loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

دراسة في تراث أقاصيص إدغار ألن بو

breakLine

 وقفات مبحثية مع قصة ( البئر و الرقاص ) نموذجا هموم المكانية بين معادلة القص و اللاتحديد الموقعي 

                                               

توطئة :

قد يعني تلاحم مجسات أداة الحلم في دائرة الوظيفة السردية القصصية ، بمثابة ذلك النزوع الحاسم و المباشر بين وصلات و طباع الأنا الكاتبة و مشروع أحلامها و كوابيسها المنضدة داخل هواجس من العلاقة الكتابية الخاصة ، بل أنها قد تتعاطى من جهة هامة مع هويتها الشخصانية عبر وسائل حلمها الخاص بطريقة تكسبها أبعادا فنية و جمالية نادرة ، وهناك من الكتاب من غدا يتعامل مع مؤثرات التقانة الحلمية و الإيهامية و الغرائبية و السوداوية ضمن وظيفة مركزة داخل حيثيات النص الأبداعي ، تعضيدا لها و حدود رؤيا حالات الذات عبر مركبات خاصة من اللاشعورية أو اللايقينية ، أو هي لربما مسلمات خيالية مرمزة في قوقعة حدود المكانية الضيقة و علاماتها الألهامية الغارقة في قعر محمولات المعنى المنعكس على قابلية و هيئة المؤول الذاتي الشخوصي لها في بنيات القص.

 

ـ صياغة الترسيمة الذاتية و أسرار المكانية النصية . 

تتكاثر في أبدالات و إحالات فضاء قصة ( البئر و الرقاص ) جملة خاصة من الفواصل و التداخلات الإيهامية المؤسسة في ذاتها ما بين ( تمفصلات مجاهيل المكان ) و مجال استشعارات و تصورات الذات المحشورة في زوايا إشكالية (اللاتحديد الموقعي ) و لهذه الأسباب وجدنا الشخصية العاملية في مذخرات الفعل الاستهلالي ، تعتمد في ذاتها على محددات أبعادية ـ استعادية ، من نسيج عوامل و عناصر الصوغ المتعدد في رؤية المحصول الذاكراتي حسب . و على هذا المستوى من النموذج الأفعالي في تشعبات النص ، تستعرض لنا مشخصات السارد المشارك ، من جهة ما كيفية  علاقة الشخصية النواتية إزاء موضعها داخل طيات من الظلمات المكانية و حالات من التساؤلات حول مسببات و دوافع زجه داخل هذه الزنزانة المعتمة : ( كنت محطما ، محطما حتى الموت من ذلك النزع الطويل ، وحين أفلتوني أخيرا و سمح لي بالجلوس ، شعرت أن حواسي جميعها تخذلني . كان حكم الموت ـ الحكم الرهيب بالموت ـ هو العبارة الأخيرة الواضحة التي ضربت أذني .. خيل ألي بعد ذلك ، أن أصوات قضاة التفتيش تغرق في طنين حلم غير محدد . / ص18 النص ) .

 

1ـ مستوى الوظيفة الاستعادية و شيفرة بلاغة العلاقة الموضوعية :

لقد لاحظنا في جملة مقتطفات عتبتة الوحدة الاستهلالية في النص ، بأن هناك مجموعة شواهد ملحة في الأثر المقابل من مستوى دلالة ( الزنزانة ـ الرقيب ـ الاستجواب ـ الصراع مع المكان ) وصولا منها إلى حقيقة التنبه إلى معنى ذلك الدليل في مسمى السجين المحكوم بطريقة تتخلى عنها مصادر و موارد الأسباب و المسببات ، و دون حتى أدنى معرفة ما بحالات وقوع ظرفية جنح الاعتقال و هويته النوعية في الجرم المشهود من قبل الشخصية الجانحة ، لذا وجدناها ـ إي الشخصية ـ عبارة عن حركية سريالية داخل لوحة الظلام و العتمة و حواجز من الحجر المتآكل مع غياهب ملامس منعطفات الجدران و فواصل أرضية المكان ، وقد أتضحت لنا معالم الخارج النصي أكثر إيهاما أو أنها مجسات من بقايا ذكرى ممارسة حلمية من قبل الشخصية ذاتها ، كان قد سلخها الشخصية عبر مكانية منامية ما أقرب إلى الغيبوبة ، فيما تنبني ظاهرية علاقة المكان بالشخصية و دوافعها ، اقترانا بذلك السلوك المحكوم بها بموجب ثنائية ( المنظور ـ التلمس ـ إعادة الدوران ) و هذه الوسائل الثلاثة هي ما تتأسس عليه بنية أفعال حبكة النص . أما حقيقة المكان فتبقى و تتبدى كرؤية غرائبية ـ موحشة ، خصوصا و أنها تتعلق بدقة هندسية مرعبة من قبل محاولات الشخصية في عملية إحصاء خطواتها داخل ظلمات المكان ، طلبا منها لمعرفة هوية الأشياء و جغرافيا ملامح هذا المكان : ( فيبعث هذا الطنين في أعماقي فكرة الدوران ـ لعل ذلك يرجع إلى أنني كنت أقرنه في خيالي بدولاب الطاحون . لكن هذا لم يدم أكثر من فترة وجيزة ، إذ سرعان ما توقف الدوي و لم أعد أسمع أي شيء . إنما كنت ما أزال أرى ، لكن بأية مبالغة مريعة ! كنت ما أزال أرى شفاه القضاة في ردائهم الأسود ، كانت تبدو لي بيضاء ـ أكثر بياضا من الورقة التي أخط عليها هذه الكلمات . / ص18 : النص ) .

 

2ـ الموقع الضمني للمؤلف و خطاطة السارد المشارك :

 

ربما أن حدود المواقع في نسق و فضاء زمن النص ، تبدو كتوجهات مسافة متكونة من ( موقع ظاهر ـ موقع ضمني ) إذ أن حالات تسجيل السارد المشارك فوق قصاصة الورقة ، أنما هي موقعية خارج أفق النص الحكائي ، أي أنها تمفصلات خارج زمن النص قريبا من محكيات ( الراوي ـ الشاهد ) أما فيما يتعلق في هوية الموقع الشخوصي الموظف في دلالات الشخصية العاملة ، فهي موقعية عرضية مسرودة كاسحة لحدود المسافة الواقعة ما بين تداخل المسرود و سارده . و تبعا لهذا نعاين بأن حكي السارد على لسان حال الشخصية ، يأتنا ضمن موقع أكثر ضمنية و مستوى منطوق الدال الشخوصي . لنعود الآن إلى مجرى الحديث عن ذلك الأثر المترسب في ذهن و طابع حكاية الشخصية في النص فهذه الشخصية بدورها ، قد نفترض لها أنها تعرضت لحوادث تحقيقية و خروقات اعتقالية خارج زمن النص المعلوم ، فربما إنها على أقل تقدير قد تعرضت إلى أزمة نفسية أيضا من شأنها التوهم بأن غرفة المشفى ، ما هي إلا معتقلا سياسيا أو حفرة في أخاديد كابوسية تابعة لإحدى إيهاماتها الحلمية مثلا . في الواقع أن مصادر و أوليات موضوعة النص ، قد لا تحيلنا في الواقع النصي إلى إي جهة إجرائية نفسانية ما ، من شأنها إخبارنا بأن الشخصية مصابة بنكسة توهمية أو عصابية ما ، و لكننا أيضا لم نعثر في مجال النص على أية شواهد ما تخبرنا بأن الشخصية هي من أحدى العناصر المنصوص عليها بالجرم السابق تحديدا ، سوى أنها تلازمها جملة أصوات قضاة التحقيق مع وصف أشكال ثيابهم و ألوانها السوداء ، و هذا الأمر ليس بالدليل القاطع بأنه معتقلا سياسيا أو لأي حالة من حالات الجرائم الجنائية الأخرى . بهذا الأمر فإن القارىء أمام واقعة مفصولة عن أسبابها التحفيزية نوعا ما ، ولكننا عندما نعاين أيضا جهة دليل الموضوعة ، نجدها تسعى إلى تشخيص العلاقة الفارقة ما بين زمن الموت و تحديات الشخصية له عبر ذلك الجهاز للمراقب المعلق على سقف الزنزانة ، بالإضافة إلى وجود علامة حادة تهدد الشخصية بالموت بين لحظة و أخرى ، ما يدلل بأن الشخصية محكومة بجزاء عقوبة الموت المعنوي و المادي : ( كنت أرى أن القرارات التي ترسم مصيري ما تزال تطلع من هذه الشفاه .. رأيتها تتلوى في عبارة موت .. رأيتها تصور مقاطع أسمي ، و ارتعدت لأن الصوت لم يكن يتبع حركة رأيت أيضا خلال لحظات من الرعب الجنوني التموجات اللينة للستائر التي تكسو جدران القاعة .. إذاك وقع نظري على المصابيح السبعة الكبيرة التي كانت موضوعة على الطاولة . اكتست في البداية مظهر المحبة ، و بدت لي كملائكة بيض يريدون إنقاذي / لكن سرعان ما داهم نفسي غثيان مميت ، و شعرت أن كل عرق في كياني يختلج كما لو لمست شريطا كهربائيا ، بينما كان الإشكال الملائكية تتحول إلى أشباح لا معنى لها . / ص18 : النص القصصي ) هكذا تتبدى أمامنا كما أشرنا سابقا ، موقعية السارد الضمنية ، كدلالة إيحائية مبطنة من جهات مدلولية تضمر المعنى لذاتها ـ قصدا متحولا ـ غير أنها في الآن نفسه تشيع موقعه دليلا تدبيريا ذا قسمات مرمزة بملامح الطابع النفسي للشخصية و للمكان ذاته ، ربما أن الشخصية تحيا بين عالمين أو دارين أو حلمين ، أو أنها ربما واجهة فعل الموت في دلالات زمن خارج القص و الحكاية ، فيما تمضي الآن أسوء حالاتها البرزخية المتصورة في ظلمات ( الزنزانة = القبر ) أو أنها محض محالمة مفجعة ما بين الذات و ذاكرتها و هموم مكانية مظلمة من قرار مملكة الجدران الرطبة المكللة بهمس عشرات أرجل دبيب الفئران المتلمسة لطريقها بيسر إلى قعر إناء الطعام للشخصية السجينة . 

 

ـ التأويل المعادل و مشاغل التأويل الدلالي .

يبدو أن عملية التقويم إلى مستوى دلالات قصة ( البئر و الرقاص ) تتطلب من دارسها ، الخوض في مغامرة تأويلية إزاء مدى تواصلية المعنى الموزع عبر فواصل و واصلات فقراتها ، خصوصا و أن حبكة القص تتضح فيها ضمن مخصوصيات خطية متغايرة في رسم دينامية الذروة القصصية الكاشفة ، وعلى هذا فأننا بدءا من حالات غيبوبة الشخصية في الحكي ، أي و منذ الزج بها داخل الزنزانة لاحظنا ارتباطها بهالات معالم بيئة المكان الموحشة و مدى تخوفات و صعوبة الشخصية من التعرف على ملامح المكان : ( كنت أتهيب بالنظرة الأولى للأشياء المحيطة ، ليس لأنني أخشى النظر إلى الأشياء المرعبة بل لأنني كنت أخاف أن لا يكون هناك ما يرى . / ص20 : النص القصصي ) أن عملية الزمن المعادل في محتمالات رؤية الشخصية ذات انطلاقة مبنية على دليل مؤولاتها الانطباعية و في تعاملها مع وحدات المكان و الأصوات المستعادة للقضاة في قاعة المحكمة ، لذا وجدنا تفاصيل ممارستها العضوية في النموذج المكاني ، ذات سمات أكثر تجريدية و أكثر بحثا في غياهب موجودات و حالات الأشياء : ( وحين كنت أتقدم بحذر ـ أخذت تتزاحم في ذاكرتي الآف الأصوات الغامضة المنبعثة من أهوال ـ توليدو ـ كانت تروي عن هذه السجون غرائب أعتبرتها دائما من الأساطير ـ لكنها مع ذلك من الغرابة و الهول . / ص20 : النص القصصي ) .

 

1ـ غرائبية المكان و آليات المنتج الإظهاري :

تهيمن النماذج الوظيفية الغرائبية على تفاصيل دلالات أحداث النص ، امتدادا لها نحو فرضيات تحتاج من قارئها الإلمام بفكرة و رؤية ( الذات الداخلية ) للنص ، أي بمعنى ما ، فهم مشخصات اللغة السردية على أنها حالات علامية مسخرة بفعل تمظهرات مضمرة من داخل المسرود ، و على هذا نفهم من تحركات الشخصية في ظلمات المكان المتمثل ب ( الزنزانة ) على أنها قيم إظهارية من نوع آخر من مؤشرات الترميز القصصي ، إي بوصفها نوعية خاصة من المقابل الآخر لصورة العالم الممكن ، أو أنها الوظيفة المرمزة نحو محمولات و خاصيات فكرة بطش الحكومات و الكولونيالية احتمالا ، و تعزيزا لكل هذا تنكشف لنا دلالات كابوسية ذلك الرقيب الحكومي ـ تمثيلا لها في أحوال : ( اكتشفت أنني سقطت على حافة بئر مستديرة .. لم تكن لدي في هذه اللحظة أية وسيلة لتقدير مساحتها .. استطعت و أنا أتلمس البناء فوق حلقة البئر تماما ، أن أنزع منه شيئا صغيرا و أرميه في الهاوية . / ص21 : النص القصصي ) .

 

2ـ الواقع المغلق في محددات اللازمن الواقعي :

و تسعى قابلية القص في مشاهد النص إلى استفزاز منطقة القراءة ، نحو كشوفية الشخصية ذاتها في التنقيب في ماهية واقعها الزنزاني المحفوف بمجاهيل العالم المغلق و محددات اللازمن الواقع فيه . و ما منح هذا النص دلالاته الكبرى هو حقيقة مؤثثات المكان الآسرة بسرانية المخبوء و غواية التأويل : ( كان الرقاص ينوس عاموديا فوقي .. ولاحظت أن الهلال يتأهب كي يجتاز منطقة القلب .. كان سيمزق طرف ردائي ـ ثم يعود و يكرر عمليته ، و على الرغم من البعد الرهيب للمنحنى الذي يسير فيه ـ حوالي ثلاثين قدما ـ و حركة سقوطه وهي تفسح و التي تكفي وحدها لشق الأسوار الحديدية ، فإن كل ما كان بوسعه أن يقلعه ببضع دقائق هو أن يمزق ردائي . / ص25 : النص القصصي ) .

 

تعليق القراءة :

في الواقع أن مستوى رمزية العلامة التوظيفية في المدلول المركز في تفاصيل أحداث قصة ( البئر و الرقاص ) تتركز في وسيلة الخلاص من أصفاد و آلية الموت المتمثلة بحركية نزولات آلية الرقاص القاتلة على الجسد الشخوصي ، فيما تلعب دينامية العلاقة الذروية ما بين البئر و الرقاص ، بتلك الحافزية الخاصة نحو قمع الأداة الأنسانية الرازحة تحت ظلمات شرورها المميت : ( و تراجعت جدران النار سريعا .. ذراع ممدودة تمسك بذراعي كما لو كنت أسقط في الهاوية غائر القوى .. كانت ذراع الجنرال لاسال فقد دخل الجيش الفرنسي توليدو و صار التفتيش في أيدي أعداء التفتيش . / ص28 : النص القصصي ) هكذا وجدنا صورة و شكل الخاتمة المضمونية في النص ، و كأنها تتحدث عن العلاقة الرمزية و التأويلية الخاصة بمعادلات حقبة كولونيالية خاصة من تأريخ آليات هموم المكانية الواقعة ما بين انتصارات الشخصية الضمنية في مواقع زنزانتها الزمنية اللامحددة . 

                     دراسة في تراث أقاصيص إدغار ألن بو

            وقفات مبحثية مع قصة ( البئر و الرقاص ) نموذجا

           هموم المكانية بين معادلة القص و اللاتحديد الموقعي 

                                                      حيدر عبد الرضا 

توطئة :

قد يعني تلاحم مجسات أداة الحلم في دائرة الوظيفة السردية القصصية ، بمثابة ذلك النزوع الحاسم و المباشر بين وصلات و طباع الأنا الكاتبة و مشروع أحلامها و كوابيسها المنضدة داخل هواجس من العلاقة الكتابية الخاصة ، بل أنها قد تتعاطى من جهة هامة مع هويتها الشخصانية عبر وسائل حلمها الخاص بطريقة تكسبها أبعادا فنية و جمالية نادرة ، وهناك من الكتاب من غدا يتعامل مع مؤثرات التقانة الحلمية و الإيهامية و الغرائبية و السوداوية ضمن وظيفة مركزة داخل حيثيات النص الأبداعي ، تعضيدا لها و حدود رؤيا حالات الذات عبر مركبات خاصة من اللاشعورية أو اللايقينية ، أو هي لربما مسلمات خيالية مرمزة في قوقعة حدود المكانية الضيقة و علاماتها الألهامية الغارقة في قعر محمولات المعنى المنعكس على قابلية و هيئة المؤول الذاتي الشخوصي لها في بنيات القص.

 

ـ صياغة الترسيمة الذاتية و أسرار المكانية النصية . 

تتكاثر في أبدالات و إحالات فضاء قصة ( البئر و الرقاص ) جملة خاصة من الفواصل و التداخلات الإيهامية المؤسسة في ذاتها ما بين ( تمفصلات مجاهيل المكان ) و مجال استشعارات و تصورات الذات المحشورة في زوايا إشكالية (اللاتحديد الموقعي ) و لهذه الأسباب وجدنا الشخصية العاملية في مذخرات الفعل الاستهلالي ، تعتمد في ذاتها على محددات أبعادية ـ استعادية ، من نسيج عوامل و عناصر الصوغ المتعدد في رؤية المحصول الذاكراتي حسب . و على هذا المستوى من النموذج الأفعالي في تشعبات النص ، تستعرض لنا مشخصات السارد المشارك ، من جهة ما كيفية  علاقة الشخصية النواتية إزاء موضعها داخل طيات من الظلمات المكانية و حالات من التساؤلات حول مسببات و دوافع زجه داخل هذه الزنزانة المعتمة : ( كنت محطما ، محطما حتى الموت من ذلك النزع الطويل ، وحين أفلتوني أخيرا و سمح لي بالجلوس ، شعرت أن حواسي جميعها تخذلني . كان حكم الموت ـ الحكم الرهيب بالموت ـ هو العبارة الأخيرة الواضحة التي ضربت أذني .. خيل ألي بعد ذلك ، أن أصوات قضاة التفتيش تغرق في طنين حلم غير محدد . / ص18 النص ) .

 

1ـ مستوى الوظيفة الاستعادية و شيفرة بلاغة العلاقة الموضوعية :

لقد لاحظنا في جملة مقتطفات عتبتة الوحدة الاستهلالية في النص ، بأن هناك مجموعة شواهد ملحة في الأثر المقابل من مستوى دلالة ( الزنزانة ـ الرقيب ـ الاستجواب ـ الصراع مع المكان ) وصولا منها إلى حقيقة التنبه إلى معنى ذلك الدليل في مسمى السجين المحكوم بطريقة تتخلى عنها مصادر و موارد الأسباب و المسببات ، و دون حتى أدنى معرفة ما بحالات وقوع ظرفية جنح الاعتقال و هويته النوعية في الجرم المشهود من قبل الشخصية الجانحة ، لذا وجدناها ـ إي الشخصية ـ عبارة عن حركية سريالية داخل لوحة الظلام و العتمة و حواجز من الحجر المتآكل مع غياهب ملامس منعطفات الجدران و فواصل أرضية المكان ، وقد أتضحت لنا معالم الخارج النصي أكثر إيهاما أو أنها مجسات من بقايا ذكرى ممارسة حلمية من قبل الشخصية ذاتها ، كان قد سلخها الشخصية عبر مكانية منامية ما أقرب إلى الغيبوبة ، فيما تنبني ظاهرية علاقة المكان بالشخصية و دوافعها ، اقترانا بذلك السلوك المحكوم بها بموجب ثنائية ( المنظور ـ التلمس ـ إعادة الدوران ) و هذه الوسائل الثلاثة هي ما تتأسس عليه بنية أفعال حبكة النص . أما حقيقة المكان فتبقى و تتبدى كرؤية غرائبية ـ موحشة ، خصوصا و أنها تتعلق بدقة هندسية مرعبة من قبل محاولات الشخصية في عملية إحصاء خطواتها داخل ظلمات المكان ، طلبا منها لمعرفة هوية الأشياء و جغرافيا ملامح هذا المكان : ( فيبعث هذا الطنين في أعماقي فكرة الدوران ـ لعل ذلك يرجع إلى أنني كنت أقرنه في خيالي بدولاب الطاحون . لكن هذا لم يدم أكثر من فترة وجيزة ، إذ سرعان ما توقف الدوي و لم أعد أسمع أي شيء . إنما كنت ما أزال أرى ، لكن بأية مبالغة مريعة ! كنت ما أزال أرى شفاه القضاة في ردائهم الأسود ، كانت تبدو لي بيضاء ـ أكثر بياضا من الورقة التي أخط عليها هذه الكلمات . / ص18 : النص ) .

 

2ـ الموقع الضمني للمؤلف و خطاطة السارد المشارك :

 

ربما أن حدود المواقع في نسق و فضاء زمن النص ، تبدو كتوجهات مسافة متكونة من ( موقع ظاهر ـ موقع ضمني ) إذ أن حالات تسجيل السارد المشارك فوق قصاصة الورقة ، أنما هي موقعية خارج أفق النص الحكائي ، أي أنها تمفصلات خارج زمن النص قريبا من محكيات ( الراوي ـ الشاهد ) أما فيما يتعلق في هوية الموقع الشخوصي الموظف في دلالات الشخصية العاملة ، فهي موقعية عرضية مسرودة كاسحة لحدود المسافة الواقعة ما بين تداخل المسرود و سارده . و تبعا لهذا نعاين بأن حكي السارد على لسان حال الشخصية ، يأتنا ضمن موقع أكثر ضمنية و مستوى منطوق الدال الشخوصي . لنعود الآن إلى مجرى الحديث عن ذلك الأثر المترسب في ذهن و طابع حكاية الشخصية في النص فهذه الشخصية بدورها ، قد نفترض لها أنها تعرضت لحوادث تحقيقية و خروقات اعتقالية خارج زمن النص المعلوم ، فربما إنها على أقل تقدير قد تعرضت إلى أزمة نفسية أيضا من شأنها التوهم بأن غرفة المشفى ، ما هي إلا معتقلا سياسيا أو حفرة في أخاديد كابوسية تابعة لإحدى إيهاماتها الحلمية مثلا . في الواقع أن مصادر و أوليات موضوعة النص ، قد لا تحيلنا في الواقع النصي إلى إي جهة إجرائية نفسانية ما ، من شأنها إخبارنا بأن الشخصية مصابة بنكسة توهمية أو عصابية ما ، و لكننا أيضا لم نعثر في مجال النص على أية شواهد ما تخبرنا بأن الشخصية هي من أحدى العناصر المنصوص عليها بالجرم السابق تحديدا ، سوى أنها تلازمها جملة أصوات قضاة التحقيق مع وصف أشكال ثيابهم و ألوانها السوداء ، و هذا الأمر ليس بالدليل القاطع بأنه معتقلا سياسيا أو لأي حالة من حالات الجرائم الجنائية الأخرى . بهذا الأمر فإن القارىء أمام واقعة مفصولة عن أسبابها التحفيزية نوعا ما ، ولكننا عندما نعاين أيضا جهة دليل الموضوعة ، نجدها تسعى إلى تشخيص العلاقة الفارقة ما بين زمن الموت و تحديات الشخصية له عبر ذلك الجهاز للمراقب المعلق على سقف الزنزانة ، بالإضافة إلى وجود علامة حادة تهدد الشخصية بالموت بين لحظة و أخرى ، ما يدلل بأن الشخصية محكومة بجزاء عقوبة الموت المعنوي و المادي : ( كنت أرى أن القرارات التي ترسم مصيري ما تزال تطلع من هذه الشفاه .. رأيتها تتلوى في عبارة موت .. رأيتها تصور مقاطع أسمي ، و ارتعدت لأن الصوت لم يكن يتبع حركة رأيت أيضا خلال لحظات من الرعب الجنوني التموجات اللينة للستائر التي تكسو جدران القاعة .. إذاك وقع نظري على المصابيح السبعة الكبيرة التي كانت موضوعة على الطاولة . اكتست في البداية مظهر المحبة ، و بدت لي كملائكة بيض يريدون إنقاذي / لكن سرعان ما داهم نفسي غثيان مميت ، و شعرت أن كل عرق في كياني يختلج كما لو لمست شريطا كهربائيا ، بينما كان الإشكال الملائكية تتحول إلى أشباح لا معنى لها . / ص18 : النص القصصي ) هكذا تتبدى أمامنا كما أشرنا سابقا ، موقعية السارد الضمنية ، كدلالة إيحائية مبطنة من جهات مدلولية تضمر المعنى لذاتها ـ قصدا متحولا ـ غير أنها في الآن نفسه تشيع موقعه دليلا تدبيريا ذا قسمات مرمزة بملامح الطابع النفسي للشخصية و للمكان ذاته ، ربما أن الشخصية تحيا بين عالمين أو دارين أو حلمين ، أو أنها ربما واجهة فعل الموت في دلالات زمن خارج القص و الحكاية ، فيما تمضي الآن أسوء حالاتها البرزخية المتصورة في ظلمات ( الزنزانة = القبر ) أو أنها محض محالمة مفجعة ما بين الذات و ذاكرتها و هموم مكانية مظلمة من قرار مملكة الجدران الرطبة المكللة بهمس عشرات أرجل دبيب الفئران المتلمسة لطريقها بيسر إلى قعر إناء الطعام للشخصية السجينة . 

 

ـ التأويل المعادل و مشاغل التأويل الدلالي .

يبدو أن عملية التقويم إلى مستوى دلالات قصة ( البئر و الرقاص ) تتطلب من دارسها ، الخوض في مغامرة تأويلية إزاء مدى تواصلية المعنى الموزع عبر فواصل و واصلات فقراتها ، خصوصا و أن حبكة القص تتضح فيها ضمن مخصوصيات خطية متغايرة في رسم دينامية الذروة القصصية الكاشفة ، وعلى هذا فأننا بدءا من حالات غيبوبة الشخصية في الحكي ، أي و منذ الزج بها داخل الزنزانة لاحظنا ارتباطها بهالات معالم بيئة المكان الموحشة و مدى تخوفات و صعوبة الشخصية من التعرف على ملامح المكان : ( كنت أتهيب بالنظرة الأولى للأشياء المحيطة ، ليس لأنني أخشى النظر إلى الأشياء المرعبة بل لأنني كنت أخاف أن لا يكون هناك ما يرى . / ص20 : النص القصصي ) أن عملية الزمن المعادل في محتمالات رؤية الشخصية ذات انطلاقة مبنية على دليل مؤولاتها الانطباعية و في تعاملها مع وحدات المكان و الأصوات المستعادة للقضاة في قاعة المحكمة ، لذا وجدنا تفاصيل ممارستها العضوية في النموذج المكاني ، ذات سمات أكثر تجريدية و أكثر بحثا في غياهب موجودات و حالات الأشياء : ( وحين كنت أتقدم بحذر ـ أخذت تتزاحم في ذاكرتي الآف الأصوات الغامضة المنبعثة من أهوال ـ توليدو ـ كانت تروي عن هذه السجون غرائب أعتبرتها دائما من الأساطير ـ لكنها مع ذلك من الغرابة و الهول . / ص20 : النص القصصي ) .

 

1ـ غرائبية المكان و آليات المنتج الإظهاري :

تهيمن النماذج الوظيفية الغرائبية على تفاصيل دلالات أحداث النص ، امتدادا لها نحو فرضيات تحتاج من قارئها الإلمام بفكرة و رؤية ( الذات الداخلية ) للنص ، أي بمعنى ما ، فهم مشخصات اللغة السردية على أنها حالات علامية مسخرة بفعل تمظهرات مضمرة من داخل المسرود ، و على هذا نفهم من تحركات الشخصية في ظلمات المكان المتمثل ب ( الزنزانة ) على أنها قيم إظهارية من نوع آخر من مؤشرات الترميز القصصي ، إي بوصفها نوعية خاصة من المقابل الآخر لصورة العالم الممكن ، أو أنها الوظيفة المرمزة نحو محمولات و خاصيات فكرة بطش الحكومات و الكولونيالية احتمالا ، و تعزيزا لكل هذا تنكشف لنا دلالات كابوسية ذلك الرقيب الحكومي ـ تمثيلا لها في أحوال : ( اكتشفت أنني سقطت على حافة بئر مستديرة .. لم تكن لدي في هذه اللحظة أية وسيلة لتقدير مساحتها .. استطعت و أنا أتلمس البناء فوق حلقة البئر تماما ، أن أنزع منه شيئا صغيرا و أرميه في الهاوية . / ص21 : النص القصصي ) .

 

2ـ الواقع المغلق في محددات اللازمن الواقعي :

و تسعى قابلية القص في مشاهد النص إلى استفزاز منطقة القراءة ، نحو كشوفية الشخصية ذاتها في التنقيب في ماهية واقعها الزنزاني المحفوف بمجاهيل العالم المغلق و محددات اللازمن الواقع فيه . و ما منح هذا النص دلالاته الكبرى هو حقيقة مؤثثات المكان الآسرة بسرانية المخبوء و غواية التأويل : ( كان الرقاص ينوس عاموديا فوقي .. ولاحظت أن الهلال يتأهب كي يجتاز منطقة القلب .. كان سيمزق طرف ردائي ـ ثم يعود و يكرر عمليته ، و على الرغم من البعد الرهيب للمنحنى الذي يسير فيه ـ حوالي ثلاثين قدما ـ و حركة سقوطه وهي تفسح و التي تكفي وحدها لشق الأسوار الحديدية ، فإن كل ما كان بوسعه أن يقلعه ببضع دقائق هو أن يمزق ردائي . / ص25 : النص القصصي ) .

 

تعليق القراءة :

في الواقع أن مستوى رمزية العلامة التوظيفية في المدلول المركز في تفاصيل أحداث قصة ( البئر و الرقاص ) تتركز في وسيلة الخلاص من أصفاد و آلية الموت المتمثلة بحركية نزولات آلية الرقاص القاتلة على الجسد الشخوصي ، فيما تلعب دينامية العلاقة الذروية ما بين البئر و الرقاص ، بتلك الحافزية الخاصة نحو قمع الأداة الأنسانية الرازحة تحت ظلمات شرورها المميت : ( و تراجعت جدران النار سريعا .. ذراع ممدودة تمسك بذراعي كما لو كنت أسقط في الهاوية غائر القوى .. كانت ذراع الجنرال لاسال فقد دخل الجيش الفرنسي توليدو و صار التفتيش في أيدي أعداء التفتيش . / ص28 : النص القصصي ) هكذا وجدنا صورة و شكل الخاتمة المضمونية في النص ، و كأنها تتحدث عن العلاقة الرمزية و التأويلية الخاصة بمعادلات حقبة كولونيالية خاصة من تأريخ آليات هموم المكانية الواقعة ما بين انتصارات الشخصية الضمنية في مواقع زنزانتها الزمنية اللامحددة . 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي