loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الأيديولوجيا من خلال تحوُّلات السَّرد في رواية "متاهة العدم العظيم" لبُرهان شاوي

breakLine

بكل وضوح يمكنني القول بأن هذه الرسالة الأكاديمية والتي كانت تحت إشراف الروائية والأكاديمية الأستاذة الدكتورة نتالي إيليا الخوري -غريب، ومع أنها كتبت عن رواية واحدة لي وهي " متاهة العدم العظيم" لكنها، ومن دون مجاملة، من أجمل ما قرأت عن الرواية وعن "المتاهات" كلها. فمن أجل أن تتوغل الباحثة في المتاهة التاسعة وتفككها، وفق موضوع تحولات السرد، قرأت المتاهات كلها وفككت بنيتها السردية التي قسمتها إلى : السرد الغنائي ودور الشعر، السرد الإيروسي، والسرد المهجن. وهنا اقتباس من الفصل الأول في الرسالة والمعنون:  الأبعاد الميتافيزيقية والمظاهر الواقعيّة من خلال تحوّلات السّرد.

1- الواقعيّة الغرائبيّة والتّعلّق بالغيبيّات:

تحاول رواية "متاهة العدم العظيم"، أن تنقلنا عبر فضائها السّرديّ إلى عوالم عجيبة، توهمنا أنّنا خارج المكان والزّمان، من خلال سردها الغرائبيّ الّذي وصل إلى حد الخوارق، أحداث غريبة، أماكن عجيبة، يسود اللّامنطق في تحرّكات شخصيّاتها... ونجد الكاتب يُحاكي التّابوهات الدّينيّة، والغيبيّات بميتاروائيّتها، فيتحوّل السّياق إلى فضاء سرديّ يصبح فيه الأسطوريّ والعجيب جزءًا من واقعه السّرديّ... ولعلّ هذه الوفرة في مرجعيّاته التي انصهرت في بوتقة الواقع واللّاواقع، حقّقت أكثر من وظيفة، وساهمت في بناء هذه الواقعيّة الغرائبيّة إلى جانب تماس الحقيقة بالحلم والرؤى، لإنجاز جماليّة "التّجريب الرّمزيّ"، الّتي هي جماليّة التّعامل مع العجيب، ولعلّ أبسط تعريف للعجائبيّ يتمثّل "أنّه يبدو في شكل فضيحة أو تمزّق أو ولوج عنيف يكاد يكون غير محتمل في العالم الواقعيّ"(الباردي، محمد، 2002، صفحة 250)
ويختلف تأثير الواقعيّة الغرائبيّة في السّرد، بحسب الهدف منها، فما زخرت به الرّواية من العجب في بنيتها، يجعل المتلقّي في حيرة وتردّد حول الغرض من هذه الوقائع، ويقول القزوينيّ معرّفًا العجب: "العجب حيرة تعرّض للإنسان كقصوره عن معرفة سبب الشّيء أو عن معرفة كيفيّة تأثيره فيه" (القزويني، زكريا بن محمد، 2006، صفحة 8)
لتوضيح ما تحدّثنا عنه سوف نورد الوقائع الغرائبيّة التي استمدّيناها من رواية العدم العظيم".

الدّائرة الغرائبيّة الأولى: الشّيطان:
1- يظهر إبليس لآدم الأكوينيّ يُجالسه ويحاوره.
2- يظهر إبليس مغايرًا لما تصوّره الأديان، ففي الرّواية إبليس رجل أشقر وسيم.
3- ظهور رواية لإبليس وجدت من العدم على حاسوب آدم الأكوينيّ، واختفائها بعد قراءة آدم لها.
4- إبليس مؤمن، لديه إيمان أكثر من جميع البشر.
5- معرفة إبليس للغيب، وطلبه من آدم بعدم الحكم على الآخرين.    
6- زيارة الشّيطان للرّاهب، والحديث معه عن قصص البشر، وأفعالهم وأقنعتهم، جعلت الرّاهب يبتعد عن عالم البشر ويفضّل الاعتزال.

إنّ تقديم إبليس بشكل الممثّل الإيطالي النّمساويّ "هيلموت بيرغر"، ومنحه حقّ المرافعة، ومحاورة الشّخصيّات يُزعزع ما رسمته الأديان، وشكّله البشر في أذهانهم على أنّه قبيح وشرير،  وها هو إبليس في الرّواية يناقض وينتقد الأديان وأفعال البشر...  هذه الوقائع الغرائبيّة عند شاوي أظهرت مدى جدّيته في إزالة القشور التي وضعتها البشرية في الأديان، فالإنسان حين يقترف الخطايا يرجّحها للشّيطان للتّخلّص من شعوره بالذّنب (باعتباره يوسوس له).
وحين قُدّم الشّيطان كرمز دينيّ بقلم آدم الأكويني الأستاذ الجامعيّ نجده يشكره على منحه الفرصة للدّفاع عن نفسه فيقول لآدم: "قدّمتني بشكل جميل ووسيم... وأعتقد أنّك مثلي بالضبط مؤمن بأنّني غير موجود، ولذا أشكرك مرة أخرى، لأنّك منحتني الفرصة كي أكون موجودًا لأدافع عن لا وجودي...!"(شاوي، برهان، 2019، صفحة 22)
هذه الوقائع الغرائبيّة تشكّل صدمة للمتلقّي، تحثّه على التّفكير مليًّا، وتثير فيه الرّغبة في البحث عن اليقين، وهذا ما يهدف إليه شاوي، فالشّيطان موجود ولكنه نوعان "وكذلك جعلنا لكل نبيّ عدوًّا شياطين الإنسِ والجنّ يُوحي بعضهم إلى بعضٍ زخرُف القول غرورًا ولو شاء ربُّك ما فعلوه، فَذَرْهُمْ وما يفترون"(القرآن الكريم، سورة الأنعام)، وشياطين الإنس أشدّ فتكًا ودمارًا من إبليس (الجنّ)، فهو دوره يقتصر على الوسوسة "الّذي يوسوس في صدور النّاس"(القرآن الكريم، سورة النّاس)، فمهمّته تقتصر على الإيحاء، أمّا شياطين الإنس (البشر)، فهم يقتلون، ويقدّمون أداة القتل السّلاح، وإن كان شيطان الجنّ يزيّن لك المعصية مهما كانت، فشيطان الإنس يقدّمها لك على طبق من ذهب (كصنّاع الحروب، القوّاد، تجّار المخدّرات، عصابات النّهب...)، وإن كان أوّل فعل لشيطان الجنّ عدم السّجود لآدم، فشيطان الإنس تجاوز نظيره بأشواط حيث قتل أخاه (قابيل وهابيل).
وما تناول الكاتب في السّرد لزيارة الشّيطان للرّاهب، وإخباره بأفعال البشر من عنف وتعسّف وقمع وتدمير للعالم، إلّا تأكيد على همجيّة البشر، وهروب الدّين الحقّ الّذي يمثّل الرّاهب إلى عالم غير معروف فيه الزّمان ولا المكان، فالدّين معلّق وبراء ممّا يحاك حوله، ويُنسب إليه، إذ أصبح رجاله حرّاس للعبادات، يتحدّثون عن الله، وكأنّهم يعرفونه بينما في الحقيقة يناقضون أنفسهم، وما أكثرهم اليوم في إصدارهم لفتاوى تسمح لهم بالقتل، وإشاعة البربريّة، واستباحة المحرّمات، وانتهاك القيم والأخلاق.

الدّين الحقّ ركيزته الأخلاق، وما بعث الأنبياء إلّا لإتمام مكارم الأخلاق، فما نفع تأدية الفرائض مع التّعامل بفوقيّة، وبازدراء للآخر واستباحة قتله لأنّه مختلف، والدّين المسيحيّ أيضًا يؤكّد على الأخلاق في سفر الأمثال "اقتنِ الحقّ ولا تبعه، والحكمة والأدب والفهم" ولكن من البشر من سوّغت له مصالحه تحريف الأصل من الدّين، بهدف التّحكّم والهيمنة مع ضمان تبعيّة الآخر.

لقد حمل الكاتب لواء الأخلاق لدين الحقّ فتماهى مع إيمانويل كانت الّذي يعتبر الدّين "فعلًا أخلاقيًّا، فقد كان يرى الشّعور الأخلاقيّ أسمى من العقائد والطّقوس الشّكليّة والعبادات، ولديه أن أيّة عبادة دون شعور، ومسلك أخلاقيّ هي عبادة زائفة وهراء دينيّ.."(شاوي، برهان، 2019، صفحة 342)

وواقعة قول إبليس لا أحد يملك الحقّ في الحكم على الآخرين، رسالة مبطّنة، يقصد بها المؤسّسات الدّينيّة التي أراد شاوي إنزالها عن عرشها، خصوصًا بعدما أصبحت دنيويّة وسلطويّة بامتياز، وأظهر عدم امتلاكها للحقّ بالحكم على الآخرين بعدما برز تعصّب كلّ منها بعقائده وهويّته واعتبارها حقائق مطلقة وثابتة.

الدّائرة الغرائبيّة الثّانية: الموت (حضور وغياب):
1- اتّصال آدم سرّ الختم الميّت بالأكوينيّ، ص 67.
2- قيام آدم سرّ الختم من الموت وحضوره إلى منزل الأكوينيّ، ص 178.
3- حضور شخصيّات من متاهات سابقة، لقيادتهم إلى مصائرهم، ثم غيابهم بعدما ثاروا على الكاتب لعدم تقبّلهم لنهايتهم.
4- اختفاء آدم الضّعيف، آدم الجيزانيّ، حوّاء الضّعيف، العميان، الكتاب الذّهبي، جثّة قابيل الفهد، آدم المجنون.
5- ردّة فعل آدم نعمتدار على كاتبته لفضحها له في رواية سابقة، بقطع رأس زوجته وعشيقها، ووضع الرأسين في حقيبة سوداء وإرسالها لها ص 374.
6- وجود الفتاة الصّلعاء المريضة في اللّامكان (عالم افتراضيّ).
7- الرّجال الأربعة الّذين أخذوا ابن حواء الصّايغ في مركبة فضائيّة، باعتباره المخلّص ص 298.

يعتبر شاوي الموت هو الحقيقة، كونه التّجربة الوحيدة التي لم نخضها كبشر، ولم نكتشف أسرارها فهي من الغيبيّات، اختلفت أساليب الموت ومظاهره في الرّواية، فمن الشّخصيّات من مات موتًا ربانيًا (مرض، انتهى عمره)، ومنهم غدرًا، ومنهم قطع رأسه وعلّقت جثّته، ومنهم خيانة، لقد أوجد الكاتب عالمًا افتراضيًّا لما بعد الموت تواجدت فيه العديد من الشّخصيّات، القاتل والمقتول، شخصيّات تُلاقي عقوبتها بحسب جُرمها، هي أرواح تائهة يحضّرون، ويغيّبون كأنّهم ذرّات مبعثرة، فهم كالأشباح في متاهاتهم ينتظرون مصيرهم النهائيّ.
أمسى الموت في الرّواية ظلًّا لوجوديّة الفرد وأزمته حيث يعكس القلق المهيمن في أعماق النّفس البشريّة، فالبشر يطلبون الخلاص من حياتهم بصومعة الموت "فيشيع عند النّاس أنّ الحياة نقيض الموت"(أبو جهجه، خليل ذياب، 2004، صفحة 124). فينسف شاوي هذا الرّأي الشّائع، فالموت عنده مقترن بالحضور أي الولادة، وما بينهما أي الحياة؛ هي صورة الله على الأرض نراها مهمّشة في الرواية بأفعال شخصيّاته من شياطين الإنس...

فالوجود والموت هما العدميّان عند شاوي، والفاصل بينهما الحياة إما تعيشها شخصيّاته كابوسًا بين العدميّين كما الفتاة الصّلعاء في الرّواية، وإما يعيشون الحياة كمسرحيّة تراجيكوميديّة كما آدم اللّاأحد، "فالحياة لو تأمّلناها، فكلّ أفراحها وأحزانها، كلّ شيء قابل للزّوال، الموت الوحيد الباقي في هذه الحياة" نرى شاوي هنا يُقرّ بالحقيقة الكبرى الموت، وأنّ الحياة هي لعبة البشر، يحيكونها على قدر وعيهم، فمنهم يكون قاتلًا، ظالمًا، مظلومًا، محبًّا، غيّورًا، حاسدًا، محسودًا، إلّا من يمتلك المعرفة والعلم والإرادة الحرّة فلا سلطان عليه.
لقد ورد في معجم اللّاهوت الكتابيّ عن أصل الموت "لا يمكن أن يكون الموت خاليًا من المعنى، فهو يناقض بعنفٍ رغبتنا في الحياة، ويثقل علينا كقصاص، ولهذا، وبطريقة غريزيّة، فإنّنا نرى فيه جزاء للخطيئة" ولكن إذا كانت الدّيانات تتبنّى هذا المبدأ، فلماذا يموت الأخيار؟... ثم يذكر الكتاب "إنّه في الأصل، لم يصدر حكم الموت ضدّ البشر، إلا بعد خطيئة آدم"(شاوي، برهان، 2019، صفحة 529)، وهنا أيضًا نتساءل لماذا نحمل خطيئة أبانا، أواقع أن الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون، أمسى حقيقة، وما البحث في ميتافيزقيّة الموت عند شاوي إلّا أسئلة تولّد أسئلة لامتناهية.
وإن كان المرض (مرض الفتاة الصّلعاء، وآدم اللّاأحد)، فريضة ليضع الله الإنسان في خطر الموت، لكي يقوّمه ليتوب عن خطيئته كما يذكر الكتاب "فمن منّا بلا خطيئة...")
ويورد شاوي كيف أنّ الإنسان تتغيّر نظرته إلى الحياة، ولأولويّاته عندما يصطدم بالمرض ويعلم أنّه سيلاقي حتفه لا محالة "إنّ فنجان قهوة مع موسيقى هادئة، تسعدني، وتجعل يومي جميلًا، وإنّ قراءة رواية أو ديوان شعر أفضل لديّ، من خطط الشّركات الكبرى!!! لقد تغيّرت كليًّا! ما بقي من حوّاء كوناي هو شغفها بالتّمتّع بأيّ لحظة دونما إرهاق النّفس بالموانع والحواجز"(شاوي، برهان، 2019، صفحة 223). بعد مرضها وعلمها من قبلّ الأطبّاء بموتها القريب تغيّرت نظرتها إلى الحياة.

 فالإنسان يصاب بهواجس ما قبل الموت باعتباره ذاهب إلى مجهول لم يختبره فحتّى "الفلاسفة الّذين قضوا عمرهم يحاولون أن يتحدّوا الموت من خلال التّفسير العميق للحياة وكشف العقل في الوجود، ماذا قالوا لأنفسهم وهم في لحظات التّنفّس الأخيرة" (شاوي، برهان، 2019، صفحة 395)، وما يتبعهم من ملوك وعظماء وحتّى القتلة ما الذي دار في خلدهم بعد الموت.

وما دلالة اختفاء وحضور الشّخصيّات وتمرّدها على قدرها في الرّواية سوى إظهار لعبثيّة الإنسان المتمرّد على خالقه، بعدما أعطي فرصة الحياة، لكنّه أبى الحرّيّة لذاته فتتبّع الجموع، ورضي بضعفه، ورسم مصيره من قبل الآخرين (النّظام السياسيّ، الدّين، المجتمع)، وهنا يؤكّد شاوي على أحقيّة البشر بتحرير ذواتهم، واتباع طريق العلم والمعرفة قبل أن يدركهم الموت.

واتصال آدم سرّ الختم الميّت وحضوره الغرائبيّ، تمثّل رغبة الإنسان الدّفينة في التّحكّم من جديد، وتمنّيه العودة إلى الحياة، فآدم الّذي جعل حياة عمّته جحيمًا، ما زال يريد إكمال ما بدأه، وإن بأرخص التّهم وإلصاقها بالأكوينيّ للوصول إلى هدفه، حيث هدّد الأكوينيّ بإخبار السّلطات بوجود عاهرة في منزله ويقصد عمّته، لكن الأكوينيّ المثقّف العالم لذاته كان صارمًا معه بالرّغم من مخاوف راودته من فضيحة جنسيّة مفبركة، فانكفأ آدم سرد الختم معتذرًا على ما بدر منه، وهنا دعوة للإنسان إلى عدم الانزياح لمخاوفه وهواجسه والتّعامل بتعقّل وصرامة مع تهديدات الآخر وهيمنته... حصلت هذه الواقعة وآدم سرّ الختم ميتًا، فكيف لو قُدّر له الخلود ولغيره من الظّالمين، لاشتدّوا في طغيانهم، بشكل لا يتصوّره منطق، فالإنسان يبيح لنفسه القتل والتنكيل مع علمه اليقينيّ أنّه صائر للموت، فكيف إن كان خالدًا، ويشير شاوي إلى ضرورة تمتّع الإنسان بنعم الله، قبل موته بدل وضع قيودًا لم يضعها الخالق حتى.
أمّا في حكايته للحادثة الغرائبيّة عن ابن حوّاء الصّايغ، الّذي أخذه أربعة رجال في سفينة فضائيّة باعتباره المخلّص، فتشير بحيثيّاتها وغرائبيّتها إلى المخلّص الّذي تنتظره الدّيانات، فيتماهى مع المسلمين بالمهديّ المنتظر(عج) من نسل النبيّ محمّد(ص)، الّذي سيملأ الدّنيا عدلًا بعدما ملئت جورًا وظلمًا، ويتماهى مع النّصارى بمخلّصهم عيسى بن مريم(ع)، ومع اليهود الّذي يعتبرون مخلّصهم من نسل النّبيّ داوود(ع)، وأما ذكره لأربعة رجال، فالرّقم أربعة يشير إلى الأفق الجّغرافيّ كلّه (الأمام، الخلف، اليمين والشّمال)" (مجموعة من المؤلفين، 2014، صفحة 529)، ولكن اقتران الحادثة بوسيلة نقل فضائيّة هو نسف لفكرة المخلّص حيث أنّ شاوي يعتبر أنّ الإنسان هو مخلّص نفسه، ولا ضرورة للانتظار، ما دام الله أعطاه القدرة على التطوّر المعرفيّ والعلميّ، باعتبار أن الانتظار والدّعاء لا يكفيان دون عمل فحتّى المخلّص يحتاج لإنسان متنوّر وعالم ومؤمن وعامل لنشر رسالته ولإنقاذ البشريّة، فحتّى المدير النّاجح يفقد نجاحه إن لم تتوافر البيئة السّليمة، وأشخاص أكفّاء يعملون حوله.

الدّائرة الغرائبيّة الثّالثة: تفاصيل الفانتازيا ولقطات سينمائيّة:

1- وصف دقيق وتفصيليّ لحادثة الكلبين الأسودين، تتقد عيونهما كالمصابيح الفوسفوريّة، يصطدمان ببعضهما ويتحوّلان إلى ومضة برق خارقة السّرعة ويختفيان من الوجود   .
2- الموسيقى الهاربة، حروف النّوتات ورموزها تتطاير في فضاء الغرفة، وتتداخل لتنتج أصوات تُسمع مع عدم وجود مخلوق في الغرفة.
3- قطيعٌ من الجواميس السّود المرعوبة بعيون حمر قانية.
4- الزّنزانات ووحيد القرن الهائل الحجم، كائن شفّاف كالزّلال الفضيّ يغادر ثاقبًا الجدار ومختفيًا في داخله.
5- رحلة آدم المجنون في قطار يلفّه الصّمت وكان في انتظاره سائق كأنّه صنم مغطّى بجلد بشريّ لا يرمش.
6- بيت ريفيّ صغير الحجم وعند الدّخول تتفاجأ بصالة كبيرة الحجم مفروشة بالسّجاد (لعبة الأحجام).
7- تحوّل السائق وآدم المطرود إلى أجساد ذئبيّة ثمّ إلى أجساد بشريّة.
8- نوم آدم المجنون في مكان ثمّ عند استيقاظه يجد دائمًا نفسه في مكان آخر.
9- أصوات في فندق الأرواح التّائهة مع عدم رؤية آدم المجنون لأحد.
10- التّلفاز الّذي يبث المشاهد مباشرة من الكواكب مع أصواتها المريخ بصوته الخافت وزحل بصوته المخيف الّذي أفزغ آدم المجنون.
11- رؤيته لستّ نساء... واختراقه كأنّهم أجساد شفّافة هوائيّة هلاميّة.
12- تمدّد يد آدم المجنون ومرونتها لتصل إلى السقف.
13- كلاب تتشكّل بشكل هلاميّ، رؤوسها تتبدّل حينًا بشريّة، وحينًا آخر حيوانيّة.
14- مجيء قطيع من الذّئاب لأخذ آدم دي ميتشي القاتل إلى فندق الأرواح التّائهة.
15- وجود ماء وكهرباء وسط براري وصحارى شاسعة، ووجود أصناف من الطّعام بغير مواسمها عند الرّاهب على الرّغم من وجوده في أرض مقفرة لا بساتين فيها ولا تكنولوجيا ولا أشجار.
16- وجود الآلاف من كائنات شفّافة غير مرئيّة، تشبه المخلوقات الفضائيّة الّتي تعرض بالسّينما.    

إنّ هذا الخطاب الرّوائيّ المفعم بمشاهد إبداعيّة، خارجة عن المألوف، والخارقة للطّبيعة، ونسجها في لقطات مونتاجيّة سينمائيّة، كأنّنا نشاهد فيلمًا بتفاصيله الصّغيرة من صورة وصوت وحركة،
وهذا الانفصال عن الواقع في السّرد بوحدته وتناميه في الرّواية، يتحوّل إلى صورة استعاريّة شاملة عن الوضع البشريّ، بعبثيّته ومتغيّراته، فالمشاهد السّرديّة بتقاطعاتها وأحداثها وشخصيّاتها وتهويماتها، تصاغ وفقًا لحركة ذهنيّة لا تعرف الثّبات والاستقرار، بل التّنقّل والقفز السّرديّ والتّشعّب والتّناثر اللّامنطقيّ، وهذا ما يذكّرنا بمفهوم ألبير كامو للعبث الّذي هو "انعدام التّوافق، والانسجام بين حاجة الذّهن إلى التّرابط المنطقيّ وبين انعدام المنطق في تركيب العالم، الأمر الّذي يكابده الذّهن ويعانيه" (كامي، ألبير، 1986، صفحة 78).

وإن كانت المفاهيم الكونيّة غير العقلانيّة، والعبثيّة في الحياة جعلت ألبير كامو يتّجه نحو اعتبار الانتحار هو الخلاص للإنسان، فشاوي اعتبر أنّ التّمرّد على ما هو سائد هو الحلّ الأمثل، أكان تمرّدًا على مفاهيم متعلّقة بطبيعة الوجود، أو تمرّدًا على مفاهيم غرسها الدّين والسّياسة والمجتمع في أذهان البشر منذ العهد القديم، فاللّقطات السّرديّة المبعثرة في الرّواية، والومضات المتناثرة، والصّور الوصفيّة الغرائبيّة المكدّسة، تولّد إحساسًا بعالم يسوده القلق، والإحباط، وخيبة الأمل، وخواء الأيديولوجيّات والأديان من نظام لحماية الإنسان، وحماية حقّه الطّبيعيّ والمنطقيّ في اختيار طريق الخلاص، فالكاتب الدّارس للسّينما في موسكو، استطاع  مزج معرفته السّينمائيّة بالأدب الروائيّ بطريقة تظهر قضيّته الوجوديّة، ومفاهيمه الفلسفيّة بمرونة، تبعد عن المتلقّي الملل والضجر، فيشعر المتلقّي أنّه يشاهد فيلمًا ويقرأ كتابًا فلسفيًّا ويطالع رواية في الوقت عينه، فاستخدام اللّقطات السّينمائيّة في السّرد والوصف جعل من قضيّته الوجوديّة والفلسفيّة مادّة سهلة الهضم على المتلقّي، والقارئ لروايته يرى بوضوح إمكانيّة تحويل الرّواية إلى فيلم سينمائيّ، لغناها بالسّيناريوهات الحواريّة من جهة واللّقطات الفانتازيا من جهة ثانية، والمشاهد الواقعيّة والمكثّفة لحياة شخوصها والخوارق الغرائبيّة (كائنات فضائيّة، اختراق الجدار، أصوات مخيفة...) واللّغة البليغة بمعناها الّتي تنطقها الشّخصيّات، نرى في كلّ هذا إمكانيّات واضحة في تحويلها للنّاحية الدّراميّة بحيث نؤمن أنّ البلاغة هي ملك الشّخصيّة وليست "رسالة" للكاتب في لباس حوار"(دي جانتي، لوي، 1981، صفحة 90)، يمتلك شاوي موهبة الرّوائيّ الّذي يقدّم تدفّق دراميّ في حوارات شخصيّاته، فيُظهر الدّواخل وما يدور في فلكها عن طريق وصف أحداث خارجيّة بطريقة افتراضيّة وعجائبيّة فيمزج بين تقنيّات الرّوائيّ والمؤلّف السّينمائيّ.

وما وجود العنصر الحيوانيّ من كلاب وجواميس وذئاب في الرّواية وتحوّل الإنسان إلى حيوان ثمّ رجوعه إلى شكله الطّبيعيّ، إلّا دلالات على الرّغبات البهيميّة الّتي يمتلكها الإنسان إلى حدّ شبّهها شاوي بغريزة الحيوان لأكثر من مرّة في الرّواية، وإشارة إلى التّصرّفات الإنسانيّة اللّاأخلاقيّة التي اقترب فيها من الحيوان وكأنّه لا يمتلك عقل.
أمّا الأشباح (الرّاهبات، السّائق، شخصيّات من متاهات سابقة...) إشارة إلى ما تحوّلنا إليه اليوم، فقد أمسى البشر كالأشباح التّائهة، حيث أجسادنا فارغة تنتظر الموت، نسمع بالعنف والظّلم ولم نعد نتأثّر كأنّها مشاهد مكرّرة اعتدنا عليها، وهذا ما تريده الأنظمة الفاسدة مع إلهاء شعوبها بحاجات أخرى، بالرّغم من أنّ حاجتنااليوم أمست ضروريّة إلى الوطنيّة والهويّة الحقيقيّة التي تشير لإنسانيتنا، بدل السّير كقطيع يخاف، فالكاتب يدعو إلى الخروج من قوقعة الجهل، والاستنهاض عبر الانفتاح على العالم، وإضاءة شعلة العلم والمعرفة والحرّيّة...
هذه الدّوائر الغرائبيّة وتموقعها داخل منظومة لغويّة حواريّة كانت أم وصفيّة في الرّواية، تعادل الوجود بتفرّعاته، وثنائيّاته، فيتمرّد السّرد على التّقليديّ، ويتوغّل في اللّامعقول في محاولة إبداعيّة لصياغة الواقع بقضاياه وصراعاته الفكريّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة، فيحضر الفكر الفلسفيّ الميتافيزيقيّ إلى جانب الإبداعيّ الموغّل في التّجريديّة، ليشكّلا في الأخير هذا المحكيّ الغريب، الّذي تتناوب عليه الشّخصيّات، فعوالم السّرد المبنيّة في الرّواية ليس بالإمكان التّشكيك فيها، لأنّها متواجدة خارج الزّمن الواقعيّ وخارج قوانينه ومنطقه... وهذا ما يميّز السّرد التّشخيصيّ عند شاوي عن السّيرة الذّاتيّة المحدودة في الفضاء، والزّمان لتقيّدها بوقائع تمّت فعلًا، وبالتّالي يمكن إحالتها إلى عوالم للتّأكّد من واقعيّتها، وبالتّالي إمكانيّة إثبات صدقها أو كذبها، "أمّا التّخييل فهو من النّظام المحتمل الّذي يبني قوانينه استنادًا إلى العوالم الممكنة لا إلى التّجربة الواقعيّة"(بن سالم، 1986، صفحة 60).
وهذا النّظام المحتمل الّذي بناه شاوي، يستأنس بالفلسفة الوجوديّة، وبوقائع إبداعيّة تتلاشى تدريجيًّا من خلال فضاء غرائبيّ يصل إلى حدود العتبات الفجائيّة الدّراميّة الصّادمة والمربكة... وعليه فإنّ القارئ يصاب بالدّهشة والحيرة حين يجد هذا البعد الغرائبيّ يشكّل خطابًا جديدًا يتجاوز التّقليديّ، لأنّه يباشر بالاشتغال على المفارقة الّتي هي عنصر مهمّ في إحداث ما يسمّيه كمال أبو ديب بـ "الفجوة" أي استراتيجيّة خطاب أدبيّ مشفوع بكلّ حمولة وطاقة، وامتلاء كتابة جماليًّا ولسانيًّا وثقافيًّا ومعرفيًّا واجتماعيًّا، لكنّه خطاب يمنح نفسه للآخر بصريًّا وروحيًّا، بدءًا من السّواد على البياض في ا
نتظام الصّفحات داخل الكتاب، وصولًا إلى أبعد مستويات المتخيّل والتّجريد" (أبو ديب، كمال، 1987، صفحة 21).
هذه المفارقة المنزاحة بغرائبيّتها، تربك وترهب المتلقّي الّذي اعتاد على خطاب مسالم يمجّد خطّ الأحداث، وواقعيّة الشّخصيّات، والمفارقة هنا عبر فضاء الحكيّ تبرز ذوات قلقة، هائمة، مهووسة بالمجهول، وكأنّ منطق الرّواية يبحث عن الحقيقة حينًا، وعن المجهول أحيانًا.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي