loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

الزهد منهجا تواصليا شعريا

breakLine
416 2021-01-24

الزهد منهجا تواصليا شعريا

 

 د. رحمن غركان / كاتب عراقي 

 

الزهد نهج تواصل عجيب ، يقوم على نزع الطمع ،بما في أيدي الأشياء ، والغنى بالصبر ، عن هيمنة المغريات ، والناس مجبولة على التواصل مع الزاهد عما تطمع هي فيه ، فضلا عما في أيديها ،وحين يتقمص الشاعر دور الزاهد ، متمثلا إياه شعرا مباشرا لافتا ، يصبح إثر ذلك ، مادة للقراءة ، ومن هنا سأقرأ هذه ( الزهدية التراثية ) للشاعر العباسي الشهير ( أبي العتاهية )
أولا : نص
إِلَهـي لا تُعَذِّبــــــني فَإِنّــي         مُـــقِرٌّ بِالَّــذي قَد كــــــــانَ مِنّي  
وَما لي حيلَةٌ    الا رَجائـي         وَعَفوُكَ إِن عَفَوتَ وَحُسنُ ظَنّي  
فَكَم مِن زِلَّةٍ لي في البَرايا         وَأَنـــــتَ عَلَــيَّ ذو فَضــلٍ وَمَنِّ  
إِذا فَكَّرتُ في نَدَمي عَلَيها       عَضَــــضتُ أَنامِلي وَقَرَعتُ سِنّي  
يَظُنُّ الناسُ بي خَيراً وَإِنّي       لَشَــــــــرُّ الناسِ إِن لَم تَعفُ عَنّي  
أُجَنُّ بِزَهرَةِ الدُنيا جُنوناً          وَأُفنــي  العُمـــــرَ فيها بِالتــَمَنّي  
وَبَينَ يَدَيَّ مُحتَبَسٌ طَويلٌ          كـــــَأَنّي  قَد  دُعيتُ  لَهُ  كَأَنـّي  
وَلَو أَنّي صَدَقتُ الزُهدَ فيها        قَلَبــــــتُ لِأَهـلِها ظَـهرَ المِــجَنِّ


ثانيا : قراءته

   يضمر الاختيار في الأداء الأسلوبي وظائف لعناصر ذلك الاختيار على مستوى جهتي الاداء أعني: اللفظ والمعنى بوصفهما عملية أداء واحد ذات جهتين تؤديان المعنى المقصود موصوفاً بنوعه التعبيري وقد صدرت زهدية أبي العتاهية النوعية هذه بأبياتها الثمانية عن ثنائية رئيسة فاعلة انتجت لغة خطابها وكيفيات أدائها هي ثنائية:
  (الخالق سبحانه / المخلوق المتضرع) وقد تضرّع المخلوق لخالقه في هذه الزهدية بصفتين هما أنه: يعفو وأنه يعذب. وقد جاءت وظيفة العفو أصلاً ثابتاً ونعمة من لدن الخالق سبحانه. أما وظيفة العذاب فقد صدرت عن أفعال المخلوق المتضرع، لذا هو يقرأها طارئة بوصفه طارئاً، ويلجأ إلى وظيفة العفو يوصفها نعمة أصلاً ليست من المخلوق، وقد جاءت أفعال المخلوق متعلقة بوظيفة (نعمة العفو) وهنا أضفى المخلوق المتضرع على نفسه صفات : الاقرار بالذنب وحسن الظن الخالق/ طلب الصفح: الرجاء وتوقع العفو/ كثرة الزلات وكثرة الفضل والمن/ الندم على الخطايا وجلد الذات حياءً من الخالق/ شر الناس وعفو غفور/ متعلق بأماني الدنيا وفائض بأماني الآخرة/ يوسع محتسبه / الدنيا وطامع بحرية الآخرة/ يدعي الزهد ومتوقع من خالقه قبول حتى الادعاء. وهنا جاءت نعمة العفو من لدن الخالق موصولة بوظيفتين في هذه الزهدية    الأولى تكشف عن تمرّد المخلوق والثانية عفو الخالق حيث:
- يقر بالذنب كونه مذنباً لأنه حسن الظن بخالقه.
- يطلب الصفح كونه مذنباً لأنه حسن الظن بعفو خالقه.
- يفصح عن كثرة زلاته لأنه يعيش كثرة نعم خالقه.
- يعيش وجع الندم على خطاياه لأنه يعيش حرية طلب العفو عن زلاته.
- يظن الناس به خيراً ويتمناه لأنه يرى الخير في عفو ربه ويرجوه.
- ينتمي لأمانيه في الدنيا لأنه آمل بأماني العفو في الآخر ة.
- يوسّع محتبسه الدنيوي لأنه مطل بالعفو على حرية الآخر ة.
- يدعي الزهد في دنيا مدعاة لأنه متوقع القبول في آخرة حقيقية.
    بما جاءت الابيات هنا صادرة عن ثنائية: العبد المذنب والمعبود الغفور: المعبود الرحيم سبحانه. وكأن الشاعر يوحي بفائض من أمل وليس فائض مجاز، بأن ما كان منه عبداً متمرداً أحياناً يصدر بنحو غير ملحوظ عن وظيفة العفو لدى المعبود سبحانه، لأن التمرد فيه تقابله حرية العفو من لدن معبوده، والمحبة الدنيوية في زهرة الناس برزخ أول للمحبة الأخروية في جنة الله.
   وعلى هذا النحو من بساطة الفهم جاءت بساطة الأداء غير أنه أداء من خطاب صادر عن الروح وليس مصنوعاً بعدها، وهو ما جعل المعنى طافحاً في ظاهر اللفظ غير أنه موصول بصفاء فطري يشي بصدق موضوعي، تبدو السهولة فيه صعبة علي الإنسان المصنوع سهلة على الروح المطبوعة الروح المنتمية لبساطة الرؤية وعمق الرؤيا.
   بدا العالم في النص عالم الخالق أما تجليات ذلك العالم فأنفاس المخلوق، لذا ليس من آخر غير الله سبحانه، وليس من مذنب هنا غير العبد المتكلم بضمير الـ(أنا) حتى اُستهل النص بنسبة الخالق للمخلوق حباً بالقول: (إلهي) موصياً بأنه إلهه أولاً وإله سائر الناس بعد ذلك طبعاً ثم (لا تعذبني) ليكرّس العبودية ثم (مني) مفصحاً عن الخضوع ثم يجيء ضمير المتكلم فاعلاً في كل بيت هنا: أربع مرات في البيت الاول: إلهي... لا تعذبني.... فإني.... كان مني. وثلاث مرات في البيت الثاني: مالي... عليّ. وست مرات في البيت الرابع:
إذا فكرت في ندمي عليها عضضت أناملي وقرعتُ سني وفي البيت  الخامس ثلاث مرات: بي... وإني.... عني. ومرتين في البيت السادس: أجن... جنوناً... أفني العمر. وثلاث في البيت السابع: بين يديّ... كأني... كأني. وثلاثاً أيضاً في البيت الثامن: ولو أني صدقت الزهد فيها قلبتُ لأهلها ظهر المجن. ثم أن القافية جاءت موصولة بضمير المتكلم في خمسة أبيات من ثمانية.
   لا ينفعل معجم النص بفائض المجاز، بل بفائض الوظائف، ذلك أن الالفاظ جاءت حتى في سياقاتها النصية حاملة إيحاءات دلالية غير بعيدة عن أفقها التداولي المألوف الشائع، بمعنى أن الخصوصية الأسلوبية للمتكلم/ المرسل. لم تتضح في فائض المجاز ونهر الانزياحات المعلومة الاصيلة إنما في الوظائف التي حملها اللفظ من جهة اتصاله بالمتكلم وهنا تجيء الضمائر الدالة على المتكلم بوصفه الجزء الثاني من الثنائية التي صدر عنها النص حاملة لوظائف أسلوبية تميز لغة النص هنا وهي:
- عبودية المتكلم لخالقه، ليس من جهة خلوصه من الذنوب منتمياً لحب الله بل من جهة أنه مثخن بالذنوب طالب العفو من خالقه، ولذا جاء التكرار حاملاً وظيفة التضرع في كل الابيات.
- يكشف التكراراللافت لاتصال القافية بضمير المتكلم عن قوة الانا في توجيه الخطاب وتحميله وظيفة التعبير عن التمرد الموصول بالحرية أعني تمرد العبد عصيانا في مقابل حرية المعبود مغفرة.
-التقفية بـ(صوت النون) المتصل بضمير المتكلم غالباً أو (النون المكسورة) في ثلاثة أبيات يحيل إلى جناس غير تام مع (أني) بما تبدو فيه صوتية القافية حاملة لوظيفة تعبيرية تكشف عن نزعة الـ(أنا) العالية من لدن الزاهد (أبي العتاهية) كشفاً لا يبدو فيه زاهداً بل متعلق (بزهرة الدنيا) تعلقاً يريد أن  يخسر بسببها (زهرة الآخر ة) بما يبدو فيه زهده مصنوعاً غير أن صفاء الطبع النظري الكامن في بساطة التعبير يؤدي وظيفة مقابلة هي جبلة الانسان على الخطيئة التي يعدها النص مقابلة لطبيعة العفو الالهي. حتى أن النص أفاض في التعبير عن عبودية المخلوق إيحاءً وتعبيرياً عن معبودية الخالق، غير أنها عبودية الماضي هنا استشرافاً، لمعبودية الغافر هناك.
- جاء أسناد فعل الخطاب للخالق سبحانه في جملتين فعليتين هما: (لا تعذبني...) في البيت الاول. و(عفوك أن عفوت...) في البيت الثاني. وجملة أسمية من البيت الثالث: (وأنت عليَّ ذو فضل ومن) والفعل المجزوم (إنْ لم تعفُ...) في البيت الخامس تكرار كما كان في البيت الثاني. أما سائرُ النص فقد غلب عليه ضمير المتكلم بفعل غلبة الـ(أنا): (أنا العبد) إيحاءً بفائض ذنوبها وهو يتوق لـ(فائض رحمه المعبود) حتى بدا العبد مشغولاً بنفسه اشتغالا جعله يسهب في تعداد أخطائه وما كان من نزعة تمرده، حتى جاء ضمير المخاطب غالباً في خمسة وعشرين مرة. بما كان التعبير فيه على هذا النحو معبراً عن وظيفة انشغال العبد بنفسه، وانشغاله بدنياه، وكأن الزهد مجاز أما الواقع (فالجنون بزهرة الدنيا) وهنا كما كانت الذات الشاعرة مثخنة بجراح التعلق بالدنيا فقد اُستغنت عن التعبير بفائض المجاز وتاقت لبساطة التعبير ومباشرته بالسهل على    الايضاح الممتنع على التصنع، لأن التصنع بالخيال ممكن ولكنه مع البساطة صعب جداً.
      على المستوى المعجمي تغلب الجملة الفعلية على الجملة  الاسمية بالشكل الذي تغلب فيه (أنا: العبد) بين يدي (عفو الخالق) اذ تحضر تلك (الأنا) في كل الجمل الفعلية وفي كل الجمل الاسمية الا اثنتين، وكما في الجدول الاتي:


ت
الجملة    الاسمية
وظيفتها
الجملة الفعلية
وظيفتها
1
يا إلهي....
توجه للخالق
لا تعذبني.....
تقصير عبد
2
إني مقرٌّ
أنا: العبد
ما قد كان مني...
= =
3
مالي حيلة    الا رجاني...
= = = =
عفوك إنْ عفوت....
= =
4
كم من زلة لي في البرايا...
= = = =
إذا فكرت في ندمي عليها...
= =
5
أنت علىَّ ذو فضل ومنِّ
توجه للخالق
عضضتُ أناملي....
= =
6
وبين يدي محتبس طويل
أنا: العبد
قرعتُ سني....
= =
7


يظن الناس بي خيراً...
= =
8


إن لم تعفُ عني
= =
9


أجن بزهرة الدنيا جنوناً
= =
10


أفني العمر فيها بالتمني
= =
11


كأني قد دعيت له... كأني...
= =
12


لو أني صدقت الزهد فيها
= =
13


قلبت لأهلها ظهر المجنِ
= =
     هيمنة ضمير المتكلم وقوة الـ(أنا) الباحثة عن الحضور والانجاز، بما كشف عن صورة عبد متعلق بعفو معبوده فرط جنونه بزهرة الدنيا، مع أنه بين يدي محتبس طويل مدعو له أو كأنه في الكناية عن موصوف هو (الموت) ثم غلبة الجملة الفعلية موصولة بوظيفة التعبير عن (حماقات عبد) يعجز عن الزهد بملذات الدنيا، بما جاءت كل الجمل الفعلية معبرة عن (دراما تقصير العبد) بين ضفتي نهر مغفرة المعبود. ثم حين نلحظ الجمل    الاسمية نقرأ غلبة (أنا: العبد) مأخوذةً بالتعبير عن وظيفة ( الاقرار بالذنب) أما الجملتان اللتان توجه بهما العبد للمعبود وكانتا بصياغة أسمية فهما جملتا: نداء وإخبار في: (إلهي.. أنت علىَّ ذو فضل ومنِّ...) وجاء النداء توجّه مقصرٍ و الاخبار إفصاح عن حقيقة أزلية، فكان النداء واقعاً، والاخبار حقيقة. وثنائية: الواقع= الحقيقة تضمر ثنائية المرحلي المؤقت في مقابل الدائم السرمدي. فتوجه العبد مرحلي مؤقت وعفو المعبود سرمديّ دائم.
    وكل ذلك يفصح عن أن القصيدة نص في الحكمة التعليمية وليست من شعر الزهد/ لأن الزهد يضمر الاستغناء عن الناقص الدنيوي طمعا في الدائم الآخروي، والنص هنا يفصح عن تعلق بالناقص الدنيوي وتوق بالرغم من ذلك التعلق إلى نيل الدائم الآخروي، عبر الابحار في نجاة التوبة من بحر المغفرة الالهي....
   الزهد اُستغناء واُنتماء لفائض رحمة الله السرمدي، لفظاً على مستوى الاداءومعنى زهديا على مستوى البث والتعبير. ولكن نص أبي العتاهية منتم لفائض الدنيا وأمانيها ومغرياتها من جهة القائل ومنتم للآخرالفاعل من جهة النص، وهو ما تفصح عنه (القرآنية الفاعلة) التي يصدرعنها نص أبي العتاهية. بما جاء النص منتمياً للدنيا وجودياً، وللنص الفاعل تعبيرياً في الابيات الثمانية على نحو لافت.
في المستوى الدلالي يصدر النص عن شكل من التناص مع آيّ من القرآن الكريم في كل أبياتها. فالبيت الاول الذي يقول:
إلهي لا تعذبني فإني

مقرَّ بالذي قد كان مني
   يصدر عن التناص مع قوله سبحانه: "ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً" النساء/11)
(في البيت الثاني يقول:
ومالي حيلة  الا رجاني

وعفوك إنْ عفوت وحسن ظني
   يرد عن التناص مع قوله تعالى: (الذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاُستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون" (آل عمران/ 135).
وفي البيت الثالث إذ يقول.
فكم من زلة لي في البرايا

وأنت عليَّ ذو فضلٍ ومنِّ

     يصدر عن معنى الامل الدينوي في قوله سبحانه: "ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" [النحل/61]. فالباري سبحانه يرزق عباده بغير حساب مع أنهم يعصونه تعالى بغير حساب...!!! "والله يرزق من يشاء بغير حساب" [البقرة/212]
وفي البيت الرابع إذا يقول:

يظن الناس بي خيراً وإني

لشرُّ الناس إن لم تعْفُ عني
    
يتناص مع معنى صدور مطلق الخير عن الله، في قوله سبحانه:
"ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا"[النساء/79]
وفي البيت السادس إذ قال:

أجن بزهرة الدنيا جنونا

وأفني العمر فيها بالتمني

    يتناص مع صفة التعلق بمغريات الدنيا صفة حب المال تلك التي جبل الإنسان عليها وقد وصفها الخالق في قوله سبحانه: "أعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما، وفي الآخر ة عذاب شديدة ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا    الا متاع الغرور" [الحديد/20] وقوله سبحانه: "وتأكلون التراث أكلاً لمّا وتحبون المال حباً جمّا" [الفجر/19-20]
وفي البيت السابع إذ قال:

وبين يدي محتبس طويل

كأني قد دعيتُ له كأني...
  
يتناص في الكناية عن موصوف هو الموت (محتبس طويل) وقربه (كأني قد دعيت له) ومعنى الموت يضمر معنى يوم القيامة وحين الحساب، ذلك المعنى المهيب في قول الله تعالى: "إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى" [طه/15] وفي قوله جلّ ثناؤه: "قل إن الموت الذي تفرون منه فأنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب فينبئكم بما كنتم تعملون" [الجمعة/8] حتى أن دلالة التكرار في (كأني) تقابل دلالة المجاز في الفعل (أتى) بمعنى سيأتي كأنه أتى من قوله تعالى: "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" [النحل/1]
وفي البيت الختامي إذ يقول:

ولو أني صدقت الزهد فيها

قلبتُ لأهلها ظهر المجنِ
    مع أنه يوظف في شطر الختام مثلاً عربياً شهيراً، الا أنه يتناص مع معنى إدعاء    الأمر بمعزل عن صدق التحقق على أرض الواقع، كما في قوله سبحانه: "إنْ زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين" [الجمعة/6]
    يصدر النص على المستوى الدلالي عن التناص مع النص الفاعل في البث    الإسلامي حتى جاءت (القرآنية) أعمق سمة دلالية فيها بما عزز وظيفة (الصدور عن    الآخر ) وهو يقابل الزهد ولا ينتمي إليه، وكأنّ الباعث على القول التجربة والمعاناة بما تعبران عن معنى الاستمتاع بالشيء والانتماء للذة الواقع وليس الزهد فيه. فجاء أسلوب أداء النص منتميا للآخر الفاعل لفظاً ومعنى، انتماء استمتاع وتواصل وليس زهداً واستغناء، فالنص على مستوى اللفظ منفعل باليومي المتداول مستغنٍ عن فاضل المجاز، وبناء النص بمعجم التداول الموضوعي وليس الخيال المجازي يشي بالانتماء للظاهر المتداول والواقع المباشر تمسكاً به وانشغالاً بأهوائه. أما على مستوى الدلالة فصادر عن فاعلية النص القرآني الكريم، صدوراً يعزز تبرير الرغبة وتسويقها وليس تعميق الزهد وإشاعته،إلا من باب أن الحكمة المترتبة على تجربة الواعظ هنا تدعو إلى الزهد بالزائل والتوق للخالد، غير أنه وعظ وإرشاد وهذا مضمر في شعر الزهد ولكنه من وظيفة شعر الحكمة ومن ثمة فزهدية أبي العتاهية نص في شعر الحكمة وليس قصيدة في شعر الزهد. لأن الوظائف التي يؤديها: المعجم والدلالة والايقاع ولا سيما في القافية منه والتركيب، تذهب في معظمها الغالب إلى؛ اللذة لا الزهد، والمتعة لا التعفف، و   الانشغال بفعل الدنيا لا التماهي مع الرؤيا الآخروية العليا. ولاسيما عند استشراف المضمر من بنيات النص.
    أما في المستوى التركيبي فإن تراكيب النص تؤدي وظيفة واحدة هي الإعتراف، إعتراف المخلوق بذنبه للخالق العظيم، لأنه لم يبتعد عن الزهد بما يجعله عاصياً أو مذنباً أو خاطئاً أو غير ذلك من معاني الغياب عن الزهد، حتى جاءت تلك الوظيفة تبحث في كل بيت عن معنى فهي؛ في البيت الاول تنأى بنفسها عن العذاب، بما يكون فيه الاقرار بالذنب مؤديا وظيفة رفع العذاب. وفي البيت الثاني يتضرع للعفو الإلهي، حيث يؤدي حسن الظن وظيفة العفو عند الحساب. وفي البيت الثالث يرى معنى رحمة الله سبحانه تؤدي وظيفة رئيسة هي أن العبد يفيض بالخطايا ورحمة الله تفيض عليه بالمنن والنعم السرمدية. وفي البيت الرابع يؤدي الندم على الخطايا وظيفة التكفير عنها، كما يُؤدي العفو ـ في البيت الخامس ـ التعبير عن معنى مطلق الخير الذي يضيء بالرحمة على العباد فيشملهم الغفران الإلهي. وفي البيت السادس يعبر عن طبع في العبد هو الإفتتان بزهرة الدنيا، بما يؤدي الإعتراف بالطبع وظيفة العفو من لدن خالق الطبع سبحانه. وفي البيت السابع الإعتراف بالموت والحساب حقيقتين واقعتين، فما قبلهما سهو لحظة وما بعدهما حق دائم. وفي الختام إعتراف بذنب إدعاء الزهد؛ إقرار مضمر بالذنب كما في أول النص.
    ومما سبق نخلص إلى أن أسلوبية الأداء الشعري تتصف ببساطة صادرة عن فطرة صادقة، جعلت الكلام يفصح عن المعنى من ظاهر اللفظ، بما كان ذلك الظاهر حاملاً وظائف تعبيرية عن سمات أسلوبية في النص، إنطلاقا من أن حركية: المبنى ـ المعنى هي ما ينتج تلك السمات؛ موصولة بجنس النص وشكله الادبي.

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي