loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

إليزابيت ستراوت: نكهةُ الوحدة

breakLine
331 2021-02-28

إليزابيت ستراوت: نكهةُ الوحدة

 

 غنوة فضة/ كاتبة سورية

 

أن أحيا كما أريد، أو لا أحيا مطلقاً: بعيداً عن منطلق العبارة النيتشاوي، وما ينضوي عليه من فلسفة الإرادة وقوتها، تبني الروائية الأمريكية إليزابيت ستراوت وفقها كيان بطلة روايتها "اسمي لوسي بارتون"، الصادرة عن دار فواصل بترجمة أحمد م. أحمد. تبدو لوسي بذاتها النفسية والحسية كطفلةٍ هشة ومعزولة، عاشت في بلدة أمغاش (إلينوي) مع عائلةٍ تحيا الانتباذ اليومي كما وجبات الطعام، اعتاد أفرادها التجاهل في الأعياد والصلوات، كما اعتاد أطفالها أحاسيس مؤلمة  نمت في كنف أبٍ هارب من ذنوب ارتكبها خلال الحرب، إلى زوجةٍ بقيت معه لأن معظم الزوجات من جيلها فعلن ذلك. ينمو داخل الطفلة لوسي وأخوتها شعور عارمٌ بالغربة الاجتماعية، مقابل ثقةٍ مطلقة بأن الناس لم يرغبوا بالاعتراف بهم، أو تأسيس صداقاتٍ وإياهم، سيما في ذلك الكراج الذي سمّي بيتاً.
طفلة الكراج:
تخرج الحكاية على لسان لوسي بارتون، الشابة والابنة والأمّ، من داخل غرفة في مشفى المدينة بعد إصابتها بمرض لازمها السرير كما منحها رؤية من لم تراها قبل مضي زمن طويل: أمها. لتسرد قصصها أمامها حيث يتنفس الضعف القديم من خلف سحناتٍ متجهمة، ويجد طريقه لإعادة ألفة سابقة، ويقدح شرارة محبة منطفئةٍ. وبعودة الأم، يعود كل شيء إلى الذاكرة: البؤس، الفقر والذكريات المؤلمة.
"إن رائحةً كريهةً تنبعث من عائلتكم. إنّ كون المرء فقيراً ليس مسوّغاً لاتساخ ما وراء الآذان". تتردد عبارات القهر والاستعلاء في ذاكرة لوسي المريضة، لتعيد لها مدى الاشمئزاز الذي كنّهُ الآخرون لعائلةٍ زادها أسىً والدان يعمدان لضرب أطفالهم دون رحمة، فتبقى نظرات الشك والتسآل ثابتة في وجوه سكان البلدة المتجهّمين حيال بشرتهم المبقعة وأجسادهم المزرقة. في قلب كل تلك الأجواء العابقة بالشحّ والقلة والرفض، ومن بين حقول الذرة والصويا التي ارتكز إليها كراج باردٌ فقير، تنمو طفولة لوسي التي تنجو بالهروب من واقع مرٍّ إلى عالمٍ شكّلت الكتب والقصص أمداءه. فتمنحها الروايات أشياء كثيرة جعلتها أقل وحدة، وإليها تعيد بعد مضي سنوات طويلة رغبتها العارمة بالكتابة، إلى أحاسيس الطفولة الصادقة، وتلك الشظايا التي مهما كانت مفقودة لا يمكن استبدالها.
الشكل أم الجوهر؟
تُكمل لوسي الطفلة أحلامها التي تنقلب من رغبةٍ دفينة بألا تبرد وتحظى بحمامٍ نظيف صالح للاستخدام إلى منحة جامعية، الأمر الذي يفتح لها بوابة دخول عالم الآخرين خلافاً لإخوتها. وهناك تبدأ باكتشاف عالمٍ جهلت تفاصيله، فكيف للمرء أن يتعلم طرق سكانه؟ وكيف لها أن تلمّ بثقافتهم العامة وهي بالكاد تعرف نفسها؟  تنهال التساؤلات الناجمة عن الذعر إزاء الآخرين. تقف لوسي فزعةً من طريقة لباسها وحوارها وثقافتها؛ هي التي لم تمتلك يوماً تلفازاً. أنى لطفلة نمت بين صفائح كراج بارد معتم أن تفهم نفسها بين أبنية مانهاتن ونيويورك الشاهقة؟ 
تبدو لوسي أثناء أحاديثها على سريرها غير آبهةٍ بذلك الأسى الملازم لوجوه الجوعى والمحرومين، بل تسكن كلماتها التساؤلات والدهشة. بدت على إدراك تام بأن لا غريب سيقدم لها العون. لا غريب سيتجرأ على مساعدتها سوى نفسها، وهنا يتكرس في داخلها منطق العزلة التي تسم حياتها من الطفولة وحتى بعد أن تمضي إحدى طفلتيها للدراسة الجامعية. تتابع جهادها، تتعلم من انفعالات الآخرين وعوالمهم القسوة، لكنها وعلى الرغم مما تعيشه من وفرة في منزل الزوجية، تكتشف أنها ستبقى وحيدة، وأن طعم العزلة هو المذاق الأول الذي تناولته طيلة حياتها، لتبقى أسئلتها إزاء ذاتها حية متقدة، أكانت تحارب خوفاً من رؤية الآخرين  للفجوات في شخصيتها؟ وما الذي يتفوق في هذا العالم: الشكل أم الجوهر؟ وما هو الشكل وما الجوهر؟ 
في المشفى تبدو لوسي الأم امرأة تعيش اللهفة لمعانقة ابنتيها البعيدتين، تنكص رفقة أمها لتسرد سيرة الرحلة الصعبة التي عانتها، ومشقة الوصول مع زوجٍ ابنٍ لسجين ألماني. تتجلى صورتها بمشهد امرأة ترغب بالبكاء و لا تستطيعه، تفصح عن عيشها كطفلة ممنوعة من البكاء، وحتى بعد كشفها خيانة زوجها، كانت تبذل جهداً كي لا تبكي، لتولد القسوة داخلها جراء خشية البكاء، وتتناسى أمام قصص والدتها وصوتها المحتفي بزيجات الجميع من سكان البلدة. تصفها بالسوء الذي جهلت أنها كامرأة عاشته بكل تفاصيله، إلا أن حبها الخجول لابنتها يبقى حبيس سحنةٍ جامدة، فحبها كان منقوصاً، لأن الجميع بالنسبة لامرأة مثلها يحبّ بصورة منقوصة.
تعلّم القسوة:
تلتقي لوسي في أحد المتاجر سارة باين، كاتبة أمريكية، وهي روائية تمنحها الرغبة بالالتحاق لصفوف تعلم الكتابة. تكبر الطفلة القابعة في داخلها. تلمح آثار نضج ابنتيها، وتنظر نحو الوراء بريبةٍ، تستغرب ذاتها، كيف كانت تتحدث بصوت مرتفعٍ؟ كيف لم يكن لها أن تقل شيئاً عندما تعلق الأمر بالثقافة العامة؟ كيف لم تستوعب إلا بعد مضي سنوات طويلة مفهوم الدعابة والسخرية؟ تتعمق الأسئلة داخلها، تتساءل عن مدى قدرة الإنسان على إصابة السعادة، لتثق بقرب خروج روايتها للنور، هي التي نعتها الآخرون بالقادمة من اللاشيء. تندفع بروح هاربة من ذكريات أليمة عاشت رهاب إساءة المعاملة من الآخرين، لكنها تتمسك بإنقاذ نفسها بعيداً عن عائلتها الغارقة بأحوالها البائسة. تدرك أنها لن تود العيش فيها، ولن تبقى طيلة حياتها على زواج لا تريد استمراره. تولد لوسي القوية، تنتزع نفسها وتندفع كخفاش أعمى، وهي بتلك القسوة التي ربّتها عبر أزمنة طويلةـ تدخل عالم الكتابة بقلبٍ طليق وحر كقلب الله.
إيلام السعادة:
تحيا لوسي بارتون وحيدة في شقة، تتزوج مجدداً، تؤلمها ذكرياتها مع عائلتها وإخوتها، لكنها غالباً ما تقول بصوت مسموع:" ماامي" لا تعلم إن كانت تنادي أمها، أم أنها كانت تسمع صراخ ابنةٍ تستنجد بها؟ ربما كما تصف كان صوت الاثنين معاً، وتلك هي قصتها: قصة امرأة عالقة في طفولتها القاسية، قصة الألم الذي يقبض على صدور الصغار ويستمر معهم حتى آخر حيواتهم. إنها قصة والدٍ رزح تحت الألم بسبب أشياء ارتكبها خلال الحرب، وقصة زوجة ظنت أنها تحيا بعيداً عن البؤس، إلا أن الموت الذي يلحق بالأبوين، يمنح لوسي اليقين الذي طالما بحثت عنه، فعلى الرغم من السوء والتهتك الذي عاث بحياة عائلتها، إلا أنه حين حضر  المرض والموت، قبضَت على الحب، وجدت كيف أن جذوره  ضاربة بعناد في قلب كل واحد منهم تجاه الآخر.

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي