loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الأمور طيبة غربة أم اغتراب قراءة نقديّة في المجموعة القصصيّة "الأمور طيّبة" للشّاذلي عبد الصّمد

breakLine

الأمور طيبة غربة أم اغتراب

قراءة نقديّة في المجموعة القصصيّة "الأمور طيّبة" للشّاذلي عبد الصّمد

دلندة الزّغيدي/ كاتبة تونسية

الأمور طيّبة مجموعة قصصيّة للكاتب التّونسي الشّاذلي عبد الصّمد, نشر بورصة الكتب للنّشر والتّوزيع، الطّبعة الأولى 2017 . تحتوي المجموعة على عشر قصص وثلاث قصص قصيرة.
الأمور طيّبة عبارة يتداولها العمانيون كثيرا، تعكس ثقافة قوامها الرّضاء بالقضاء والواقع وتعطي فكرة عن الشّخصيّة الأساسيّة للمجتمع العمانيّ المتّسمة بالمسالمة والقناعة، ولقد استعار الكاتب هذه العبارة ليعنون بها مجموعته القصصيّة الّتي تلخّص تجربة المعلّم المهاجر الغريب المغترب. وصاغ هذه التّجربة بطريقة مختلفة، فتحتار في تصنيفها، فهل هي قصص فعلا أم خواطر أو تداعيات نفس تحكي لواعجها؟
لوأخذنا بعين الاعتبار معايير القصّة، فإنّنا سنجد أنّ هناك أركانا ثابتة يجب توفّرها حتّى تصنّف القصّة قصّة، وهذه الأركان تتلخّص فيما يلي:
- من؟ : الشّخصيّة
- أين؟: المكان
- متى؟: الزّمان
- كيف؟: الحدث
- لماذا؟: الإضطراب
- ماذا ؟: النّهاية
وكما يقول محمّد أيّوب في تعريفه للقصّة: "من أهمّ سمات القصّة أنّها لا تهتمّ بالتفاصيل بل تركّز على حدث محدّد في زمن محدّد ومكان أو أمكنة محدّدة." (1) من خلال هذا التّعريف يتبيّن لنا أهمّية الإطار المكاني للقصّة، والمكان كما يعرّفه محمد أيّوب هو: "الوعاء الّذي تدور فيه الأحداث و تتحرّك فيه الشّخصيات لتكشف لنا حركة الزّمان والتّغيّر الّذي يطرأ على الأشياء والنّاس." (2)
فما نصيب المكان في المجموعة القصصيّة الأمور طيّبة؟
إذا كان المكان هو الإطار الّذي تتحرّك فيه الشّخصيات وتتدافع فيه الأحداث، فقد تعاطى معه الكتّاب بطريقتين مختلفتين.
1) الطريقة الأولى: هي أن يصف الكاتب المكان وصفا دقيقا فيأخذك في رحلة إلى مكان الأحداث، ويطلعك على أدقّ تفاصيلها، فتشعر أنّك تحوم داخل الإطار الّذي صوّره الكاتب، وتقوم بجولة افتراضيّة عبر الكلمات، فتأخذ القصّة بعدا توثيقيّا لتصوير مدينة مّا في حقبة تاريخيّة مّا.
2) الطّريقة الثّانية: فهي أن يصف الكاتب المكان بشكل ذاتيّ فيسقط مشاعره ومشاربه الفكريّة والإيديولوجيّة والنّفسية والإبداعيّة الفنيّة, فيصوّر المكان وفقا لذاتيّته.
فأيّ الطّريقتين اختار كاتبنا؟
ما نراه في قصص الأمور طيّبة أمر مختلف، فالمكان ليس له هويّة محدّدة، له اسم يتيم نكرة ففي
الحقيبة: الأحداث تدور في الحوش, العاصمة, المحطّة, المطار, أو في وطن نكرة.
الباص: المدينة, القرية, الطّريق, سكن التّربية, ويتساءل: لماذا هؤلاء يعيشون في هذا المكان؟ أي مدينة مجهولة
الأمور طيّبة: استقبلتنا التّربية في المطار, أجلسونا في مكان يتلاعب فيه مجرى هواء, أماكن ساحليّة وأخرى صحراويّة , أصبحت أتجوّل في المدينة, عرفت أنّه ابن منطقته...
المحطّة: المدينة البعيدة, قرية غير مهمّة ثمّ يتساءل "أو لعلّها مهمّة" القرية الناّئية الصّابرة الكالحة.
فالقارئ الّذي يجهل أنّ الكاتب من تونس لن يتفطّن أبدا إلى أنّ العاصمة المقصودة في قصّة الحقيبة هي تونس. والقارئ التونسي الّذي لا يعرف أنّ الكاتب درّس بعمان وبصفة أدقّ في جهة ظفار فإنه يكاد يجزم أنّ الأحداث تدور في قرى أو مدن تونسيّة أو عربيّة، هكذا إذا ورد المكان في مجموعة الأمور طيّبة بدون هويّة محدّدة وخال من كلّ خصوصيّة، فما نصيب الزّمان في هذه المجموعة؟
الزّمان ليس أوفر حظّا من المكان في "الأمور طيّبة"، ورد الزمان هو الآخر غير محدّد فلا توجد أيّة إشارة تدلّنا عن أيّ قرن أو سنة أو شهر أو يوم، يعطي الكاتب مجرّد إشارات عامّة مثل اليوم, المساء, الضّهيرة, الّليل... الزّمن بالنسبة له هو زمن مطلق، فكلّ الأحداث في كلّ القصص لم يحكمها زمان ولا مكان، فهل أثّر ذلك على جماليّة القصص؟
إذا اهتمّ النّقاد بأركان القصّة واعتبرروا أنّ الإطارين الزّماني والمكانيّ شرط أساسيّ لنجاح القصّة، فهل يعني ذلك أنّ "الأمور طيّبة" مجموعة قصصيّة فاشلة أو على الأقل رديئة؟
وهل أنّ هذين الرّكنين سقطا سهوا من اعتبارات كاتبنا الشّاذلي عبد الصّمد؟ أم أنّه أسقطهما مع سبق إضمار؟ هل هو إهمال مقصود؟
وإذا كان الأمر كذلك فما هي الدّوافع وراء عدم الإكتراث بركنين رئيسيّين في القصّة؟
للإجابة عن كلّ هذه الأسئلة لا بدّ لنا من الوقوف على نقطة رئيسيّة وهي مضمون المجموعة القصصيّة.
تلخّص القصص في "مجموعة الأمور طيّبة" تجربة الكاتب في الغربة، ويجوز تصنيفها كسيرة قصصيّة، حيث يتعمّق الكاتب في وصف الحالة النّفسيّة والذّهنيّة للمعلّم وعلى وجه الخصوص المعلّم المهاجر.
فكيف كانت صورة المعلّم في "الأمور طيّبة"؟
يقول الكاتب واصفا حالة المعلّم بالتّصريح تارة وبالتّلميح تارة أخرى :
"سكن المعلّمين هو غوانتانامو": المعلّم المكبّل السجين
"أهل القرية يرفضون الأغراب". ويقول في موضع آخر, "تمتمات على الأفواه أعرف إنّها سبّ و شتم لا أحد تجرّأ وجهر بها فالسّائق ابن البلد وهم الأغراب": المعلّم غريب
- ويستطرد قائلا : "ولكنّهم قبلو بوجود المعلّمين لتعليم أبنائهم" علاقة مصلحة, لا وجود لروابط إنسانيّة بين المعلّم والأهالي.
- "عيّنتني المديرية في هذه القرية النّائية الصّابرة يومها تمنّيت أنّني لم آت من بلدي": المعلّم النّادم على قرارات كان قد اتّخذها.
- "اصمت أو كل تراب الصّحراء": المعلّم المقهور, المجبور
- "أضلم اللّيل ولم أشعر بضلامه, بل وجدته مؤنسا" : المعلّم الحزين
- خاطبه السّائق غاضبا: "ألم أعلمكم أن تكونوا جاهزين ؟... لن أنتظر أحدا في المرّة القادمة": المعلّم المحكوم, و السّائق يربّي المربّي.
- ويقول على لسان إحدى الشّخصيّات:
"احمد ربّك يا عبد الحفيظ. نحن لا نملك سيّارة ولا منزلا ولا باصا" : المعلّم المفقّر.
- "تلتحق الجماعة فيؤنّبهم السّائق" : الاحتقار
- "يستمعون ولا يجيبون": كابوس الخوف
-"لا أحد يعيرك اهتماما": التّهميش
- "ألا تحسّ يا عادل أنّ لذ لك معنى, أن تعلّم أبناء هذه القرية؟ أن تفتح عقولهم؟.. ردّ عادل أنت مثاليّ إلى درجة الإستفزاز. أمران يأسرانك النّوم والطّعام." : تجريد المعلّم من إنسانيّته والنّزول به إلى المرتبة الغريزيّة الحيوانيّة، أوحيونة المعلّم
-" الطّريق الكريه هو الجحيم فاسلكه, أو القرية فادفن فيها نفسك بالحياة" المعلّم الميّت بالحياة.
من خلال هذه الشّواهد نلاحظ أنّ الكاتب غير متصالح مع المكان فكيف له أن يعيره اهتماما؟ هذا المكان الّذي تسبّب له في جميع أصناف العذاب و سرق منه كلّ شيء، حتّى ذاته، فالقرية هي "الهوس و السّجن و الوسواس".
يقول الكاتب في قصّة الوهم مخاطبا القرية: "افتككت منّا ذواتنا حتّى كدت تفسخين ذاكرتنا"، علاقة الكاتب بالمكان علاقة عدائيّة بامتياز، مكان ليس فيه قيمة للمعلّم، فكيف للمعلّم وهو المعلّم والمربّي والقدوة أن يهتمّ بهذا المكان؟! فالعلاقة علاقة توتّر ونفور، ورفض الكاتب للمكان هو في الحقيقة رفض للواقع، إهماله للمكان هو انتقام لذاته وهكذا نخلص للقول إذا، أنّ التّركيز في مجموعة "الأمور طيّبة" هوأساسا تركيزعلى الموضوع وليس على الإطار، فالمأساة هي المأساة سواء في تونس أو في مصر أو في الأردن أو في عمان، ومعاناة المثقّف وبالتّحديد المعلّم العربي وعلى وجه الخصوص المعلّم العربي في بلاد الغربة هي ذاتها، فحاله سيّئة كيفما قُلّبت، فما يضرّ لو أُهمل المكان ما دامت الذّات في حدّ ذاتها مهملة؟
"الأمور طيّبة" هي غوص في جوهر الذّات, وإفراج عن خبايا الرّوح ومتنفّس يكشف معاناة المعلّم العربي الغريب المغترب، المعلّم الممزّق بين عوالمه وأفكاره وطموحاته وقسوة الواقع الّذي يجبره على التّنازل عن مثله ولغته وسلوكيّاته لينحدر لقاذورات الضّرورات الحياتيّة، كأن يُجبر على التّدنّي في التّصرّفات أو التّلفّظ بعبارات دنيئة هي أساسا انعكاس لواقع رديء.
وتجدر الملاحظة أن المجموعة القصصية "الأمور طيبة" لا تخلو من الطّرافة، فنلاحظ أيضا أنّ الكاتب توأم بين الشّخصيّات الآدمية كالمعلّم، والسّائق، والمدير ، والمدير العامّ، والتّلميذ من جهة والشخصيّات الأشياء مثل الحقيبة أو الشخصيات التجريدية أو الأفكار مثل الحلم والوهم من جهة أخرى، والطريف أنّ طبيعة العلاقة الّتي تربط بين الكاتب والشخصيّات الآدمية يشوبها التوتّر وعدم اكتراث, كأن يقول في قصّة الأمور طيّبة: "دخل رجلان يرتديان لباسا أبيض نظيفا. الأوّل طويل القامة, والآخر قصير... التفت إليّ الطويل قائلا: "مرحبا بك, كأنّك لم تعرفني!؟" أجبته عفوا, لم أعرفك." ثم يقول بمرارة "حتّى أنت أيّها الطّويل." فيصوّر العلاقة بينه و بين هذه الشّخوص جافّة، وبالمقابل يصوّر علاقة قويّة تتّسم بالإحساس العميق بينه وبين الحقيبة، ففي قصّة الحقيبة يقول: "إهمالها للحقيبة يحزنني, فكأنّها لا تهتمّ بي أنا أيضا. ... حقيبة السّفر هي فرحي وحزني, هي استقراري و ترحالي, هي الامتلاء والفراغ, هي الأهل والغربة هي اللّقاء والفراق, هي الكره والحبّ, هي الأرض والسّماء, هي الحضور والغياب." من خلال هذا الوصف نلاحظ أنّ الكاتب ساوى بينه و بين الحقيبة، والواقع أنّ هذه المساواة هي ضرب من ضروب الوصف الإيحائي، ووصف لحالة التّرحال وعدم الإستقرار الّتي يعيشها الكاتب، وفي قصّة الوهم نجده يربط علاقة صداقة متينة بينه وبين الوهم فيقول: "لكنّ صديقي الوهم أمرني بالصّمت." و"انتابني شعور بالارتياح أننّي لم أركل صديقي الوهم" ويقول أيضا " فاختفى صديقي الوهم إلى الأبد, وتيقّنت أنّني الوهم ذاته." فيتماهى الكاتب مع الوهم، لتصبح حياته وهما وذاته وهما.
أمّا في قصة المحطّة فيقول عن الحقيبة أيضا: "ورغم ذلك هو متشبّث بها, يمسكها بكلتا يديه, ويشدّها إلى إبطه أو يضمّها إلى صدره كالأمّ تضمّ رضيعها." والأمثلة كثيرة في نفس هذا السّياق، وهكذا كانت الشخصيّات الأشياء تضاهي الشخصيّات الآدمية، بل وتفوقها قيمة معنويّة وشعوريّة. ومنح الكاتب هذه الشّخصيّات قيمة من خلال شخصنتها فهي تتحرّك وتحسّ و تتكلّم، بل وتلتصق بذات الكاتب وتتوحّد معها.
ولعلّ عدم الإرتباط بالأطر والشّخصيّات المألوفة يعكس بدوره حالة القلق وعدم الإستقرار الوجوديّ الّذي لا يرتبط بالإطار المحدّد بل هو مرتبط بالوجود المطلق، وتطغى فكرة التّرحال على قصص الشّاذلي عبد الصّمد، فيصوّر الأبطال في سيرورة ماديّة مثل السّفر العاديّ أو في حالة سفر ذهني مثل الأحلام.
وكما يقال تعددت الأسباب والموت واحد, نقول قياسا على ذلك تعدّدت الأماكن والوجع واحد، فعوض التّركيز على إطار الحدث تمّ التركيز على الحدث ذاته، فإن صعب تصنيف مجموعة "الأمور طيّبة" أدبيّا باعتبار أن الإطار الزّمكاني لم يأخذ حظّه، فإنّ ما يشفع لهذا العمل هو عدم خلوّه من الإبداع والتّفرّد، فكلّ القصص كتبت بأسلوب خفيف شيّق ولغة بسيطة لا تخلو من مسحة جماليّة لما تحمله من إيحاءات ذكيّة ذاتيّة وجوديّة تارة و ذات بعد اجتماعيّ تارة أخرى، فهل يمكن اعتبار هذه القصص ضربا من ضروب الخروج عن القالب التّقليديّ للقصة وإرساء أسلوب جديد في كتابة القصّة حيث لا يتقيّد الكاتب بضوابط محدّدة ويكتب كما يحلو له والأمور طيّبة.

المراجع
الزمان والمكان في القصة القصيرة محمّد أيّوب 9-1-2005

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي