loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

استحضار الأسطورة في ديوان " إشارات آرتميس " للشاعرة بسمة مرواني

breakLine
222 2021-05-20

إنَّ اللجوءَ إلى الاسطورة واستحضارها لهو اسلوب غلب كثيراً على شعراء العربية في العصر الحديث, إذ أنَّهم وجدوا باللجوءِ إلى الرمزيةِ عبرَ استدعاء التاريخ القديم أو العتيق جداً وإعادة إحيائه من جديد بثوبٍ شعريٍ يعطي قيمة أعلى وصورة فنية أكثر شاعرية من اللجوء إلى المباشرة التي تُستقبح جداً في البيت الشعري, فلجأ الأدباء وبالأخص الشعراء إلى أسطرة الموضوع  الذي ينظمون به شعراً, ونسجَ الكثيرُ من الشعراء نسجاً يختلف عن الآخر تميزاً عن بعضهم بعضاً خشية الوقوع في التناص مع شاعرٍ قد تناول الاستدعاء الاسطوري نفسه, فالخطوات التي خطاها الشعر الحديث من مواكبته للحداثة جعلته يبقى محافظاً على موسيقاه وإيقاعه وحسهُ الفني الذي يدخل إلى النفس فيحدث فيها أثراً ما, وعند القراءة الأولى للديوان نجد أنَّ الشاعرة ترتكز على الأسطورة لإضفاء الرمزية الصرفة لثيمة القصيدة, وقد تستدعى الماضي العتيق لترسم صورة حية واقعية عبر بناءٍ حر لم تتقيد به إطلاقاً, ولو تتبعنا الديوان من الغلاف إلى الغلاف لرأينا الشاعرية تقوى حيناً وتظهر واضحة جلية وتضمر حيناً ( على المتلقي العادي) لكنها تحاول أن تتذاكى وتمارس لعبة التخفي على القارئ الناقد الذي يبحث عن المضمر ليجعله مادةً له,  وكما تقول د. نادية هناوي في كتابها ( جموح النص وفروسية الناقد ص 5): والنص عادة هو مادة الناقد وقبل ذلك هو نتاج الأديب, وهو عند الأول وسيلة وعند الثاني غاية. ففي النص الأول ( اشارات آرتميس) تستخدم جملة مجرورة لتجر المتلقي إلى تلقي النص عبر دلالاتٍ متنوعةٍ, إذ تقول:
لم أطلب من اللهِ غير استطاعتهِ
بحثت في شوهي عن ومضةٍ للسفر
فهي لا تريد من الله سوى استطاعته وهنا تدارك مهم وضروري لمن يقرأ النص على شفافيته, ويفتح النص للسؤال والتحليل الذي يعطي ديناميكية له مستمرة, تستخدم الشاعرة الابطال الاسطوريين وتذكر أسمائهم مع رمزية كل آلهة, فمثلا الإله اليوناني ( ثيسيوس) وهو أحم ملوك أثينا, وتذكر ( أفرودويت) التي هي ربة الحب والجمال والنشوة الجنسية في اليونان القديمة, وهذه الرموز الاسطورية عبارة عن رسائل مبطنة في ثنايا الابيات الشعرية, وقد تعتمد الاديبة على مخزونها الكمي من معرفتها برمزيات هذه الاساطير لتأتي بصورٍ شعريةٍ ناقدةٍ لحالاتٍ تتمثل في مخيلتها, وأثرت أعظم الأثر في خيالها فراحت تمارس الشعر عبر اللجوء إلى أسطرة الأبيات الشعرية لتكون صورها الشعرية من نسيجٍ واحدٍ, ويأتي قولها في نص       ( أنت كلي في تجليات المرآة) تناصاً مع فكرة صوفية بحتة, إذ تقول:
صوفية تدور في فلك السؤال
صارخة في رمال صمتها.
وهنا إنفتاح آخر في البيت الشعري, إذ كيف اجتمع الصمت والصراخ؟ لكن هذا الاجتماع له ما يبرره عبر دلالة الجار المجرور ( في رمال) وفي النص الذي يلي البيت مباشرةً, التماهي مع الذات الشاعرة جعلها تنزع إلى استدراكات كثيرة عبر أنساق تقدمها تقديماً استهلالياً ليكون على ذات التناغم الصوتي ووحدة الموضوع الذي تنظم به القصيدة, فوحدة الموضوع تجعلها تقف طويلاً مستدركة لكي لا تتلاشى وحدة الثيمة عن خيالها الشعري.
فقد كان توظيف الاسطورة صورياً وفنياً يتم عبر مخيال شعري يأخذ ثيمةً تاريخيةً ليعيد صياغتها بحُلّةٍ جديدةٍ تتناسب وذوق الشاعر, الشاعرة بسمة تأخذ من الاسطورة جانبان مهمان وتوظفهما توظيفاً شعرياً ممزوجاً بثيمة فلسفية , الميزتان هما النزعة الفلسفية الرمزية, إذ كثيراً ما نرى الرمزية حاضرةً وبقوة في الديوان, فهي لم تفقد أو لم تخسر قيمة الاسطورة التاريخية بل عمدت إلى استثمارها بصورٍ شعرية, ولجوء الشاعرة بسمة إلى الاسطورة هو كنوع من المواكبة الحداثية للغرب وامتزاج الثقافات مع بعضها بعض, فإذا كان تعريف الادب الأخذ من كل شيء جميل قطعة أو من كل جميل طرف فالشاعرة قد أخذت العديد من القطع أو الصور الجميلة, وراحت تنسج شعرها نسجاً محكماً وفق قواعد حداثوية تتسم وروح الشعر الجديدة. فحركة الشعر الجديدة أخذت تُوسع من آفاقها وبالأخص بعد التلاقح الثقافي والامتزاج المعرفي بين العرب والغرب عبر التقنيات الحديثة, كان لهذا التلاقح ميزة وظفها كثير من المبدعين الذي يستغلون التجديد ويتصيدون الفرص لإضفاء ثوبٍ جديد أو لمسة فنية تجديدية في الصور الشعرية, نلاحظ هذا كثيراً في ديوان آشارات أرتميس الذي كان يمثل نسقاً فنياً له ميزة عالية وقيمة فنية كبيرة لاشتغاله على الصور الموشاة بطريقةٍ تجديدية, إذ التوظيف البلاغي كان متناسقاً تمام مع المعنى الذي ينشده البيت الشعري, ولعل الكتابة الحرة أو النثرية قد أعطت مساحة واسعة من التكثيف والحرية في البوح الشعري, ونلمس في الديوان أن الشاعرة ترتكز على مخزونها الكمي الثقافي وتصوغ منه أبياتاً شعريةً عالية الجودة, إذ تقول في إحدى قصائد الديوان:
هذه المدن المراهقة لها نهد الغد بأحكام الآلهة
والآلهة لها أحكام تقاتل التأويل
وتستمر القصيدة ناقدة لواقعٍ مرٍّ, وتستمر القصيدة بأنها ساخرة, المدن التي تحكمها الاسطورة التي صبغت نفسها بالقداسة وأنفت أو أمتنعت عن النقد والمسائلة هي مدن أصابها أو سيصيبها الجهل والرجوع إلى القهقرى, هذه الآلهات هي استعارات لهيمنة وسلطة السلطة الدينية التي تستغل الرب لغاياتٍ شخصيةٍ, والبشر ميالون بحكم طبيعتهم وفطرتهم الأولى إلى من يحدثهم بحديث الله أو عن الله أو في الله, الشاعرة هنا في هذه القصيدة( أنت كلّي في تجلّيات المرآة) تستهزأ بما تمارسه المؤسسة الدينية وتدخلها في شؤون البشر, إذ هي تفرض على الناس حتى التفكير في قضايا تخص حياتهم, وترفض التأويل في الأوقات التي تمارسه هي بنفسها, الديوانُ كان حافلاً بتناص لكنه ليس تناص شعري فحسب بل تناص فلسفي ومعرفي, والفن اليوناني القديم قد أخذ مساحة كبيرة في إكساء الديوان حلَّة فلسفية عبر محطات تستفز القارئ وتثيره في الاجابة عن تساؤلاتٍ تعرضها القصيدة, وقد أحصينا الكثير من هذه التوقفات وقد آثرنا أن ندلل بها كمحتوى فني في الديوان عامةً.

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي