loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

العلًامة السيد مصطفى جمال الدين ملامح في السيرة والتجربة الشعرية (الحلقة 10)

breakLine

العلًامة السيد مصطفى جمال الدين

ملامح في السيرة والتجربة الشعرية

الحلقة 10

الشعر النجفي والمناسبات

محمد مصطفى جمال الدين / العراق

 

أهم ما يؤخذ على الشعر النجفي غلبة شعر المناسبة عليه، والمناسبات في النجف هي السوق الرائجة لهذا الشعر، تبدأ من ذكر المولدالنبوي،ومواليدالأئمة ،ووفياتهم،
وتسنّم أحد مراجع الدين لمنصبه، أو قدومه من حج أو سفر، أو وفاته وقيام مرجع آخر، وأمثال ذلك من المناسبات الدينية العامة، وتنتهي بتلك المناسبات المدنية ، والخاصة، كوفاة شاعر، أو زعيم، وسقوط وزارة، أو قيام حزب، أو تأسيس جمعية أدبية، أو تهنئة صديق بزواجه أو مولوده، وغير ذلك. وأنا أعترف - من حيث المبدأ - بهذا الواقع، وأعترف أني شارکت بكثير من هذه المناسبات، بل ربما لم أكن أنشأ
وينشأ غيري - كما أشرت إلى ذلك سابقا - هذه النشأة الشعرية، لولا هذه المناسبات الكثيرة التي كنا نتابعها، ونتزود بنتاجات كبار الشعراء فيها، وكانت هي الهم اليومي الذي تحمله أقدامنا الغضة، وقلوبنا المتفتحة.
ولكن ما هو عيب المناسبة؟!
أعتقد أن العيب ليس في أن تكون للشعر مناسبة، وهل يتصور أن يقال شعر من دون مناسبة؟ - خاصة أو عامة - وإنما العيب في المناسبة نفسها، وفي استغلال الشاعر لها، أو توظيفها لأهدافه . لقد مر أدبنا العربي، في تاريخه الطويل، بأدوار مظلمة، كان الشاعر فيها (يتكسب) بشعره، وكان لكل حاکم، أو أمير، أو حاجب، أو متمول، شعراؤه المرتزقون، لا هم لهم إلا انتظار(المناسبة) السعيدة التي يقف فيها أمامه لتهنئته بسفر قدم منه، أو غزوة انتصر فيها، أو حج أدى فريضته ، أو مولود رزق به، أو امرأة بني بها، أو دار شيدها، أو غير ذلك مما يحرك به أريحيته، فيغدق عليه عطاءه، ونظرة عابرة لدواوين الشعراء العرب، حتى الرؤوس منهم - كما يسميهم مارون عبود - کالمتنبي، وأبي تمام، والبحتري، لا تجد أجود ما لديهم من شعر إلاّ و(المناسبة) هي المحرك الوحيد لجودته، ولا نستطيع أن نستثني منهم أحد إلا نفراً زهدوا في دنياهم - وهم قلة - أمثال أبي العلاء المعري، على أن له مدائح ومراثي لمن يجلهم، لم يكن هدفه منها التكسب والارتزاق، کمدحه للشريفين وأبيهما. ولم يكن هذا الواقع المؤلم وقفة على الشعر والشعراء، بل شمل كل حياتنا الثقافية - علمية وأدبية - فكانت المؤلفات الضخمة في مكتبتنا العربية، تكتب من أجل التقرب لهؤلاء السلاطين، وينتفع المؤلف الذي أفنى عمره في كتاب بفتات من عطايا هذا الوزير أو ذلك السلطان، وتجد أجود مصادرنا في (فقه اللغة) مثلا، أطلق عليه اسم لا يمت لموضوعه بصلة، بل لأن مؤلفه (أحمد بن فارس) اللغوي المعروف، كتبه للصاحب بن عباد وزير البويهيين، فصار الكتاب لا يعرف إلا باسم (الصاحبي)، وأجود ما نعرفه من شروح نهج البلاغة هو شرح ابن أبي الحديد الذي الا يستغني عنه أديب أو مؤرخ، کتبه مؤلفه في عشرين مجلدا ليتقرب به إلى الوزير ابن العلقمي، بل إن أحد فقهائنا العظام لم يجد عنوانا لكتابه في الفقه وأحكام الشريعة، إلا (العقد الطهماسبي) نسبة إلى الشاه (طهماسب) أحد ملوك الصفويين، وأمثال ذلك .
واستمرت هذه الحال قائمة ما دام المال محصوراً بيد الخليفة، أو السلطان، أو الحاشية، وما دام الشعراء والكتاب بحاجة للعيش والبقاء ، حتى إذا غيرت الثورة الفرنسية بعض مفاهيم هذا الواقع،وتحركت الشعوب تطالب بحقوقها المغتصبة - ومنها شعبنا العربي - تحلحلت الأمور بعض الشيء، فوجد الشاعر والمؤلف مورد رزقه بعيدا عن منّة الحاكم أو السلطان، فإذا رأينا شاعراً يستغل المناسبة ليمدح هؤلاء المتمولين أخذنا ذلك عليه، واعتبرناه تكسبا مذموما.
وقد أشرت إلى هذا التغير الذي طرأ على حياتنا الأدبية في قصيدة بغداد :

بغدادُ لم يعدْ الزمانُ كأمسهِ
فِكرَاً تباع وخاطرا يُستأجَرُ
وهزيلَ رأيٍ اسمنتهُ، على الطوى،
قيمٌ بما يضوی علیه مفکرُ
فمضت (كوافيرٌ) بريشة شاعرٍ
كانت تزوق خدها فتصعِّرُ
وتهرّأتْ لغةُ المفاخرِ فانطوى
(لقبٌ) وأوحشَ لابسيهِ مفخرُ
بالأمسِ كان بكِ الأديبُ، وثغرُهُ
أبداً يُسبِّحُ حاكماً ويُكبِّرُ
ويَعُدُّ «رؤيتَه التي فازوا بها
من أنٍعُمِ اللهِ التي لا تُكفَرُ »!!
واليوم عادَ وليس غيرَ يراعهِ
سیفٌ تُراعُ به الطغاةُ وتُذْعَرُ
وبما تهدَّمَ من بقايا روحهِ
يبني عزائمَ جیلهِ ويُعمِّرُ

وإذا عدنا إلى المناسبات اليوم وجدناها - في الأكثر - تختلف تماما عنف (المناسبات) الإرتزاقية التي كان يعيشها الشعر العربي في عصوره المختلفة، وفي (الديوان) قصائد قيلت في مناسبات، دینية أو غير دينية، ولكنها (وظفت)المناسبة للفكر الذي يحمله الشاعر، والموقف السياسي أو الاجتماعي الذي يلتزم به، تجد ذلك واضحا في قصائد قيلت في المولد النبوي، أو في الإمام علي أو الحسين، أو في بعض مراجع الدين، وكان هم الشاعر فيها نقد الأوضاع القائمة - سياسية أو دينية - وفيها من الجرأة في نقد المجتمع الديني، ومناهج دراسته، وبعض مراجع الدين فيه، ما لا يمكن أن يصدر من (رجل دين) لا يزال يعتز بأنه واحد من
هذا المجتمع.
وعلى سبيل المثال أذكر أن الإمام کاشف الغطاء، حضر مؤتمرا إسلامياً عقد في باكستان، يوم كانت باكستان والعراق عضوين في (حلف بغداد)، وقيل يومها إن هذا المؤتمر( الإسلامي) كان واحداً من نشاطات ذلك (الحلف) فأقيمت حفلات متعددة في مدرسته الدينية ترحيبا بقدومه استمرت أسبوعا، ولم يكن في نيتي أن أشارك بهذا الترحيب، وإن كنت أجل الإمام کاشف الغطاء، وأرحّب بمقدمه الكريم، ولكن ضغوطا كثيرة - بعضها بإشارة منه رحمه الله - فرضت على المشاركة، فما كان مني، في اليوم الرابع، إلا أن وجهت للمؤتمر كل ما قيل في نقده، ولم أكتف بذلك، بل وجه نقدي للإمام نفسه على مشاركته في
هذا المؤتمر، وكان مما قلته في ختامها :

أبا حليمٍ وهذي نفثةٌ طفحتْ
وددتُ قبل نثاها منك أعتذرُ
هذا الشبابُ وفي دنيا عواطفهِ
عقلٌ .. وفي السود من أوهامهِ فكرُ
حَدّثْ - أبا الكلم الزاهي - فقد ظمئتْ
قلوبُهم، واستعادتْ وهجَها الصورُ
أيام كان (لكم) في القدس مؤتمرٌ
رجعتَ منه وفي إبرادِكَ العِبَرُ
كانت مواعيدَ (عرقوبٍ) وأظرفها
إن كذَّبَ السمعَ - فيما قلتَه - البصرً
فهل تجدّدَ في (کشمیر) ما عَرَضْت
عليكَ من بؤسِها أترابُها الأُخَرُ
وهل وجدت لنهرو مالسابقهِ
بلفور (وعداً) عليه الصدقُ يزدهرُ
يا قاتلَ اللهُ خذلانَ الصفوفِ فكمْ
يجني التخاذلُ ما لم يَجنِهِ القدرُ
وكم تعثَّرَ في لحب الطريق (فتىً)
ما خانه الدربُ.. لكن خانه النظرُ !!

وأحدثت القصيدة ضجةً كبيرة في الأوساط الأدبية والسياسية يومئذ، وكان الإمام کاشف الغطاء بالإضافة إلى علمه وفقهه، شاعرا وأديبا بارعا، ونقَّاداً من أروع نقدة الشعر، فكان يقف إذا أعجبه إنشاد الشاعر، تكريما لشعره، ولكنه تجاهل قصيدتي - مع أنها كانت استجابة لإشارته -، وفي اليوم التالي تقدم شاعر لم يكن له ذلك المستوى الشعري، فإذا بالإمام يقف تكريما لشعره، وزاد أنه قال : هذا الشعر الذي يستحق القيام !!) فعرفت أن نقدي لسماحته قد أخذ من نفسه - رحمه الله - مأخذه ، وتجرّعتُ استهانته بي على مضض، وحمدت الله أن ردة فعله لم تصل إلى أبعد من ذلك. وأنا الآن أتوكأ على السابعة والستين من عمري، وقد عاصرتُ ملوكَ العراق، ورؤساءه، وحكامه، والمتنفذين فيه، فلم أمدح أحدا منهم، حتى مراجع الدين، ليس لأنه لا يوجد فيهم من يستحق المدح، بل لأني كنت أتجنب مزالق التهم، ولذلك وقفت تكريمي لمن احترم من هؤلاء الزعماء، ورجال الدين على الرثاء فقط، وستجدون في هذا الديوان قصائد الرثاء، ولكنكم لن تجدوا المدائح والتبريكات .
وأكثر جماعتنا في النجف يعرفون أن حياة رجال الدين قائمة على مرتبات يخصصها لهم المرجع الديني مما يرده من الحقوق الشرعية - وهذا الشي متعارف لا يجد فيه أحد بأسا - ولكني دخلت النجف في الحادية عشرة من عمري، وخرجت منها في الثالثة والخمسين، ولم أتسلم مرتبا من أحد مراجع الدين، ليس تكبرا، فقد كنت محتاجا، ولكني -باعتباري شاعرا - أخشى أن تكون لحواشي المرجعية دالة علي، أضطر لأداء ثمنها في إحدى هذه المناسبات). وبعد فليس هذا فخرا بسلوكي - ففي النجف مثلي كثيرون - ولكني أردت به الدفاع عن المناسبة التي تؤخذ على الشعر النجفي، وليس فيها من عيوب المناسبة غير الاسم.

ملاحظة :
ما ورد في الحلقة مستل من مقدمة ( الديوان ) للسيد مصطفى جمال الدين

وإلى لقاء في الحلقة 11 :

الدين والشعر .. والغزل

رابطة مصطفى جمال الدين الأدبيّة
(البصرة - 14/ 5 / 2020)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي