loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

التاريخي والأدبي .. في "صورة أخرى لجمشيد " لنعيم شريف

breakLine

التاريخي والأدبي ..  في "صورة أخرى لجمشيد " لنعيم شريف

 

عامر موسى الشيخ / كاتب عراقي

 

-1-
النص التاريخي والنص الأدبي  
تمثل قراءة تاريخ المجتمعات ، أي مجتمع ، مَعينا خصبا للكتابة والبحث والتأمّل ، فمنه يمكن معرفة السياقات والأنساق التي تتحكم بها ، ومن ثم تتيح هذه القراءة معرفة العوامل التي أسهمت ، ضمن إطار حركة التاريخ ، في تطويره أو تراجعه على حد سواء ، فكم من اللحظات التاريخية التي كانت فاصلة في تاريخ الشعوب ، لحظات مكنت شعوبا من أن تنطلق نحو أفق التقدم ، وأخرى تراجعت القهقرى ، بسبب حادثة أو فكرة ما أحالت واقع المجتمعات إلى صورة مختلفة عما كانت عليه في السابق ، ولنا في أفكار وكتب ( جان جاك روسو ) خير مثال على ما أحدثه في المجتمع الفرنسي ، حتى صارت فرنسا اليوم مدينة له بكل شيء . يأتي معرفة ذلك عبر قراءة النصوص التاريخية المكتوبة للتاريخ ، والتي بدورها تقوم بفعل الأرشفة التي تحفظ المتغيرات الكبرى التي جرت في زمنها ، ولا تحيل إلا عليها فقط ، ومن دون تأويلات أخرى ، فهي تمنح  للمتلقي مساحة محدودة من التصور والتأمل لذلك الزمن .
ثمة نصوص تاريخية أخرى ، تحمل المضامين الآنفة الذكر ، لكنها تفتح أفق التوقعات والتأويلات إلى حد غير معلوم ، وهذه النصوص من حيث الانتساب الزمني تعود لحقب زمنية سابقة ، ولكنها من حيث الانتساب الاجناسي أدبية ، مثل المسرحية ، والشعر ، والرواية ، والقص ، وهذه النصوص بوساطة اللغة حاولت مسك أفكار وخيالات الكتاب في أزمنتهم ، وحوّلتها إلى نصوص تسبح في فلك الزمن، تسير إلى الأمام ، وتصلح للقراءة الاستشرافية ، وتمنح للمتلقي المتكرر على صفحات الزمن متعة القراءة ولذّتها ، وأمثلة ذلك كثيرة في الآداب العالمية ، التي صمدت عبر الزمن ومازالت تحقق انتشارها الواسع ، وليس ببعيد عن ذهن القارئ الملحمة السومرية الأقدم والأشهر " ملحمة جلجامش " وملحمتي " الالياذة والأوديسة " الاغريقيتين ، فضلا عن أمثلة كثيرة في الأدبين العربي والغربي والآداب العالمية الأخرى ، التي بقت ومازالت قيد التداول والتناول .
حاولت هذه نصوص من أن تتمكن من التناص مع محيطها المجتمعي ، وكانت قادرة على حد تعبير ( جوليا كريستيفا ) " بإدراج التاريخ ( المجتمع ) في النص ، وإدراج هذا النص في التاريخ " وأن النص - والكلام لكريستفيا - " يكون مستجيبا لنصوص سابقة ويعيد تمثيلها وصوغها " وهذا يعني أن النصوص الأدبية الكبرى قد استفادت من محيطها المجتمعي والتاريخي ، وأعادت صياغته في النصوص ، وأخذت سمة البقاء ، لأنها أدبية وليست تاريخية .


-2-
صورة أخرى لجمشيد

يتطابق التصور أعلاه إلى حد ما مع إحدى التجارب العراقية في كتابة القصة ، والمتمثلة في مجمل الأعمال القصصية للكاتب العراقي ( نعيم شريف 1965) والذي صدرت له مجاميع  " عن العالم السفلي " دمشق 2000 دار الشجرة  ،  و " كلاب الآلهة " دمشق 2008 دار تكوين  ومؤخرا صدرت له عن دار تموز في دمشق  " صورة أخرى لجمشيد " وهي موضع البحث .
يقدم نعيم شريف أعماله القصصية بشخصيات مرسومة بدقة من مجتمعه المحيط ، وفي بعض المواضع يقترب من المجتمعات الأخرى ويزجها في العمل الأدبي ، لتمثل صورة أخرى للتاريخ المجتمعي الإنساني بشكل عام ، فمرّة داخل حدود مكانه المحلي ، وأخرى ينطلق فيها إلى الفضاء الإنساني الكبير الرحب ، فبمجرد حذف الأمكنة المحلية من النصوص ، يمكن للمتلقي قياس النص على المجتمعات الأخرى ، إن كانت تلك التجارب تاريخية ، أو معاصرة على حد سواء ، وهذا ما يمنح هذه النصوص صفة القراءات المتعددة ..
وقع كتاب " صورة أخرى لجمشيد " الذي ضم تسعة عشر نصا  في ( 109) صفحة من القطع المتوسط ، تقدمتها عتبة افتتاحية مقتبسة من شمس التبريزي ، ومن ثم الإهداء .
من عتبته الأولى ( العنوان ) - والذي هو عنوان لإحدى قصص الكتاب - يحيلنا الكتاب مباشرة إلى التاريخ ، محاولة إلغاء تاريخية الاسم " جمشيد " ليبقي على اللفظ فقط  صانعا منه بطلا لإحدى القصص ، ومن ثم يجعله يتصدر العنوان ، ليتيح هذا العنوان للمتلقي فرصة للبحث عن " جمشيد " وهذه أولى شفرات الكتاب في أنه يأخذ من التاريخ مادة لتخييل على الواقع ، ومن ثم إذابتها وتجريدها من قاموسها الأصلي الذي ولدت فيه ، لتكون في فضاء أكثر رحابة ومتاح للتناول لدى الجميع ، فجمشيد  " أو جم أو جمشيذ بن طهمورث بن سيامك بن كيومرث من أهمّ شخصيات الشاهنامة التي كتبها الفردوسي وهي إحدى أهم الروايات الفارسية الفانتازية وقد ذكر اسمه في الأساطير الآرية الدينية والتاريخية".
فالعنوان هنا يحلينا إلى مفاهيم تاريخية ودينية وثقافية لمجتمع ما ، ليقوم العنوان بمهمة الموجه للمتلقي في أن العمل يضمر إحالات عديدة تاريخية ومجتمعية ، فضلا عن توقع الصورة الجديدة التي سيكون عليها جمشيد في هذا العمل .
وفي العتبة الثانوية والتي تمثل مفتتح الكتاب ؛ عمد الكاتب إلى أن تكون العتبة مقتبسة من موروث تاريخي    ، ليؤكد ما تم اجتراحه مسبقا بأن النصوص الأدبية التي كتبت في التاريخ تسير إلى الأمام ، ويمكن تناولها وتداولها ، فكانت عبارة الشاعر الفارسي شمس الدين التبريزي التاريخية مفتتحا : " يا رب اجعل قلبي فراشة سحبت خيطا من الجنة وجاءت إليك " ويدلل هذا الاقتباس على محنة يعشيها الكاتب ، وأراد أن يوصل رسالته التاريخية إلى المجتمع ، وأن هذه المحنة تجعل من الانسان أن يختار الانتقال إلى عوالم أخرى من الكون ، بقلبٍ مثل فراشة سحبت خيط الجنة وانتقلت إلى خالقها ، كي يتخلص هذا الانسان من التشوه المجتمعي والثقل التاريخي ، الذي أثر على شخصية المتأمل وحفر في وجدانها الجراحات .
ويؤكد ذلك أيضا في العتبة الثانوية ، عتبة الإهداء " إلى أبي .. وأمي ... وأخي ...
لقد غادرتم هذا العالم مجروحين ، ترى هل برأت جراحكم ؟ وكيف هي حال الفردوس عندكم ؟ " .
يكشف الكاتب هنا صراحة عن ثقل التاريخ ، لكنه تاريخ شخصي ، فالحيرة والتورط بالحياة كان قد ورثها عن أسلافه ، فهم مجروحون ، وهذه الجراح ليست بالضرورة جروحا عضوية ومادية ، بل قد تكون جروحا معنوية مجتمعية خلفتها حركة العائلة التاريخية ، أو انهم مجروحين بسبب سيرة حياة الكاتب الشخصية ، لأنها كانت عبارة عن سجون ومعتقلات وتشريد وتهجير ، لتكون سيرته هي سيرة الكثير من العراقيين الذي عاشوا في كنف النظام ، أو هاجروا قسريا منه ، لتأتي النصوص بحمولاتها تعكس صور عن تاريخ  المجتمع ، وأيضا صورة المجتمع في النظام الجديد الذي لم يتأخر في إضافة صور السحق والقتل والموت للعراقيين .
                                                      -3-
تمثلات المجتمع التاريخية
يرسم الكاتب صور أبطاله بدقة وعناية ويحدد ملامحها وينتخبها من المجتمع وتاريخه ، مجتمعه الذي يعيش ، ومن ثم يؤكد ذلك من خلال وسم نهايات القصص بتواريخ كتابتها ومن ثم أمكنتها التي ولدت فيه هذه النصوص ، ليؤكد بأنها نصوص تمثل أزمنتها وتواريخها وأن علامتها النصية تحيل إلى محيطها المجتمعي.. إذ أن قصص العمل كتبت بتواريخ متباعدة بين عامي ( 2005 و 2020 ) وهذا ما يحدد الانتساب الزمني للقصص ، فيما كان الانتساب المكاني لها هو كتباتها بين أمريكا والسماوة ، وهذا ما حددته التوقيعات التي في نهاية القصص ، لتمثل تاريخ  زمن كتابتها .
ففي قصة " تدريب " ( ص 11 ) وهي المكتوبة في ولاية ( بنسليفنا ) الأمريكية بتاريخ الخامس من أيلول من العام ( 2005 ) يستحضر نعيم شريف في هذا العام تحديدا عام كتابة القصة ، صور معسكرات التدريب في الجيش العراقي السابق ، رغم مرور سنتين على سقوط النظام وإلغاء قانون التجنيد الإلزامي ، ورغم أن الكاتب قد هجر الشرق كُليا ، إلا أن صورة العذابات العراقية كانت مخبأة في حقائبه وتدور معه حيثما حل ، لتحمل هذه القصة ، السيرة الكاملة للجنود العراقيين المغلوب على أمرهم الذين عاشوا الذل والمهانة تحت سطوة ضباط نصبهم النظام المباد على رقاب الناس ، في محاولة لتشويه الجيش العراقي ، وأيضا لنيل من كرامة الانسان ، وهكذا وصف النص حالهم " يطرق العُرفاء  بعنف على الأبواب الحديدية لقاعات نوم الجنود ، صائحين بصوت مرتفع :انهض ، انهض . فيقفز الجنود من مهاجعهم   ،يرتدون ثيابهم العسكرية  ، ويخرجون لكي يقفوا في طوابير ثلاثية الخطوط ، ثم يُصدر لهم الأمر بالمسير ،يشرعون في المسير العسكري ، كانوا ينظرون الى السماء نجومها ما تزال تومض في البعيد ،  و الكلاب السائبة تجوب المعسكر  ، أمرهم العرفاء بالهرولة وترديد اناشيد الحرب ، كانت أصواتهم تخرجُ واهنة وهي تردد اناشيد الحرب ، فيصرخ بهم العرفاء طالبين منهم ترديد الاناشيد بصوت مرتفع ، تختلط أصواتهم الصادحة بالأناشيد بأصوات نُباح الكلاب  التي تستجيب لمصدر الصراخ ،فيعلوا نباحها  كلما علا نداءُ الحرب في أصوات الجنود " ( ص 12) .
يدون هذا النص ، صورة متكاملة عن شكل السلطة العراقية وكيفية تعاملها مع البشر، وتحويلهم إلى أدوات حرب ، أو كلاب حرب ، فاختلاط الأصوات مع أصوات الكلاب ، يمثل الصورة الحقيقة لوجهة نظر السلطة لمواطني البلد ، وأن لا نداء في أفواه الحكام سوى نداء الحرب ، والذي بدوره انتقل إلى ممثلي السلطة المتمثل بالعرفاء الذين يطبقون الأوامر فقط .
ومن ثم ينتقل النص إلى مستوى أخر من التدوين التاريخي ، الذي يعكس القهر الذي كان يعانيه الجندي العراقي في الجيش ، إذ يصف النص صورة المعسكر بدقة عالية ، وكيفية نقل الجنود في السيارات ، ومن ثم  يصرح عن وجود كلبة ، تعيش في أطراف المعسكر ، أطلق عليها الجنود اسم ( برجو ) بجرائها تلوذ بين قاعات المعسكر وتحاول اطعامهم بطرق شتى ، ومن ثم تأتي الأوامر في تلقي التدريب على حمل السلاح واطلاق النيران ، وتحديد الأهداف المتحركة ، وكانت هذه الأهداف هي الكلاب السائبة : " وّزعت بنادق الكلاشنكوف المحشوة بالرصاص الحي ، على الجنود الذين تطوّعوا لقتل الكلاب السائبة " .
"محمد مزعل"  وهو أحد الشخصيات الجنود ، كان قد أصيب بحال مزر مع إصدار الأوامر التي تفيد بقتل الكلاب ، لكن هذا الأمر كان قد نفذه  زميله  " حازم عباس " الذي أصاب هدفه " كان الجندي حازم عباس يصوب البندقية نحو الكلبة ، واضعاً خدّه الأيمن على البندقية ، مغمضاً عينه اليسرى ، وضاغطاً على الزناد ، كان دويها قوياً حين تردد في أرجاء القاعة ، كانت الرصاصة قد ذهبت مباشرة الى رأس الكلبة "برجو" ، وعندما سقط جسدها الميت على العشب ، تراكض جراؤها مثل كرات من فرو تدب على العشب ، صاروا يتشممونها ويصعدون على بطنها ثم يرضعونها ، كانوا باجسادهم المكتنزة المتراصة ترضع من الجسد الميت ،مثل محاولة جماعية أخيرة لإعادة الأم من موتها وكان هو ممسكاً بالأسياخ الحديدية لنافذة القاعة ، بينما كان جسده يرتعد بقوة ، ويشهق بصوت بدا مسموعاً ،مع كل رصاصة من الرصاصات الست التي أصابت الجراء الستّة " ص ( 15) .
هكذا يتحول النص إلى وثيقة متكاملة تمثل تاريخ بشاعة النظام ، الذي طوق الحياة بأسياخ الحديد ، وصار الانسان في الحياة محشورا خلفها ، ومن ثم يوحي النص ، بأن فكر النظام الحربي ، لا يعرف سوى القتل ، ومن ثم يريد تصير فكرة القتل إلى الأفراد ، ويطبقوها مرغمين ، ومن ثم يصير الجميع قتلة ، قتلة معنيون وقتلة حقيقيون ، وهكذا كان شكل السلطة ، كما كشف عنها النص  ، سلطة لم يسلم منها الحرث والنسل ، إذ أعتبر النظام كل شيء متحرك هو هدف ، وهكذا كل فكرة متحركة متحررة هي هدف له ، كل رأس يحاول ان ينقد النظام هو بالتالي هدف له وضحية في الآن نفسه .
تَعددُ صور التاريخ في نصوص هذا العمل وتتجسد في قوالب مختلفة ، فنجد أنه تحدث عن  الوظائف والمهن ، والمرأة وأحلامها ، وثمة قصص ثانوية داخل القصص الكلية ، تكشف عن أنساق الحب ، والفقر ، والحرمان ، والموت بكافة أشكاله .
في قصة " تسريحة لشعر الولد " ( ص 92) نجد أن شخصية الحلاق الذي مشط شعر ولده على مصطبة المغيسل وهو ميت نتيجة رصاصة طائشة قد استقرت في جبينه وأردته قتيلا ، تمثل صورة القتل المجاني المستمر في العراق وتاريخه أيضا ، فالسلاح المنفلت والذي انتشر في منظومة المجتمع العراقي – الجديد ما بعد 2003 – كما تصوره وسائل الإعلام ، ليس بجديد ، فهو تاريخيا موجود ، وهي من مورثات نظام ما قبل 2003 ، إذ كانت المقرات الحزبية ، ومقرات الأجهزة القمعية المنتشرة في أرجاء البلاد ، كلها عبارة عن مشاجب للسلاح ، فمنظر السلاح عاديا ، وفي لحظة غياب السلطة ، تحول إلى السلاح إلى ملكية عامة ، ومن ثم دخل إلى البيوت ، لتستقر إحدى تلك الرصاصات في رأس ولد الحلاق ، والذي يمرز بدوره إلى مئات القتلى من الذين ماتوا بسبب الرصاص الطائش ، تمثل هذه القصة عينة مثقلة بتاريخ الأسى الذي لحق بالإنسان العراقي .  
ومن ثم صورة الاستاذة الجامعية المتخصصة بالقانون في قصة " مثل خيط السمج روحي " ( ص 94 )  والتي تعاني من آلام عضوية وتترك الجامعة لتعود لبيتها تقول لأمها بأن " روحي يا أمي ، روحي توجعني " في إشارة إلى تعطل القوانين في البلاد ، وأن النصوص القانونية تعمل على فئة ، لكن روح القوانين تسمح للفساد والسارق في أن يكون حرا طليقا ، ليعكس هذا النص صورة الحياة اليومية التي نعيشها ، إلا أنه في المستقبل سيكون وثيقة تاريخية ، تمثل زمنها .
ومن صورة المحامية ينقلنا إلى صورة الطبيبة البيطرية التي تعالج الحيوانات والتي تفاجأت بسقوط قطرة حارة على كتفها من الشخص الذي راجعها من أجل علاج كلبه الذي مات بيديها ، تأخذ هذه القصة ، صورة من عينة مجهرية من تاريخ المجتمع العراقي ، في تصوير شخصية الانسان المحب للحيوانات ، وهذه صورة ترفية بامتياز ، وتشير إلى طبقة ما من طبقات المجتمع التي تهتم بتربية الحيوانات الألفية غير الداجنة ، ومن ثم يحاول تشكيل علاقة نسقية بين البطل وكلبه عبر مفهوم الوفاء .  
ومن الصور المجتمعية  التي تحمل المفارقة الغريبة هي قصة " دموع فاضل أبو شيبة "( ص 90) فاضل رئيس الحرس في سجن أبو غريب الشهير ، إذ كان يقف خلف الضابط الذي تلقى بصقة من السجين غالب العذاري صديق فاضل ، والذي تلقى الأوامر في تعذيب صديقه ، بل كان هو الأشد من بين الضاربين ، حتى تم إداخل غالب إلى المحجر مدمى ، لكن المفاجأة حدثت عند دخول فاضل عليهم وهو يلقي بنفسه أمام أقدام غالب العذاري ، باكيا ويطلب السماح منه لأنه مأمور بذلك لتنهي القصة بــ " وكانت الأصابع المدماة تداعب الشيب الكثيف للصديق المنكسر " .. وهذا ما يعكس أيضا إحدى الصور التاريخية للعناصر السجون الذين يضمرون انسانية مخبأة ، لكن موانع الأوامر تحيل دون ظهور الانسان في داخلهم ، لكن ثمة لحظات زمنية فارقة تسهم في تحويل الجلاد إلى ضحية .
وهكذا في بقية نصوص المجموعة التي نجدها قد تمكنت وعبر اللغة الأدبية وضمن إطار السرد بأن تكون وعاءً كبيرا يضمر الإحالات العديدة التي تحيل على أنساق تاريخية ومعاني وثقافات معينة ، تستبطن هزيمة الإنسان ، فتكون اللغة هي المتراس الوحيد ، والدرع الحصين الذي ينشده الكاتب ، لتأطير مجمل الصور التاريخية المجتمعية التي تعكس مرارة الواقع وسحق الانسان ، وتحقق النصوص بذلك التدوين المجتمعي غير المؤدلج سياسيا ، لأن الحالة التاريخية فيه أتت ناقلة لحال الناس – الشخصيات المختلقة- في النص ، لكنها بالتالي ليست تاريخية ، بل نصوص تنتمي إلى الأدب بشكل كامل أخذت من التاريخ مادتها  ، لتمثل  صورا عن الحقيقة وليس الحقيقة كلها ، لأن مهمة النصوص هنا التلميح وليس التصريح .
إن مثل هكذا النصوص التي تجري مقاربة مع تاريخ المجتمعات  تبقى بحاجة وعلى حد تعبير ميجان الرويلي وسعد البازعي  إلى " الإتكاء على القراءة الفاحصة التي تستعيد القيم الثقافية التي امتصها النص ، لأن هذا النص ، على عكس النصوص الأخرى ، قادر على أن يتضمن بداخله السياق الذي تم انتاجه من خلاله ، وسيمكن نتيجة لهذا تكوين صورة للثقافة بوصفها تشكيل معقد " .
-4-
كلمة أخيرة
تجدر الإشارة إلى عمل " صورة أخرى لجمشيد " كتبت بلغة شعرية وشاعرية انطوت على أساليب بلاغية جمالية ، ترتفع بالنصوص إلى مستويات معنوية بالغة الدقة ، بأداء جمالي محكم ، فضلا عن الترسيمات الدقيقة للأمكنة وعناصرها التي تحيل إلى ذاكرة  شعبية مجتمعية متكاملة ، تمثلت بالأزياء والمباني ، والغرف ، والعيادات وغيرها التي تفاعلت معها شخصيات القصص بدقة عالية وكانت ناطقة بإِشارات علامية ، رغم أنها جمادات ، ومصداق ذلك ، هي العتبة النصية للقصة الأولى من قصص الكتاب " تدريب " التي استعارها  الكاتب ووضعها مفتاحا للقصة : " كل شيء تمنحه اسما يتحول إلى كائن حي ، حتى الجماد " .

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي