loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

بين شعريتي الانتهاك والهذيان تنطلق كارمينا بورانا

breakLine
269 2021-01-31

بين شعريتي الانتهاك والهذيان تنطلق كارمينا بورانا

 

أسامة حداد/ شاعر و ناقد مصري

 

في ديوانه الثاني "كارمينا بورانا في إذاعة مترو القاهرة" يعمق إسلام نوار تجربته  والتي تحمل سمة واضحة في الجمع بين ثنائيات عديدة يصنع من خلالها المفارقة حيث الانتقال بين اللهجة المصرية الدارجة واللغة العربية والجمع بين شاعرية الانتهاك حيث خلخلة ما هو ثابت ومواجهة القيم الراسخة، وشاعرية الهذيان ويَبرز التناقض بين االواقع بامتهانه وقسوته حيث تلقى الألبان في البحر وتهدم البيوت وتأتي الصرخات من السجون والأحلام الباحثة عن عالم أفضل عبر المزج بين الموسيقى والثورة كعلامتين داخل النص.
وينطلق النص من خلال تقنيتي السرد الحكائي والمونولوج الداخلي والثنائية بين مستويين من اللغة  فالنظام البنائي للنص الذي جاء دون عناوين داخلية يعتمد على آليات واضحة من خلال البدء بمقطع مكتوب باللغة الدارجة يحمل قسوة الواقع وامتهان البشر وتسليعهم وينتقل إلى قصيدة النثر بخطاب جمالي يواجه المسوخ وشبكة التعقيدات التي تحاصر الذات الشاعرة، أحيانا بتوظيف كتلة سردية وتارة في البناء المعماري المعتاد للشعر الحر ويعتمد على المقاطع ما يمنح حرية غير محدودة في الكتابة، وهو بهذا يؤكد أن قصيدة النثر نص تقدمي  مفتوح قابل لتقديم اقتراحات لا نهائية في الكتابة، ويمتلك القدرة على توظيف مستويات متعددة للغة والكشف عن طاقاتها الكامنة. 
وإذا كانت الموجة الأخيرة في قصيدة النثر والتي بدأت مع جيل الألفية الجديدة والذي ينتمي الشاعر إلى فئته العمرية فهذا الجيل أكثر فردانية وأقل اهتماما بالعالم ويقدم تجارب شعرية تمثل فيها الذات المنعزلة مركزا للعالم وتعيش ازمتها داخل قوقعة، إن التاريخ لا يعني غير سيرته والجغرافيا لا تبارح ظله، ومن هنا فالنص الذي أمامنا يحمل خطابا شعريا مختلفا، إنه يطرح أسئلة عديدة بداية من عتبة النص التي تمثل صراعا بين ثقافتين بما يشكله ذلك من حالة ديالتيكية تمتد داخل النص، حيث الذات متعددة تعيش في صراعات متواصلة مع مسوخ العالم ومع أحلامها وتشكل الموسيقى علامة سيميائية داخل النص الذي يجمع بين شعرية الانتهاك وشعرية الهذيان حتى ولو كانت الذات مدركة للقلق الذهاني المسيطر عليها وهو ما يكشف عنه داخل النص
" الجحيم داخلي 
يخترع أي شيء 
كي أظل لا أكترث
هل جننت أم لا ؟" ص 54
" روحي التي تكرر ضياعها حتى بدت كوميدية أكثر من اللازم" ص 46
" الشارع وَلَدَ
انغرست قدمي في بطنه المفتوحة 
خطوت نحو عدم ولادتي 
قلتُ: أنا لن أولد" ص 20
هذا الموقف من العالم والذي يجمع بين شعرية الانتهاك وشعرية الهذيان في مواجهة واضحة لمسوخ العالم وقسوته وثقافة الاستهلاك وشراستها يمثل في جوهره محتوى النص حيث التناقضات الحادة بين عالمين يفجر كثافة رمزية ويكشف عن مساحات الصمت وفراغات النص من خلال صراع متجدد بين الواقع بقسوته والأحلام التي تمثلها الموسيقى والثورة ويتجلى ذلك في صراع الذات مع العالم إنها ليست ذات منسحقة ومنعزلة منكفئة على نفسها ومتقوقعة إنها ذات تقاوم هزائمها من خلال تمسكها بما هو جمالي حيث الموسيقى تمثل علامة مركزية داخل النص بداية من عتبته وهي جزء من جسده لا ينفصل عنه ويمثل العنوان كذلك مفتاحا للقراءة ويكشف عن مفارقة نصية ولفظية في آن والمفارقة ليست لعبة من ألعاب اللغة بقدر ما هي فلسفة ورؤية حيث الجمع بين متناقضين وهما ما يبدو جليا بين كارمينا بورانا الأغنية الشهيرة القادمة من القرون الوسطى التي تستند إلى نصوص كتبت معظمها اللاتينية مع مزيج من البافارية الجنوبية والعامية الفرنسية وإذاعة مترو القاهرة ومن العنوان إلى العتبة التالية حيث سطر من أغنية لفرقة روك تقول " للجدار جانبان ولا أحد حر" وتليها مقولة للمفكر الشهير " ميشيل فوكو" " أن الصور العيثية للحماقات العمياء هي المعرفة الكبيرة " 
وتمثل المقاطع المكتوبة باللهجة المصرية إشكالية في التلقي حيث مستوى اللغة ومفرداتها عبثية وإن كانت متداولة في لغة التواصل اليومي إلا أن قبولها داخل عمل فني يظل محل تساؤلات على الرغم من أن الخطاب يثير استفهامات عديدة حول المفهوم الأخلاقي للنص وهو سؤال يثيره الخطاب كبنية كلية فالنص في مجمله خطاب أخلاقي يكشف عورات المجتمع ومسوخه ويواجه سطوة ثقافة الاستهلاك واستبداد  العديد من السلطات بما تشكله من ضغوط بوحشيتها غير المحدودة ويتمسك بما هو جمالي وبالثورة كخيارين للخلاص، والطبع فهذا ليس تأويلا إذ التأويل ضد النص الذي يحمل كثافة رمزية ومستويات متعددة للتلقي ويشكل في جوهره خطابا صادما وصداميا في آن 
"كانت مايا أنجلو شاعرة وراقصة ومغنية، وكانت مومسا" ص 66
أو " يمكن للناقد البدين أيضا ألا يتهم أخلاقيا، بأن يعبر للضفة الأخرى من النيل ويفتح ساقيه، مبهور الأنفاس" ص 66
أو " سيعود غشاء البكارة كلما فُضّ، مساويا المارشات العسكرية بغناء الطبيعة بهتافات الثورة" ص 68
بل أن مؤسسة الأم تتم مواجهتهما أنه يقول  لا يقول أمي أو الأم بل السم الشائع " ماما" بما يحمله من حميمية وينتقل بلغة الشعر من التسامي -الذي يضع مسافة شاسعة بين النص والمجتمع-  إلى لغة التواصل اليومي وهو يخرج بالأم من القداسة التي تحيط بها ليصدم المتلقي إن "ماما" في النص ليست إيزيس ولا الأم العذراء بل تتحرك في سياقات مضادة ليتهك من خلال هذه الرؤية القيم المتوارثة والثابتة
" وستقوم القيامة – التي تهددونني بها – عليكم أنتم يا ماما" ص 78
" يا ماما أنا ولدت مرة واحدة 
وتافه
التصاقي بصدرك تافه" ص 19
ومن سمات الخطاب تعدد التقنيات السردية والمجاز البصري وهي من سمات قصيدة النثر حيث التحول من البلاغة الصوتية التي تعتمد على حاسة السمع إلى المجاز البصري بما يحملة من ديالتيكية  تثري النص خاصة مع تقنية السيناريو فالكثير من المقاطع داخل النص تبدو كمشهد سينيمائي 
" جرى أصدقائي للبحث عن مكان تخرج مه المظاهرة، عددنا العدة  توقفنا في منتصف الطريق "ص 44
" صوت تهشم زجاجة
على الإسفلت ليلا
في منتصف شارع رمسيس 
تقذفها مجذوبة بائسة 
في منتصف عشريناتها 
ترتدي حمالة صدر 
ماركة La vie e11 rose "ص 37
إن صوت تهشم الزجاجة يبدو كمؤثر صوتي في فيلم سينمائي وتفاصيل المجذوبة بما في ذلك حمالة صدرها يبدو وكأن عدسة الكاميرا ترصد الحدث الذي يبدو عاديا وهامشيا ومجانيا وكذلك من توقفوا في منتصف الطريق أثناء البحث عن مكان بما يمثله التوقف من حركة تبدو أكثر عنفا من الجري، ولم تكن هذه التقنية هدفا في ذاتها إذ تم توظيفها داخل النص جماليا ومعرفيا لتشكل خطابا داخل الخطاب الرئيسي بجانب الثورة والموسيقى.
وعلى الرغم مما سبق يظل التساؤل حول المفهوم الأخلاقي للنص مطروحا بمستويات متعددة كما يبدو بديهيا الاستفهام حول صدمة المتلقي والعلاقة الحدية بين مستويين من الللغة فالنص يثير تساؤلات عديدة قد نختلف على إجاباتها لإنها ببساطة بلا إجابات يقينية.

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي