loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

إشكالات قصيدة النثر في الرؤية والتجنيس

breakLine
68 2021-05-22

تعرّف قصيدة النثر بأنها قصيدة تتميز بواحدة أو أكثر من خصائص الشعر الغنائي ، وتختلف عن شعر التفعيلة بأنها لا تتقيد بوزن شعري ولا تلتزم بالبحور الشعرية. لقصيدة النثر ايقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية ، والتي تعتمد على الالفاظ وتتابعها ، والصور وتكاملها ، الحالة العامة للقصيدة .
    وتختلف عن النثر بأنها ذات ايقاع ومؤثرات صوتية اوضح مما يظهر في النثر ، وهي غنية بالصور الفنية ، تعتمد جمالية العبارة . كما أنها تقوم على الموسيقى الداخلية التي تنشى بين الكلمات في النص .
يعتبر مصطلح قصيدة النثر محط خلاف كبير بين النقاد والباحثين حيث بات البعض لا يفرق بينه وبين مصطلح الشعر الحُرّ ، بسب تسميتها الحاملة لسمات الشعر والنثر ، الا أنّ البعض الآخر يرى بأن هذين المصطلحين مختلفان تماماً ، ومن أبرز الفوارق بين قصيدة النثر والشعر الحر هو :
1-اكتفاء قصيدة النثر بمادتها وموضوعها واصلها شفوياً ، أما القصيدة الحرة فقد حلقت لتسجن فوق ورقة أي ليس لها وجود الا كتابياً .
2-افتقار قصيدة النثر للتقطيع ، أمّا الشعر الحرّ فإنّه يلتزم بالنظم وضرورة وجود فراغات في أواخر الأبيات الشعريّة ، بينما تستمد قصيدة النثر هيئتها من بنية جملها . ومثال ذلك قصائد أدونيس في ديوان " أوّل الجسد آخر البحر " ، التي تبين أن كلْ قصائد الديوان  تتشكل هيئتها من الجمل :
نهضتُ اسْالُ عَنْك الفجْرّ : هّلْ نهضتْ؟
رأيتُ وجهكِ حول البيت مرتسماً
في كلّ غصنٍ رميْتُ الفجرّ عن كتفي :
جاءتْ
أم الحلم أغواني ؟ سألت ندىَ
على الغصون ، سألتْ الشمس هّلْ قرأتْ
خُطاكِ ؟ اين لمست الباب ؟
كيف مشى
الى جوارِكِ ورْدُ البيتِ والشجرُ ؟
أكاد اشطرُ أيامي وانشطرُ
دمي هناك وجسمي هاهنا – ورقُ
يجرّهُ في هشيمِ العالمِ الشَررُ . 1
  لقد قامت الناقدة الفرنسية سوزان برنار ( 19/ نوفمبر / 1932- 17 / يوليو / 2007 ) لأول مرة في تاريخ الشعر بكتابة تاريخ لقصيدة النثر من حيث نشؤها في اواخر القرن التاسع عشر ، ولاسيما عند بودلير ، باعتبارها جنس شعري متميز ، وذلك في كتابها الموسوم  " قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا " الصادر في باريس سنة 1959 ، وهو اطروحة لنيل شهادة الدكتوراة في الأدب في جامعة باريس سنة 1958 ، بلغ عدد صفحاتها عندما نشرت الاطروحة في فرنسا في كتاب ، نحو 814 صفحة ، موزعة على ثلاثة فصول مع مقدمة تاريخية عن قصيدة النثر ما قبل بودلير . والذي نشر عن طريق دار المأمون العراقية بترجمة الدكتور زهير مغامس سنة 1993 ، وتعرّف سوزان برنار قصيدة النثر : " قطعة نثر موجزة بما الكفاية ، موحّدة ، مضغوطة ، كقطعة من بلور ... خلق حر ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد ، وشيء مضطرب ، ايحاءاته لا نهائية " 2.
   بينما يأتي تعريف موسوعة " برنستون " لقصيدة النثر ‘ مُحكم ، محدد الأدوات ، وواضح الغايات ، وهو يمثل الرافد الأساسي الآخر لجماعة مجلة شعر ايضا ، بأنها " هي قصيدة تتميز بإحدى ، أو بكل خصائص الشعر الغنائي ، غير أنها تُعرض على الصفحة على هيئة النثر ، وأن كانت لاتعد كذلك .. وتختلف قصيدة النثر عن النثر الشعري بانها قصيرة ومركّزة ، وعن الشعر الحر بانها لا تلتزم نظام الأبيات ، وعن قصيدة النثر بأنها عادة ذات ايقاع أعلى ، ومؤثرات صوتية أوضح . فضلاً على أنها أغنى بالصورة وكثافة العبارة " 3 .
  إما في الأدب العربي المعاصر ، فقد كانت أول دراسة عن قصيدة النثر متأثرة بأفكار الناقدة سوزان برنار ، للشاعر أدونيس ، في مقالة له بالعربية عنوانها " قصيدة النثر " ، نشرت في مجلة شعر اللبنانية العدد 14 ربيع 1960 ، فكان أول من اطلق على هذا النتاج قصيدة النثر ، ومنذ صدور مجلة شعر تبنت الاتجاهات الشعرية الحديثة ، لذا تبنت ما سمّي ، فيما بعد ، بقصيدة النثر ، هادف من وراء ذلك  " قيام شعر طليعي تجريبي " 4 ، وفي نفس المقالة يقوم أدونيس بإعطاء تعرّيف لقصيدة النثر استناداً على ما جاء بكتاب سوزان برنار ، باعتبارها قصيدة :  " شاملة ، متمركزة ، مجانية ، كثيفة ذات اطار . هي عالم مغلق ، مقفل على نفسه ، كاف بنفسه ، وهي في الوقت ذاته كتلة مشعة مثقلة بلا نهاية من الإيحاءات ، قادرة أن تهز كياننا في اعماقه . أنها عالم من  العلائق " 5 .
  وكثير من النقاد والشعراء العرب ، رفضوا قصيدة النثر رفضاً قاطعاً لتبعدها عن أن تكون شعراً بالنسبة للشعر العمودي أو شعر التفعيلة ، رغم أن البعض يثبت بان قصيدة النثر شعراً ، فمثلاً نازك الملائكة في كتابها " قضايا الشعر المعاصر " اعتبرت نصوص محمد الماغوط وزملائه ليست الا نثراً اعتيادياً ، وانتهت الى رفضها رفضاً تاماً اسماً وشكلاً 6، كذلك الناقد العراقي محمد الجزائري يرفض التعامل نهائياً مع هكذا شكل واعتباره قصيدة 7 ، وتبعهم في هذا الرأي الشاعر العراقي سامي مهدي الذي يرى أن قصيدة النثر " ستظل شكلاً تعبيرياً نثرياً ، لا شعرياً ، لأنها تفتقر الى واحد من اهم عناصر الشعر الموسيقى .. الايقاع والنظم " 8 ، بينما الناقد والمترجم العراقي عبد الواحد لؤلؤة عدا قصيدة النثر أن لها جذوراً في اللغة ، واساساً في التراث العربي الاسلامي يتمثل في لغة القرآن ، ثم هناك كما يرى لغة المتصوفة ، التي يمثلها اروع واحسن تمثيل المتصوف عبد الجبار النفري في كتاب  " المواقف والمخاطبات " ، والحلاج في " الطواسين "  ، فيقول في ذلك " هذا الكلام منثور دونه أسمى أنواع الشعر الموزون المقفى ، وهو كلام يدعوك النظر فيه ، وتمعن في تفصيلاته ومحتوياته . من هنا كانت قصيدة النثر... نوعاً من الاشكال الكتابية ، التي ترقى الى مرتبة الشعر لغة ، رغم أنها لا تقع تحت تأثير الشعر شكلاً " 9، والبعض من النقاد وجد في هذا الشعر الجديد اصداء لما ألفت من الشعر الغربي ، واعتبروها محاولات جريئة ، فالناقد العراقي فاضل ثامر يرى أن قصيدة النثر " نمط من انماط الكتابة الإبداعية يوجد ، ويجب أن يوجد ، لا كنفي للشعر الموزون ، بل كلون أدبي يقف الى جانب الشعر والنثر ، ويفيد منهما معاً " 10 . بل ويذهب الناقد فاضل ثامر ابعد من ذلك عندما يعتبر قصيدة النثر معلماً مهماَ في الحداثة الشعرية  " ربما مثلت تجربة قصيدة النثر في الشعر العربي الحديث معلماً مهماً من معالم هذا التحديث الشعري ، حيث الطلاق التام مع البنية العروضية والموسيقية للشعر العمودي ولعروض الشعر الحر معاً . كما أن الانفلات من آسر البنية المتماسكة قاد ايضا الى ولوج فضاءات رؤيوية وصوفية جديدة . اضافة الى استغوار جريء لمناطق اللاوعي والذاكرة و المخيلة " 11 .
   إن الفضل كل الفضل يعود للناقدة الفرنسية سوزان برنار في كتابها " قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا " ، من حيث جعلت الكتّاب العرب يقومونا بالتنظير لقصيدة النثر ويؤسسوا مفاهيمه ويصوغوا اسسه ، ولقد اكد أدونيس أنه " أوّل من كتب قصيدة النثر في العام 1958 ، وذلك لدي ترجمته بعض قصائد سان جون بيرس ، مشيراً الى أن هذه الترجمة ، كشفت له عن طاقات أساليب تعبيرية لا يتأتى للوزن أن يحققها ، وبتأثير هذه الترجمة كتب أوّل تجاربه في قصيدة النثر " 12 ، ويتجلى افتنان أدونيس بقصيدة النثر عندما يطلق عليها تسميات عدة : قصيدة التجريب – أو قصيدة الأسئلة – أو الكتابة الشعرية نثراً . وخاصة اذا عرفنا أن خصائص قصيدة النثر الاساسية التي طرحتها سوزان برنار هي : الايجاز/ الاختصار – المجانية / كثافة التأثير – الوحدة العضوية / التوهج . وهذه الخصائص لقصيدة النثر تتحول عند أنسي الحاج ( 1937- 2014 ) الى شروط ثلاثة أو عناصر ثلاثة باعتبارها ليست قوانين سلبية بل " إنها الإطار أو الخطوط العامة للأعمق والأساسي : موهبة الشاعر ، تجربته الداخلية وموقفه من العالم والإنسان " 13 ، بل يذهب أنسي الحاج في المقدمة لـ " لن " الصادر عام 1960 ، بالإشارة فيها الى كتاب سوزان برنار ، وأورد التسمية والأفكار التي وردت في الكتاب ذاته ، والتي أشار اليها من قبلُ أدونيس في مجلة شعر العدد 14 في  " في قصيدة النثر " ، ولكن بلهجة أعلى نبرةً وأكثر غروراً ، الى حد التطرف ، عندما يعتبر أنسي الحاج قصيدة النثر لا تعمل من " اجل تحرير الشعر وحده بل أولاً لتحرير الشاعر . الشاعر الحر هو النبي ، العراف ، والاله " 14 . أما أدونيس فكان أكثر رزانة وأكثر هدوء في طروحاته حول قصيدة النثر في مقالته . ورغم ذلك اثنى أدونيس على تنظيرات الحاج وابداعاته في مجال التأسيس لقصيدة النثر العربية .في رسالة بعثها اليه من باريس أوائل 1961م . 15  
    لقد قام أنسي الحاج ببناء المقدمة من اجل الإجابة والتأكيد على السؤال الذي جاء في بداية المقدمة ،  " هل يمكن أن يخرج من النثر قصيدة ؟ " 16 ، أجل ، لقد قدمت الحضارات الانسانية ، منذ ملحمة جلجامش والواحها الطينية شعراً عظيماً في النثر . لذا يمكننا هنا  " الاشارة الى الجمع بين الشعر والنثر في تسمية هذه الظاهرة الشعرية لم تأت صدفة ، لأن المصطلحات النقدية لا يمكن أن تأتي اعتباطاً كما هو الحال في معظم النظريات الألسنية في تفسيرها علاقة الاسم بالمسمى " 17، ولكن يبقى السؤال معلقاً ومضافاً اليه عدة اسئلة مهمة وجوهرية تحتاج الى الدراسة والبحث والاستقصاء لتحديد هوية هذه الكتابة الإبداعية ومرجعّيتها الأساسية :
1-هل قصيدة النثر أو الكتابة الإبداعية التي نجدها اليوم وينخرط فيها شعراء الأمة العربية ، شرقاً وغرباً ، هي كتابة نجد لها أصولاً داخل تراثنا وتاريخنا الأدبي عامة ؟
2- أم هي مجرد الميل حيث يميل الإبداع الغربي ؟
3- وهل استطاع المنادون العرب بقصيدة النثر أن يقدموا لها خصوصية إبداعية تجعلنا نقول بوجود قصيدة نثرية عربية ؟
4- أم أن هذه الكتابة الإبداعية هي نتاج ضروري لتطوير " حضارة المركز " وقدرتها على ابتلاع الآخر لعجزه عن تطوير ثقافته ووقائعه ؟  18 .
   وهذه التساؤلات التي طرحت في بداية الالفية الثالثة في العالم العربي ، قد طرحت في العالم الغربي الانكليزي ‘ قبل نصف قرن من الان ، من امثال الناقد كلايف سكوت ، الذي تسأل في دراسته الموسومة " قصيدة النثر والشعر الحر " والمنشورة في كتاب " الحداثة " الصادر عام 1976 م ، أي بعد سبعة عشر سنة من صدور كتاب " قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا " في باريس ، بمعنى أن من الطبيعي أن تطرح هكذا اسئلة ، ففي النفي اثبات واعتراف بها ، وتكريس لها ، وتعزيز لموقفها ، فهو أساساً قد اعلن عنها كجنس ادبي من خلال العنوان  " قصيدة النثر والشعر الحر " :
1-هل قيدت قصيدة النثر نفسها تقييداً كافياً يجعلها جنساً ادبياً مميزاً ؟
2- هل انها بدعة ادبية استعملها شعراء غريبو الاطوار ؟
3- أو هل من المستحسن النظر اليها على أنها شيء عابر وانتقالي وعلى أنها تحث الاخرين على الاتيان بإشكال جديدة – شعر حر على وجه التحديد ؟ 19 .
   وباستطاعة الناقد أو الباحث العربي ، أن يستخلص من مقالة أدونيس " قصيدة النثر " ، ومقدمة أنسي الحاج ، المعتمدتين على كتاب الناقدة الفرنسية " قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا " ، على محاولة الخوض في صياغة أسس نظرية حول قصيدة النثر والعمل على تكريسها كجنس شعري جديد ،  تتلخص فيما يلي :
1-إن قصيدة النثر شكلت شكل شعري مختلف تماماً عن بقية الاشكال الشعرية ، حيث " هي ، إذن ، نوع متميز قائم بذاته ، ليست خليطاً ، هي شعر خاص يستخدم النثر لغايات شعرية خالصة ، لذلك لها هيكل وتنظيم ، ولها قوانين ليست شكلية فقط  ، بل عميقة عضوية كما في أي نوع فني آخر " 20 .
2- وأن قصيدة النثر شكلت قطيعة جذرية بالشكل عن بقية الاشكال الشعرية ، " اذا كانت قصيدة الوزن مجبرة على اختيار الأشكال التي تفرضها القاعدة أو التقليد الموروث ، فإن قصيدة النثر حرة في اختيار الأشكال التي تفرضها تجربة الشاعر ، وهي ، من هذه الناحية ، تركيب جدلي رحب ، وحوارُ لانهائي بين هدم الأشكال وبنائها " 21 .
3- وأن قصيدة النثر تعتبر ممثلة للتمرد والرفض ، الخاضع لمبدأ الهدم – القديم / البناء – الجديد " تتضمن قصيدة النثر مبدأً مزدوجاً : الهدم لأنها وليدة التمرد ، والبناء لأن كل تمرد ضدّ القوانين القائمة ، مجبرُ ، ببداهة ، اذا اراد أن يبدع اثراً يبقى ، أن يعوض عن تلك القوانين بقوانين أخرى ، كي لا يصل الى اللاعضوية واللاشكل ." 22 .
4- وبما أن قصيدة النثر بصفتها أحدى نتائج الحداثة الشعرية ، لأن الحداثة حركة عالمية على ونحو مميز ، لكنها غير متجانسة ، وهذا ما انعكس على قصيدة النثر التي هي ظاهرة غربية بإشكالات عربية جمة ، يقول أدونيس :  وجدت قصيدة النثر بصفتها حركة شعرية حديثة ، وهي " قصيدة عربية بكامل الدلالة ببنية وطريقة ، مع أنها في الأساس مفهوم غربي " 23.
قصيدة أدونيس " اجلس قليلاً في حضن الفوضى " ، خير من تمثل هذه النقاط الاربعة ، ففيها نعثر على ما جاء بكل فقرة ، فلقد طْابقّ أدونيس التنظير بالتطبيق ، وهذه القصيدة تعتبر من القصائد المتأخرة التي كتبها أدونيس :
قلما تتلاقى النّهايةُ إلاّ في الموت ، قبَيْل لحظة الهبوط الى القبر ، تلك التي تتم فيها الهجرةُ التي لا عودة منها .
ربّما يتذكّر المُهاجرُ في هذه اللحظة السّؤال الذي كان يطرح دائماً على الريح :
-أيّ الأمرين تفضلين أيّتها الرّيح :
أن يتحول الانسانُ الى سيزيف ، أو الى دون كيشوت ؟
وربما وشوشتْهُ الرّيح جواباً عن سؤاله:
-ما رايُك ، أيُها المُهاجرُ ، أن تنقل مكان اقامتك من زبد شاطىءٍ مُقيم ، الى ظلّ جناحٍ عابر ؟ 24 .
     تميزت قصيدة النثر بأنها لم تقدم نفسها على أنها بديلُ من قصيدة الوزن ، ولم تنف الشعر الموزون ، أو بالأصح لم تلغى الآخر بل قامت بـ الاعتراف به ، لكن كانت التجربة الداخلية الوجودية مغامرتها ، لذا اراد اغلب الشعراء " المعنى " الكامن في التجربة ، بل وتعدت ذلك الى استلهام التجربة الصوفية ، والنثر الصوفي بوصفه شعراً يمكن القياس عليه ، فقصيدة النثر هي الشعر التجريبي الذي يسعى الى التجاوز والخرق والتمرد ، لأنها كتابة ابداعية ، وعليه غالباً ما تبدو قصيدة النثر وكأنها وسيلة لاقتناص اللحظات التي تسبق الشعر  ، ولذا تعد قصيدة النثر تجربة واعية شاعت في ستينيات القرن الماضي ، وهو مشروع تحديثي ، ساعدت المجلات الأدبية على بثه وانتشاره مع العمل على التركيز في الترويج لمصطلح قصيدة النثر ، لاسيما  مجلتي الآداب وشعر اللبنانيتين ، ومجلة الكلمة العراقية ( 1967 – 1975 ) في أكثر أعدادها الخمس والاربعين التي تمثلتها في مشروعها الحداثوي ، فكانت التجارب المنشورة تحمل سمة الريادة والتجريب ، عليه استقطبت الكثير من الكتّاب والادباء والشعراء من داخل العراق وخارجه .
   ولكن بقى اسم مجلة شعر ( 1957 – 1970 ) مرتبطاً بقصيدة النثر ، بسبب أن اغلب كتّاب المجلة هم من الشعراء الذين يكتبون هذا الشكل الجديد امثال : يوسف الخال ( 1917 – 1987 ) مؤسسها ورئيس تحريرها ، وأدونيس وخليل حاوي ونذير العظمة واسعد رزوق وأنسي الحاج وخالدة سعيد وشوقي ابي شقرا عصام محفوظ ، فضلاً عن آخرين أمثال محمد الماغوط وجبرا ابراهيم جبرا . ويعزو يوسف الخال الى الأسباب التي كانت وراء تأسيس مجلة شعر ، يقول : " كونت النواة الصالحة لحركة الشعر العربي الحديث ، تلك الحركة التي تمكنت برغم كل انواع القهر والظلم والقمع ، من وضع الشعر العربي ، بل الأدب العربي عموماً ، على طريق الحداثة ومعاصرة الآداب العالمية جميعاً " 25 .
    عليه تكون قصيدة النثر ، عند أدونيس بوصفه مبدعاً ومنظراً، الوسيلة الاسّهلْ في تثوير الثقافة العربية الراهنة وللموروث معاً ، بل العمل على اخترقها من اجل تحديثها ، لبناء رؤية تتأسس على عقلانية متفتحة وموضوعية علمية ، متجاوزة الترسبات الظلامية ، والانغلاق الفكري والايديولوجي ، لأن " المعرفة العربية السائدة تراكم تأويلي للنص الديني ، أو شبه الديني " 26 .
 إما أدونيس ، يتذكر أن قصيدة النثر انما هي تجسيد حقيقي لتمثيل الحداثة الشعرية العربية ، ويطرح ثلاثة مبادىء أساسية كانت وراء تشكيل قصيدة النثر :
" وقد تبنينا ما اصطلحا على تسميته بـ قصيدة النثر ، انطلاقاً من ثلاثة مبادىء ( مستقلة عن مفهوماتها الفرنسية ) أوجهها فيما يأتي :
*الاول هو أن الشعرية العربية لا تستنفذها الأوزان ، على الرغم من كمالها وغناها فنياً ، وأن هذه اللغة تزخرُ بإمكانات تعبيرية ، طرائق وتراكيب يتعذر أن نضع لها حداً تقف عنده ، فهي لغة مفتوحة على اللانهاية .
* الثاني هو ابتكار طرق وأشكال أخرى للتعبير الشعري ، تواكب الطرّق والأشكال القائمة على الوزن وتؤاخيها ، بما يغني اللغة الشعرية العربية ، وينوّعها ويعدّدها ، وفي هذا إثراء للمخيلة وللذائقة ايضا .
* الثالث هو الرغبة العميقة في جعل العربية مفتوحة على جميع التجارب الشعرية في العالم ، وفي وضعها ، ابداعياً ، على خريطة الإبداع لكن في الوقت نفسه بانفتاحها ولا نهائيتها تفاعلاً ومقابسة وحواراً " 27.
   ومجمل القول أنه مهما اختلف النقاد والكتّاب حول واقع حضور قصيدة النثر في الذائقة الشعرية العربية فان وجودها اصبح واقعاً لا مفر منه واصبح جزءاً لا يتجزأ من الاجناس الشعرية .
لا يمكننا دراسة قصيدة النثر وما وصلت اليه من خرق وتجاوز ، الا ضمن رؤيا الحداثة ، وما ذهبت اليه من رفض وثورة ، فقصيدة النثر نموذج حي للحداثة من حيث الاختلاف في المصطلح والتجنيس على مستوى التنظير والإبداع .

الهوامش والاحالات :
1-أدونيس ، أوّل الجسد آخر البحر ، دار الساقي ، بيروت / لبنان ، ط2 ، 2005 ، ص 22 .
2- سوزان برنار – قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا ، ترجمة : د زهير مغامس ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد / العراق ، 1993 ، ص 16 .
3- محمد ديب – قصيدة النثر بين الموهبة الفردية والرافد الغربي ، مجلة الطريق ، العدد 3 ، سبتمبر / 1993 .
4- مجلة شعر – عدد 4 في 1/ 10 / 1957 ، ص 125 .
5- أدونيس – في قصيدة النثر ، مجلة شعر ، السنة الرابعة ، العدد 14 في 1 / ابريل / 1960 .
6-  نازك الملائكة – قضايا الشعر المعاصر ، دار العلم للملايين ، بيروت / لبنان ، ط5 ، 1978 ، ص 213- 227 .
7- محمد الجزائري – ويكون التجاوز : دراسات نقدية في الشعر العراقي الحديث ، وزارة الثقافة والاعلام ، بغداد / العراق ، 1974 ، ص 13- 73- 177 .
8- سامي مهدي – أفق الحداثة وحداثة النمط ، وزارة الثقافة والاعلام ، بغداد / العراق ، 1988 ، ص 128 .
9- مجموعة مؤلفين – الشعر ومتغيرات المرحلة : حول الحداثة وحوار الاشكال الشعرية الجديدة ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد / العراق ، 1986 ، ص 124 – 125 .
10- فاضل ثامر – مجلة الكلمة العراقية ، النجف الاشرف ، العدد 3 / 1968، ص 44 .
11- فاضل ثامر – شعرية الحداثة : من بنية التماسك الى فضاء التشظي ، دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع ، بغداد / العراق ، 2012 ، ص 3 .
12- حكيمة شداد – قصيدة النثر تنظيراً وابداعاً عند ادونيس ، مجلة اشكالات ، عدد 1 / 2018 ، ص 229 .
13- أنسي الحاج –  ديوان ( لن ) ، دار الجديد ، بيروت / لبنان ، ط3 ، 1994 ، المقدمة .
14- م . ن  . المقدمة .
15- أدونيس – زمن الشعر ، دار الساقي للنشر والتوزيع ، ط6 ، بيروت /لبنان ، 2005 ، ص 320 .
16- أنسي الحاج - المقدمة  .
17- حكيمة شداد – قصيدة النثر تنظيراً وابداعاً ، ص 230 .
18- م . ن . ص 229 .
19- تحرير: مالكم برادبري  و جيمس ماكفارلن – الحداثة ج2 ، ترجمة : مؤيد حسن فوزي ، دار المأمون للترجمة والنشر ، بغداد / العراق ، 1990 ، ص 64 .
20- مجلة شعر – العدد 14 في 1 / ابريل / 1960 ، ص 81 ، وانظر أنسي الحاج : لن ، ص 14 .
21- مجلة شعر – العدد 14 ص 75 ، و عدد 27 ، ص 117 .
22- مجلة شعر – العدد 14 ، ص 78 .
23- مجلة مواقف – عدد 41- 42 ،صيف 1981 ، ص 10 .
24- albawaba .com / ar /1182286
أدونيس – " اجلس قليللاً في حضن الفوضى " ، 6/ ايلول / 2018 .
25- كامل صالح – الشعر والدين فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي ، دار الحداثة ، بيروت / لبنان ، 2005 ، ص 236 .
26- أدونيس – كلام البدايات ، دار الآداب ، بيروت / لبنان ، 1989 ، ص 191 .
27- مجلة الآداب – " حواراً مع أدونيس حول مجلة شعر وقصيدة النثر " ، العدد 9- 10 ، 2001 ، ص 47 .

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي