِّل المثقفَ المُتجاهَل، لدوره التنويري، إنه يعرف، يريد التحدث  للناس عما يعرف، ولكنهم" يتمرّنون بتواطؤٍ على الصمت.. لن ينتبهوا لكلامي.. يتجاهلونَ وجودي. سأتحدَّث إلى نفسي".
مونولوج فيه شخصية تُسمّى(أنا)، فقرات حديثها الذاتي الطويل،
مقتطعةٌ بفقرات حديثٍ وثائقيٍّ مصَّور بكاميرا المؤلفِ ذاته، كأنه
ينقسم بين ذاتين:
أولاً: ذاتٌ عارفةٌ  ناطقة، يتصاعدُ منحنى خيبتها مما تقول" لماذا أعيدُ أدوارَ الخطباءِ والمنذرينَ والمتنبئينَ والحكماءِ فأزلزل الفضاء بصخبي وتحذيراتي؟ لماذا أحصد الخيبة والندم على ما ينفرط مني وأعتقد أنَّه مقبولٌ سلفاً من الآخر الصامت، المتجاهل شعوري بأهمية ما أقول".
ثانياً: ذاتٌ مصوّرةٌ راصدةٌ للحدثِ بتفاصيله، كأن الفقراتِ الوثائقية من النص هي الردودُ الوهميةُ على تقوّلات الذات العارفة، وأنَّ المؤلفَ يكسرُ الصمتَ المريبَ بتصريحاتِ متضررينَ من النكبة، مثلاً، نازحةٌ موصليةٌ تقول" عندما سمعنا بسقوط  الموصل حملنا ما نستطيع حمله من حاجياتٍ ضروريةٍ وتركنا منزلنا متجهينَ نحو إقليم كردستان، هرباً من المعارك"، أو أخبار وتعليقات من صحف أجنبية، أو بيان لمفوضية حقوق الإنسان، ردودٌ توحي بأنّ الحدثَ أكبرُ من الجميع "تنقلُ الشاشةُ صورَ جرّافاتٍ تفتحُ طريقاً في ساترٍ ترابيٍّ على الحدود السورية، تتسرّبُ منه سياراتُ المسلحين إلى داخل الحدود العراقية".
الناصُّ يتفاقمُ إحباطاً فقرةً بعد أخرى. إحباطاتٌ تقوّض أهميةَ الخطابِ وأفضليته، لأنَّه حدثٌ أبطلَ سحرَ كلَّ شيءٍ "الشخص اللبيب من يبادر لإبطال السحر نفسه، أيْ يبطل أهميته حالاً عند نفسه قبل أنْ يبطلَها الآخرونَ بتجاهلهم وصمتهم المثيرِ للسخرية والاستهجان".الناصُّ أمام  حدثٍ غرائبيٍّ يموتُ فيه سحرُ التواصلِ الاجتماعي، وكذلك سحرُ الضجيج وصَخبُ الحياة، صدمةٌ تجعلُ كلَّ ذاتٍ متأملةٍ تستنطقُ خطابَ الشفقةِ والرحمة والصداقة والتضامن، فلا تجد ردَّ فعلٍ ناجع.
 يستنطق الناصُّ خضير الجماعاتِ المدنيةَ، علّها تقاسمه مشتركاتٍ في حوارهِ الإنساني الآيل للسقوطِ في قعرِ عدمِ الأهمية، مثلاً ينقلُ مقتبساتٍ من بيانٍ للمثقفين "يقف المثقف العراقي مسؤولاً أمام شعبه وأمام الأجيال المقبلة، للتحذير من فداحة ما يواجههُ الوطن، ومطالبة الأطراف كلٍّ حسبَ مسؤوليته بمعالجة الشروخ الوطنية، وحفظ أمن البلاد وسلامتها".
نصُّ محمد خضير، نصٌّ في تحميلِ الجميعِ مسؤوليةَ ما ارتُكبَ، نصٌّ في نقدِ الهوان المخفِّف للخوف" اعتيادُ الهوان لا ينهي الخوفَ، طمأنينةٌ مؤقتة، ثم يعود الخوف أمرَّ وأشد. المزيدُ من الخوف لا يخفِّف الهوان".
لكنَّ التهوينَ أصبحَ لا أباليةً جمعية، يقتبس الناصُّ محمد خضير تقوُّلاتٍ للشاعر عبد الزهرة زكي، رداً عليها، أي تلك اللاأبالية إزاء ما يحدث منذ سنوات، وليس فقط النكبة الأخيرة "أخطرُ حالٍ يمكنُ أنْ نقعَ فيه، وربما وقع فيه كثيرون منّا بمستويات مختلفة هو"التعايش" مع ظروف الجريمة والقبول بها "كأمر واقع" وهو حالٌ يفسِّر ما يمكن تسميتهُ ب" اللاأبالية و"فتور المشاعر "إزاء أبشع الجرائم وذلك بعد يومٍ أو يومينِ من حدوثها".

                     بارد/ حوار( حوارية إذاعية)

لا يمكن  لقارىء نصٍّ مثل (بارد/ حار)(2) للقاص الكبير محمد خضير، المنشور في صحيفة (الصباح) في يوم  15تموز 2014، إلا أن يستدعي  حالةَ التحدي  الحقيقية، بيننا وبين الغرباء "الدواعش" كموجّهٍ رئيسٍ في قراءة نصٍّ حقّقَ صدقهَ الفني في أن يجنّسه محمد خضير ب(حوارية إذاعية) بين عراقيينِ أحدهما يقيم في المهاجر الباردة، والآخر في الداخل المتحدي لحرب وجودٍ ومصير. 
ومن هنا جاءت التسمية (بارد/ حار) لإطلاق حوارٍ يشخِّص تأثير ثقافة المكان في منظوراتنا للأحداث والأشياء. ثقافةُ مكانين مختلفين في كل شيء، ونخمِّن من لغة الحوار بينهما أنَّهما مثقفان، كانتْ لهما في الداخل نضالاتٌ وميولٌ يسارية. 
الشخصيتان مجرَّدتان من أيِّ تجسيدٍ مادي سوى صوتيهما، ليناغما العنونةَ النصية: حواريةٌ إذاعية، نصٌّ سمعيٌّ يتحول إلى نصٍّ مقروءٍ على الورق، قابليتهُ التأثيريةُ ،إذن، يحكمها تآصر عناصر الجملة المقروءة بصمت والجملة الصائتة.
التعيينُ المكاني لهما يتحدد عبر ذبذباتٍ صوتيةٍ سابحةٍ في الفضاء الخارجي بين أعلى  قمة الأرض حيث يجلس البارد، وبين جنوب الأرض حيث يجلس الحار.
منذ المقطعِ الأولِ يبدأ التحديدُ الساخرُ لاهتماماتِ البارد، إنه يجلسُ إلى جانب صورةٍ كبيرةٍ لشوماخر بطل العالم في سباق الفورمولا1، ويتحدثُ عنه باهتمامٍ  ويتابعُ أخبارهُ بأنَّه يستشفي في جبالِ الألبِ الفرنسية، وهو يريدُ أن يدخلَ في مزادٍ لشراء سجلاته الطبية المسروقة من المستشفى، الحارُّ يقابله بالتهكم منه، موضحاً ما يهتمُّ به هو. 
العبارةُ الناطقة بالتعيين المكاني تدلِّلُ على محليّة موشّاة بتفرعاتِ النهضةِ الوطنيةِ ضدَّ القتلِ الهمجي وسرقةِ الآثار، ففيما تفوح تفوُّهات الباردِ بالترف" المزاد يعجُّ بالحسناوات والإعلاميين وكأنَّنا في مهرجانٍ سينمائي دولي". 
تفوح تفوُّهات الحار بالندِّية المجسِّدة للواقع الغرائبي الذي يعيشه، هو أيضاً يجلسُ في مزاد، ولكن سرّي بالقرب من أجواء الحرب التي تكاد تكون دائمية في حياتنا وليست زمناً استثنائياً "أجلس أنا في جنوب الأرض.. إلى جوار تمثالٍ صغيرٍ مستخرجٍ من خرائب بابل. أجلس في مزادٍ سريٍّ وأقايضُ على ثمنه.. لست أدري لأي غرض.. الصحراء ورائي تفحُّ بحكاية جنديٍّ مقطوعٍ الرأس.. أتسمعُ أزيزَ الرمال؟".
إستمرار الكشف الصوتي لماهية الشخصيتين، وخلفياتهما الفكرية
يتطلَّب التصعيد الدرامي لحواريتهما، إلى حد غضب الحار من اهتمامات البارد، التي يبررها بأولويات العالم الاستهلاكي "العالم هنا يتقدم بشراهة إلى امتلاك كل شيء" رداً  على الحار في دعوته للكشف عن مناجم من الحقائق الغريبة، هنا في  العراق، متسائلاً.. من يقايض على هذا المزاد العجائبي ذي الحقائق المريرة.
منظر طبيعي في الجنوب يختزل كل عوالم الحار وتاريخه الشخصي وتاريخ بلاده " أفكِّر بقاربٍ مربوطٍ في ظل نخلاتٍ مثمرات. صيف حار. سمكاتٌ حمرٌ عالقةٌ في طحالِب جدولٍ رائقِ الماء ، تحت ناظم (أردبة) يصرّف الماء وقتَ المد.. كلُّ شيءٍ ينطوي رغماً عنّا إلى الوراء كبكرة شريط سينمائي، هنا في درجة الحرارة المتصاعدة ، في جنوب الدول المفكّكة إلى دويلات".
الحارُّ أشار إلى عقائدية  الخطاب المحلي، فهو يقول "الباردُ باردٌ والحارُّ حار، مثل نعمٍ ولا في مسرحية لبرشت.. لدينا وثائقنا وتفسيراتنا"، فيما البارد يرى أن ال" نعم" وال"لا" مزدوجتان، تتداخلان، ليست هناك حدِّيةٌ مطلقة" الصخبُ والعنفُ يكمنان في قلبِ السلام والبحبوحة".
الباردُ في مسعىً لتخفيفِ حدِّية الحار، يريد التوصل معه إلى استحالة الفصل المطلق بين الحار والبارد، بحسب مرموزاتهما التي أشرنا إليهما آنفاً، الاستحالة تكمن في أنَّ أيِّ لعبةِ أطفال، يراد منها أن يقضوا وقتاً ممتعاً معها، هي استعارة  لألعاب العالم السرية الفتّاكة، وبالنتيجة، أن لا عالمَ نقيّاً مئة بالمئة، هناك حارٌّ وباردٌ، نعم ولا يقتسمانِ كلَّ شيء، وكلَّ حدث.
المبدئيةُ بالنسبةِ للحارِّ – الداخل، تذكِّر الباردَ – المغترب، بحبِّه لكلماتِ  جبران في  كتابه (النبي)، التي قرنَتِ الحبَّ بتوبةِ الآثمين.
يعترفُ الباردُ المغترب، بأنَّ عالمَ الغربِ أدارَ جميعَ اتجاهاتهِ، فانقلب دينُ الحبِّ الجبراني، إلى أقراصِ الروليت، ودوارِ القمم والتزلجِ على حافةِ الهاوية. الحارُّ يريد إيقاظَ تشكلاتهِ المعرفيةِ والشخصيةِ، قبلَ أنْ يهاجر، بل أنَّ الحارَّ يهجوهً بأشدِّ الانتقاداتِ حين يتوقَّعُ أنْ ليسَ بالبعيدِ أنْ تقدمَ على "التورُّط بتجارةِ السلاح وتهريبهِ إلى بلدك".
لكن الباردَ يكابرُ  ويردُّ عليهِ.. إنَّك أيِ الحارًّ تريدُ إعادةَ إنتاجِ "رؤيا طفوليةٍ ماتتْ بانفجارٍ بأقصى الجبال"، وخَسرَ رفاقه "غادرتُ هذا الحلمَ الفتّاكَ، ولنْ أقدمَ على مثل هذه المخاطرة". 
تشتدُّ الحواريةُ بينها حينما يريد الحارُّ من صديقهِ القديمِ في النضال العودة والنضال في الوطن، متسائلاً" كيف تتخلى روحٌ عراقيةٌ صنعتْها التجاربُ المريرةُ عن غوايتِها الفتّاكة".
البارد يرى بيأسٍ تام أنَّ العراقيين يستطيعون فعل الكثير، ولكن لن يفعلوا ذلك الآن أو مستقبلاً، اليأسُ التام لدى البارد نابعٌ، ويا للمفارقة، من الوضع العراقي الاستثنائي" صنع في مختبرات نهاية العالم، في الجزء النقيض لأحلام ثوار الجبال"، هو يؤمن بالأحادية القطبية في العالم، وبنظرية المؤامرة، وأنَّ بلادَه ما إن تخرج من أزمة، حتى تقع في أزمةٍ أخرى.
الحارُّ المقيم في الداخل يحاول إغواء البارد المغترب بكل شعريات الحياة في الوطن، فيجيبه بأنَّك (لن تجرَّني إلى حلمكَ أيها الماكر".
إشكالية الداخل/ الخارج، كبيرة، يعالجها المبدع محمد خضير في ضوء نكبة جديدة حلَّت على الوطن، هنا معالجة نصوصية حوارية تلقي أيضاً  المسؤولية على الجميع خارجاً وداخلاً  عن مصير البلاد في  حرب " حضارة – تخلّف" اعتدال– تطرّف"، كالتي خضناها  مع عصابات "داعش".

                        تأملات كهف سنجار

كيف قرأ محمد خضير، إبداعياً، حدث غزو "داعش" لبلدة سنجار، ولجوء ساكنيها من أقلية الإيزيديين، إلى كهف في جبل سنجار، كيف لها أن تكونَ قراءةً مغايرةً لأفق التوقع، لابدَّ من قراءاتٍ متعددة، فاحصة، متأملة، لنص محمد خضير، المعنون (تأملات كهف سنجار)(3).
النص هنا عصيٌّ على التجنيس، شعراً أو سرداً، بل نهتدي بعنوانه إلى أنَّه قد يكون نصّاً مفتوحاً تفاعلَ فيه الحفرُ المعرفي– دينياً وتاريخياً- مع اللَّمحة الشعرية والجُّملة السردية.
النصُّ محمّلٌ برسائل عديدة، للقارئِ الحديثِ ولقرّاءِ الأجيالِ المقبلة، وللساسةِ وللباحثينَ والمؤرخينَ، مِمَّن يرومونَ الاحتكامَ
إلى القراءةِ الإبداعية، لا للقراءةِ التاريخية والدينية فحسب.
الرسالةُ الأولى؛ "كهفُ الطبيعةِ الأعزل أرحمُ من قلبِ الإنسانِ المدجَّج بنظرياتِ الإبادةِ العرقية والجريمةِ السياسية، وأعدلُ من فرية الدولة المختلقةِ على أبواب نينوى".
الرسالة الثانية؛ إنَّ هناك تناظراً تاريخياً دينياً بين لجوء الناجين من مجزرة "داعش" في سهل سنجار ولجوء عدي بن مسافر، قبل ألف عام ،إلى وادي لالش في جبال الشيخان، الأسُّ المشترك لهذا التناظر هو الاهتداء أو الهدي، كيف اهتدى بقية الناجين إلى هذا الكهف، هل سمعوا نداءً من أعماقِ التاريخ أم من أعماقِ الكهف، كما اهتدى عدي إلى (روح العقيدة التصوفية).
مثلما أنَّ هناك تناظراتٍ عميقةٍ باسترجاعِ قصة أهلِ الكهف المسيحيينَ في طرسوس، العمقُ نابعٌ من القوّةِ التدوينيةِ باكتشافِ مخطوطات البحر الميت، فالإيزيديون لهم أيضاً مخطوطاتهم ولفائفهم، وعندهم (مصحف رش= الكتاب الأسود).
الرسالة الثالثة للنص؛ إنَّها حربُ القلَّةِ الغرباءِ ضدَّ  الكثرةِ المتشابهين، بمعنى أن الأقلِّيةَ الإيزيدية، أقليةٌ مسالمة منعزلة جداً عن صراعات السياسة والاقتصاد والمال والسلطة، منذ تاريخها البعيد تدرأ (الشر التاريخي بتوكيد الخير الطبيعي)، لم يُحالفْها أحدٌ سياسياً واقتصادياً وتاريخياً بقدر ما حالفتْها الطبيعة، وأنقذَها الكهف.
الرسالة الرابعة؛ ينحو محمد خضير في رسائله منحىً طبيعياً تصوِّفياً ، فيلجأ إلى تصويرِ التوازن بين قوَّتي الإنسانِ والطبيعة، إذا ما تكافأتا بإدراكِ الإنسانِ لقيمةِ وجودهِ على الأرض (لقد خلقنا الإنسان في أحسنِ تقويم)
( القرآن الكريم/ سورة التين- آية رقم4).
التكوينُ الإنسانيُّ الكامل في الدين الإسلامي، من الجائز كثيراً، هناك ما يرادفه في الديانة الإيزيدية، الاكتمالُ في العزلة الروحية "بذا لا تحسب أفانينُ العصر السياسيَّة وغزواتهُ الدورية إلا ديناً مفروضاً على الفئات المكتفية بعنصرها ودينها)"
تمتازُ المقاطعُ النصيَّة المرقَّمة بكثافةٍ شعريةٍ صوفية، في التوحُّد و مديحِ الغرباءِ والمختلفينَ وأطفالِ الجبلِ المذعورينَ وكهوفِ الشريعةِ والمعدمينَ والخائفينَ من رؤيا القيامة،  مثلما التوحُّد الصوفيُّ مع الخالقِ رسمَ طرقَ إنقاذٍ لامرئيةٍ لأقليةٍ كانت مبادةً لامحالة.
محمد خضير لجأ إلى الإشراقِ الصوفي وتتبَّعَ  كما الساحرُ العارفُ سبلَ نجاةِ الإيزيديين "الله يعلمُ من حفرَ الكهفَ في قلبِ الجبلِ لكي يُؤوي الهاربينَ والخائفين، لكنِّي أعتقدُ أنَّ خرائطَ الطائفةِ الايزيديةِ المكتومةِ تحوي إشاراتٍ لطرقِ الفرارِ والاختفاء".
نصُّ تأملاتٍ صوفيةٍ – معرفية، يريد فيه القاص الكبير التوحُّد بين الخاصِّ والعام، ما يشير إلى  أنَّنا جميعاً مبتلون بأشرارٍ ومآسٍ تتداول بيننا فينادي "اللهمَّ ابعثْني في قلبِ جبلٍ قاسٍ لكي أدركَ عظمتَك".
التوحُّدُ الصوفي، يستطيع أن  يثريَ وحدةَ التنوِّع  المجتمعي، وهو ما يرادُ له أنْ يتزعزع. ثنائياتُ الله والشيطان، الكلمةُ الواحدة والتفاصيل، الوحدةُ والكثرة، ثنائياتُ الصراعِ المستديم في العراق، صراعٌ قد تسهو عن حقيقتِه  القلَّة، وهنا ينحو القاص محمد خضير منحىً  عرفانياً في  مديحِ عدم اكتساب معرفة القلّة الدرجةَ القطعية " القلة التي تحارب الكثرة قد لاتدرك هذا الصراع، لكن الله أدرى بها. طوبى لمن لا يدري أنَّ الله يدري. ففي غفلتهِ قوته، وفي علمهِ غروره وكبرياؤه الزائف".


                        الهوامش
(1)​خضير ، محمد ، صدى صرخة ، المكتبة الاهلية – البصرة ، 2016
(2)​المصدر السابق، وقبله في الصباح ، جريدة، الصفحة الثقافية بتاريخ 15 تموز 2014
(3)​الصباح، جريدة ، الصفحة الثقافية، بتاريخ 11 آب2014

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي