loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

النقدُ الثقافي بين تعريةِ السُّلطوي ومظلمةِ الجمالي،

breakLine
135 2020-09-14

النقدُ الثقافي بين تعريةِ السُّلطوي ومظلمةِ الجمالي،

مدخل إلى النقد الثقافي

جواد العقاد / شاعر فلسطيني

 

تمهيد:

بالتأمل في تاريخ النقدِ الأدبيِّ مرورًا بمراحله المختلفة وما فيها من مناهج نقدية، نجد أنه ركز على دراسة النصوص الأدبية من ذاتها لذاتها، حتى تلك المناهج التي تربط النص الأدبي بالسياقات التاريخية والاجتماعية والنفسية فهي تهدفُ - في نهاية المطاف- إلى فهم النص نفسه. ولا مجال للإسهاب بالحديث عن هذه المناهج.
النقد الأدبي لم يتجاوز دراسة النصوص كبناء لُغوي جمالي، ولم يكترث بدراسة البنية الثقافية في النصوص، ولا أثر تلقيها. وإن وجدت بعض الدراسات حول الظروف الثقافية أو التاريخية للنصوص الأدبية فهي عبارة عن دراسات في تاريخ الأدب لا علاقة لها بالنقد الثقافي الذي يدرس أيديولوجيا الأدب.
إذن، ببساطة. الدراسة الثقافية أو التاريخية تدرس الظاهرة الموجودة الواضحة أما النقد الثقافي يدرس ما وراءَ النصوص، يعودُ إلى الأنساق الثقافية والسياسية والدينية والاجتماعية التي أنتجت النصوص، أو بعبارة أُخرى إنه يتعمق في دراسة أفكار النصوص ومدى تأثيرها الفكري والثقافي على المتلقي. فحين نقول إنه يدرس أيديولوجيا الأدب نعنى الكشف عن جُملة الأفكار التي يتضمنها النص، وتسعى -بلا وعي من المؤلف- إلى إقناع المتلقي بها مستعينة بسطوة الجمال.


في مفهوم النقد الثقافي:

حاول المفكرون الغربيون الكشف عن ما وراء النصوص من أهداف هيمنة تغزو الوعي في سبيل تحقيق مصالح السلطة أو المؤسسات المتنفذة في المجتمع؛ لهذا رأوا ضرورة اهتمام النقد الأدبي بالكشف عن تلك الأهداف. وهذه الفكرة كانت الركيزة الأُولى التي بُني عليها مشروع النقد الثقافي فيما بعد. وقد تحددت ملامح النقد الثقافي كاملة على يد الناقد الأمريكي فنسنت ليتش، "وتستند منهجية ليتش إلى التعامل مع النصوص والخطابات ليس من الوجهة الجمالية ذات البعد المؤسساتي، بل تتعامل معها من خلال رؤية ثقافية تستكشف ما هو غير مؤسساتي وما هو غير جمالي"(١). فالنقد الثقافي لا ينخدع بالسطوة الجمالية للنصوص بل يذهبُ عميقًا للبحثِ عن ما يُريد النص غرسه في وعي المتلقي، ويكشف استغلال الأدب لصالح الأيديولوجيا. كما أن" النقد الثقافي نشاط وليس مجالًا معرفيًا خالصًا بذاته.. وبمقدور النقد الثقافي أن يشمل نظرية النقد والأدب والجمال"(٢). يتبين لنا أن النقد الثقافي عند الغرب يبحث عن الكامن الثقافي في النص، وفي نفس الوقت يستوعب الجمالي، ويُدرك أهمية القيم الجمالية في النص.
أما النقد الثقافي بحسب الفهم العربي فيُعنى بالبحث عن الأنساق المضمرة في النصوص، تلك التي تحمل أيديولوجيات تهدف إلى فرض نفسها على الوعي متوسلًا بالأدوات البلاغية الجمالية. النقد الثقافي همه" كشف المخبوء تحت أقنعة الجمالي البلاغي"(٣). ويُعتبر النقد الثقافي ممارسة نقدية ترمي إلى أهداف خاصة، يقول الدكتور صلاح قنصوة " وهو ليس منهجًا من مناهج، كما أنه ليس فرعًا أو مجالًا متخصصًا بين فروع المعرفة ومجالاتها"(٤).
لا نعرف على أي أساس يعتبر الدكتور قنصوة النقد الثقافي ليس منهجًا وأنه مجرد ممارسة نقدية، في حين أن النقد الثقافي يحمل كل المؤهلات التي تجعله منهجًا، فهو يُمارس سلطته النقدية بمجموعة من الأدوات بشكل منظم ودقيق، أي يتبع جُملة من الإجراءات. ومن ثم يمكننا الاختلاف حول نتائجه وطرق الكشف عنها، ولا نختلف على كونه منهجًا أم لا.
مما تقدم نعرف أن النقد الثقافي -عند العرب- هو تيار نقدي متكامل له أدوات وإجراءات خاصة يمارسها على النصوص الأدبية بغية الكشف عن الأنساق الثقافية والأيديولوجية المضمرة بعد تشريح النص بالعودة إلى المؤلف وبيئة النص، مع إهمال الجانب الجمالي تمامًا، لاسيما بحسب رُؤية الدكتور الغذامي.
علاقة النقد الثقافي بالنقد الأدبي:

لا يمكن بالمطلق تقبل مشروع النقد الثقافي بحسب رؤية الدكتور الغذامي؛ لأن رؤيته متطرفة في التعامل مع النصوص الأدبية؛ فهو يستبعد الجمال، أو بالأحرى يهمل دراسة الجمالي في النص. وهذا واضح من دعوته إلى موت النقد الأدبي وشيخوخة البلاغة العربية. ونحن لا نسلم بدعوته هذه وفي ذات الوقت لا بد من دراسة البنية الثقافية في النصوص الأدبية.
النقدين الثقافي والأدبي متوائمان؛ بحيثُ يكمل كل منهما الآخر، على أساس أن الأول يُركز على البحث في البنية الخفية للنصوص بينما يركز الثاني على دراسة الشكل وما يخلقه من أساليب تعبيرية.
إن مهمة النقد الأدبي لا تقتصر على شرح الجمالي فحسب وإنما يهتم أيضًا بدراسة تأثره بنصوص أُخرى" فلا يوجد نص يحقق حضورًا قويُا وفعالًا أو مؤثرًا بدون امتداد في عدد من النصوص الماضية والمعاصرة"(٥).
فالنقد الأدبي بذلك يساعد النقد الثقافي بشكل مباشر في تحقيق أهدافه. والثاني ضروري؛ "لأن الأدب لا يمكن أن يُبتر عن التاريخ والمجتمع. إن الاستقلال المزعوم للأعمال الأدبية يقتضي نوعًا من الفصل، يفترض فيما أرى محدودية مضجرة تأبى الأعمال الأدبية نفسها أن تقوم بفرضها"(٦). بمعنى أن ربط الأعمال الأدبية بسياقاتها الثقافية أمر في غاية الأهمية للأدب نفسه، ودراسة الأدب من منظور النقد الثقافي يعمل على التوجيه المستمر للأعمال الأدبية من ناحية المحتوى. وبالتالي يُصبح النص الأدبي متعاليًا بقيمته الجمالية التي يقومها النقد الأدبي، والثقافية الخاضعة لمشرحة النقد الثقافي.

ختامًا: النقد الثقافي مشروع ذو أهميةٍ في فضح أنساق النصوص الأدبية التي تحملُ أفكار هيمنةٍ تتساوقُ مع أهدافٍ سلطوية، وتُسهم في تشكيل الوعي الجمعي- على المدى البعيد- متسللة إليه بالقناع الجمالي. والنقد الثقافي عند الغرب هدف إلى الكشف عن الكامن في النصوص الأدبية مع إجلال الشكل الجمالي، وحين نقله الناقد السعودي الدكتور عبد الله الغذامي طرحه بطريقة متطرفة، فيها ازدراء للنقد الأدبي الذي يُحافظ على جمالية النصوص في سبيل رفعة قيمتها الأدبية، فنراه يطرح النقد الثقافي بديلًا منهجيًا عن الأدبي، ضاربًا بعرض الحائط وجوب التوأمة بين النقدين في سبيل تحقيق المنشود من الأدب جماليًّا وثقافيًّا، فكل منهما يدرسه بأدواته وخطواته العلمية التي لا يمتلكها الآخر.

 


________
الهوامش:

١. مقالة النقد الثقافي بين المطرقة والسندان، جميل حمداوي( دكتور)، موقع ديوان العرب.
٢.النقد الثقافي تمهيد مبدئي للمفاهيم الرئيسية، أرثر أيزابرجر، ترجمة وفاء إبراهيم ورمضان بسطامي، ٢٠٠٤، ص٣٠.
٣.النقد الثقافي قراءة في الأنساق العربية، دكتور الغذامي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ٢٠٠٥، الطبعة الثالثة، ص٨٤.
٤. صلاح قنصوة، تمارين في النقد الثقافي، دار ميريت، القاهرة، ٢٠٠٧، ط١، ص٥.
٥. النظرية والنقد الثقافي، محسن الموسوي (دكتور)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص١٤.
٦. الثقافة والامبرالية، إدوارد سعيد، ص٨٥.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي