loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

بيت الشغف بدون مجاملات

breakLine
147 2020-08-01

بيت الشغف بدون مجاملات

عصام عبود / شاعر و كاتب سوري

في محاولةٍ لاستعادة رائعة الكاتب الأمريكي يوجين أونيل" رغبةٌ تحت شجرة الدردار " قام المخرج هشام كفارنة مع فرقة المسرح القومي بدمشق بعرضٍ مسرحي تحت عنوان " بيت الشغف " والذي تناول فكرة النص الأصلي الذي كتبه يوجين أونيل عام 1924 عن طبيعة الأسرة الأمريكية وما تعانيه من تفككٍ وتهالكٍ واضحين بالإضافة إلى توصيف النظام الإقطاعي الأمريكي آنذاك
تدور أحداث المسرحية الأصلية حول السيد " أفرايم كابوت " وهو رجل عجوز يخاف من الموت لئلا تذهب ثروته ومزارعه وأبقاره ميراثاً لولديه المتمثلين ب " بيتر " و " سيمون " فهو الذي عمل في مقاطعة " نيو إنجلندا " طوال عمره وآثر العمل على الذهاب بحثاً عن " كنوز سليمان " في كاليفورنيا المعروفة " بأرض الميعاد " بالنسبة للأمريكيين آنذاك , وقد تزوج العجوز من " آبي " المرأة الشابة والتي تصغره بالعمر ولكنها تقع في غرام ابن زوجته المتوفاة " آبين " فيتورطا في العشق معاً وتقوم الزوجة الشابة بإقناع الشاب في إقامة علاقة سفاح معها والإنجاب منه , ولكن سرعان ما يكتشف الأب تلك الخيانة ويفتضح أمرهما بعدما ينجح الأب بتمكين الهواجس في نفس الشاب , وهذا ما يدفع الشاب لمصارحة زوجة الأب بأنها لم تكن تحبه بل كانت تستخدمه وسيلةً لإنجاب طفلٍ ينافسه على الميراث ومنازعته حقه في حصة والدته من الرزق , ولكن زوجة الأب تكون قد وقعت في غرامه فعلاً ولم يعد يهمّها ميراث زوجها العجوز , ولتثبت غرامها له تقوم بقتل طفلها الرضيع فتلك الشهوة الجسدية التي بدأت بغية الميراث قد تحولت إلى حبٍ عاصفٍ أدى إلى اعتراف "آبي" بخيانتها لزوجها العجوز الذي انتحر في نهاية العرض بعد أن علم بالخيانة التي تعرض لها على يد زوجته وابنه .
محاولات فاشلة
بأحداثٍ مماثلة أراد الكاتب والمخرج هشام كفارنة إعادة نص أونيل إلى الأذهان واستحضار النص الأصلي من خلال اقتباسه لفكرة النص والنول على منواله بنصٍ يوازيه ويتلاءم مع بنية المجتمع السوري تحت عنوان " بيت الشغف " , وقد قام بتأدية الأدوار فرقة المسرح القومي ( يوسف مقبل " العجوز " – أمانة والي " طيف الأم المتوفاة " – صفاء رقماني " الشابة العاشقة " – مجدي مقبل " الابن الشاب " ) ولكن العرض المسرحي لم يكن على قدر نص " أونيل " ولم يتفوق عليه برؤيةٍ جديدةٍ ولا بطرحٍ مختلف , بالإضافة إلى ركاكة اللغة العربية التي كبت بها العرض وركاكة الفكرة من حيث اكتمالها وأسلوب طرحها لفكرة الإقطاع والتعامل معها بلينٍ ولطفٍ شديدين, ونجدُ ذلك في شخصية العجوز الإقطاعي وإظهاره بمظهر الإقطاعي البريء من خلال الخطاب الذي ألقاه في بداية العرض وقد كان هادفاً لاستمالة العواطف نحوه وتبرير جميع أفعاله من حقد وأنانية , فلم يقدّم " بيت الشغف " أية حلولٍ من شأنها التخفيف من وطأة بعض السمات الإنسانية مثل الأنانية أو الخيانة , فإن كانت رائعة يوجين أونيل تحمل هذه الفكرة الأساسية إلا أنها حين كتبت عام 1924 وعرضت كفيلم سينمائي عام 1958 كانت تهدف إلى نبذ فكرة الإقطاع وما يولده الطمع من رذائل في المجتمعات الإنسانية , في حين أن بيت الشغف لم يتعرض للفكرة الأساسية بقدر ما جاء يحمل انعكاساً لصورةِ مجتمع أمريكي متهالكٍ في القرن الماضي وهنا سنجدُ فرقاً كبيراً بين ما حاول تقديمه الأستاذ كفارنة وبين ما هو الحال في المجتمع السوري, فبالرغم من أن العمل يتحدث عن سمةٍ عامةٍ لجميع المجتمعات الإنسانية , إلا أنه كان المفترض أن يقوم العمل على إسقاطٍ واقعي يتناسب مع عرضٍ مسرحيٍ سوري , ويتناسب مع تغيرات المجتمعات منذ القرن الماضي إلى الآن فليس من المنطق ألا يتفاعل العرض المسرحي مع التغييرات التي رافقت البشرية خلال مئة عام , في حين أن كلَّ شيء يتغيّر الآن حتى (الحب , والخيانة , والأنانية ) لم تعد تأخذ ذات المفاهيم أو ذات الأشكال الكلاسيكية القديمة ولم تعد تُرى من منظورٍ واحدٍ ثابتٍ بين الخطأ والصواب , لذلك وعلى الرغم من المحاولة التي قام بها المخرج والكاتب كفارنة , إلا أنه لم يستطع تجاوز الكلاسيكيات ولم يتفوق " بيت الشغف " بأي طرحٍ جديد لظاهرةٍ قديمة جداً , بل ما قام بفعله هو تثبيت النظرة التقليدية لمفاهيمٍ متغيرة دائما.
للعنصرية وجهٌ آخر
هذا وأن " بيت الشغف " قد تناول من خلال مشهدٍ بين ( يوسف مقبل " العجوز " – ومجدي المقبل " الشاب " ) قضية الأمريكي الأفريقي " جورج فلويد " التي قتل خنقاً على يد الشرطة الأمريكية , بطريقةِ السخرية والاستهزاء من مقتل الأمريكي, حيث قام " العجوز " في إحدى المشاهد بوضع عكازه وركبته على رقبة " الشاب " فيستنجد الأخير : لا أستطيع التنفس ... لا أستطيع التنفس , في حقيقة الأمر لم يكن هذا المشهد لازماً بالأصل لأنه جاء مفتعلاً في خضمّ أحداثٍ طبيعية وكان من الممكن توصيف المشهد بطريقة أخرى ولكن معد العمل كان متعمداً أن يظهر هذا المشهد بهذا الظرف المصطنع لإضحاك الجمهور من خلال هذا الابتذال والسخرية من قضية " فلويد " وهذا بحد ذاته عنصرية أخرى , ويبقى هنا سؤالاً للأستاذ كفارنة : هل يحق لأي أحد أن يسخَر المسرح والطاقات الإبداعية من أجل الابتذال والاستهزاء بآلام الآخرين ؟
أجواء وأدوار غير مقنعة
ولا بد لنا أن نتطرق إلى " السينوغراف " بما فيه من إضاءة مسرحية وموسيقى تخصّ العرض , وهنا يزداد " بيت الشغف " سوءاً بفضل الإضاءة التي استخدمت في العرض بطريقة خاطئة من حيث إسقاط الضوء على أماكن فارغة فوق خشبة المسرح من شأنها تشتيت انتباه المشاهدين من جهة , ومن جهة أخرى إخفاء ملامح وجوه الممثلين وطمس أشكالهم إلى درجةٍ تجرح العين بفجاجتها وتجعلها تخطئ بين صوت الممثل وشكل الممثلة أحياناً , بالإضافة إلى صوت الموسيقى المرتفع جداً والذي يطغى على أصوات الممثلين في أشدّ المشاهد حساسية ويخفي عيوبهم اللغوية في النطق وتشكيل الكلمات العربية وهذا لوحده كفيل بقتل أي عرضٍ مسرحي فيصبح المنصوب مرفوعاً عندهم والعكس صحيح, وعدا عن ذلك كله عادة ما يتم النظر لأداء الممثلين في أي عرضٍ مسرحي وهذا ما يزيد الطين بلة كما يقال , لأن الأداء لم يكن على مستوى رائعة أونيل لما يحمل من هوانٍ واضحٍ وعدم اكتراث في التعامل مع المسرح فمثلاً , دور " طيف الأم المتوفاة " والذي يقوم بتجسيده الممثلة " أمانة والي " , لم يكن هذا الدور كافياً لشرح معاناة الشاب وهواجسه كما أن الممثلة " والي " لم تؤدِ الدور بما لديها من إمكانيات عالية إضافة إلى برود الإحساس في تجسيد الشخصية ’ أما الممثلة " صفاء رقماني " والتي أخذت دور " العاشقة " أخذت تفتعل المعاناة دون أي إقناعٍ بذلك , فنرى مشهداً لها تحاول البكاء فلم يكن بكاءً بقدر ما كان انفعالات وصراخ غير مبرر فوق خشبة المسرح وللحظة سألت نفسي : ماذا تفعل الآن ؟ إلى أن انتهى المشهد وأدركت حينها أنها حاولت أن تقول للجمهور " تأثروا إنني أبكي " , ولكن كما لكل قاعدة شواذ فقد كانت شواذ هذه القاعدة في أداء الممثل " يوسف المقبل " والذي امتلك الدور بكل ما لديه من مهارات فنية عالية فقد استطاع تجسيد شخصية العجوز كما لم تجسد من قبل بالإضافة إلى النطق السليم والتفاعل من اللغة العربية بلغة الجسد الخاصة لممثل بارعٍ مثله , ولكن القاعدة الأساسية كانت تقول أن بيت الشغف جاء مخيباً للآمال خاصة أنه نال على تغطية صحافية وإذاعية أكبر من بيت الشغف نفسه .
لنكن منصفين
وعلى الرغم من خيبة الأمل التي حققها الكاتب والمخرج كفارنة إلا أنه في حقيقة الأمر حاول أن يصنع عرضاً بهياً وقادراً على نيل شغفاً حقيقياً للمسرح السوري , فلمجرد التفكير في إعادة مسرحية يوجين أونيل من خلال بيت الشغف بحد ذاته تفوقاً وقدرةً هائلة على التكييف مع الماضي وطرحه بحاضرٍ أفضل , وكما أن هنالك سلبيات هنالك إيجابيات أيضاً ومنها تخفيف حدة المشاهد الجنسية الموجودة في نص أونيل وإيصال الشبق الجنسي بطريقة رمزية جداً , دون أن يقع العرض كله في الفخ الذي وقع فيه الفيلم المأخوذ عن المسرحية عام 1958 , ولذلك يمكن القول أن المخرج كفارنة استطاع العبور مع طاقم العمل بحقل ألغام مليء بالفخاخ دون أن يصاب بيت الشغف بالأذى في مجتمع شرقي , كما أن العمل على عروض ومسرحيات سابقة من شأنها أن ترجع للمسرح العالمي بهجته في سوريا , وتجعل الجمهور يسعى نحو الثقافة المسرحية التي تكاد أن تموت في أذهان الناس .
وأخيراً إن المسرح السوري يعاني من اختناق وأن الأخطاء الموجودة في بيت الشغف أو في سواه من العروض المسرحية هي نتاج قلة الإمكانيات التي دائماً ما تواجه الأعمال المسرحية , بالإضافة إلى قلة انجذاب الجماهير إلى المسرح مقارنة بالأعمال التلفزيونية , ولكن هذا وحده غير كافياً لتبرير الأخطاء فوق خشبة المسارح السورية , ولا بد من العمل على مسرح حقيقي يخاطب الناس ويصف يومياتهم ومعاناتهم خاصةً بعد حربٍ أكلت من أعمارهم الكثير ,حينها من الممكن جداً أن يلجأ الجمهور إلى المسرح لطالما هو المعبر عن وأحلامهم وطموحاتهم ومآسيهم .

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي