loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

رقص الحلم وركض الذاكرة

breakLine
162 2021-02-22

رقص الحلم وركض الذاكرة  
من خلال رواية "سماء صالحة للرقص"

 

الهادي عرجون/ كاتب تونسي

 

من القراءة الأولى وما تحمله من دهشة السؤال والانبهار أمام أحداث وشخصيات اتخذت من الركض رسولا للنجاة، حين يكون الركض خلف قطار الحياة، ذلك الركض المتواصل، يبدو ركضا عبثيا بلا جدوى، وأنت تقلب الصفحات لقراءة ثانية تدرك أهمية الأجوبة التي تطرحها هذه الرواية، والتي بددت تلك التي كانت تطرق أبواب مخيلتنا، فالكاتب لا يقتفي أثر الأولين، ولكنه يمتطي صهوة الذاكرة وهو يبحث عن الغد المشرق المختبئ في مكان ما على هذه الأرض من هذا الكوكب، ليبحث عن عشب صالح للركض تارة و تارة أخرى عن الكوكب الصالح لنمو البشر و بين هذا وذاك يبحث عن مكان صالحا للذاكرة ليكون المعنى بدوره صالحا للابتكار.

 ففي البداية يضعنا الراوي في الإطار الذي بنيت عليه الرواية مبينا تعقيداتها وعدم انسجامها انطلاقا من عتبة الإهداء حين يشير إلى هذا العمل بالهوس بقولة "إلى أحد ما على هذا الكوكب، كائن ما يقرأ هذه السطور، ويبتسم، أو يعبس إلى شخص ما قرر بقصد أو دون قصد أن يستكشف الأمر، أو يعرف شيئا عن سماء صالحة للرقص، أهدي هذا الهوس"(ص5) هذه السماء الصالحة للرقص والتي تقابلها الأرض الساكنة بكل ما فيها من حركة.  

وبين هذا وذاك يظهر قبس سماوي يطل من شرفة لا شرقية ولا غربية، ليكون الركض ويكون الرقص في "سماء صالحة للرقص" لتبعث باستفهامات وبرسائل نصية إلى مخيلة القارئ فتتشكل انفعالات تقود إلى مواقف من الواقع المعيش ومن الأحداث التي يثيرها هذا الواقع، فهو يصور بذاكرته آلمه وأحزانه وما يهمس به في الوجدان من قلق نفسي ووجودي، ليغدو البطل (علي الدبس) كبحار وحيد في بحر من الحياة يركض ليلحق بقطارها.
ومع هذا يجعل من الزمن بطيئا ثقل الواقع الذي يعيشه وما يعكسه هذا الواقع من غربة وتمزق وحنين " ونداء المجهول في المجهول أركض، أركض، أركض دون انتظار أو نظر، لا تفكِّر، لا تقرِّر، لا تتأمَّل أو تتخيَّل ، ولا تحفل بشيء سوى الركض ، إن الركض رسول النجاة اليوم، وعرَّاب الروح الأخير يا لكَ من فاشل"(ص73)، ليهرب فيرتكب الغياب ويدخر الوقت ولكن هذا الركض سبب الضياع " ألم ننتبه إلى كم ربيعا أضعنا في زحمة الركض؟، ألم نع كم من الوجوه فقدنا ونحن نركض في دونما توقف؟"(ص14).

ومع ذلك فهو مستعد للقفز من قطار الخوف ليعانق الهواء والضوء في صراع على الخلود والبقاء للنهاية، ليبدأ فكرته عن الغياب والاغتراب، ولكن في خضم كل هذا الصراع الوجودي يصبح الوقت في الرواية بمثابة زنزانة ضيقة تختزل الزمن " تتوالى الأيام وأنت ما زلت كما أنت تجلس حينا بقرب السرير تبتكر الحكايات التي من شأنها أن تمنح القوة والأمل في روح إيلينيا المحبطة من حال آلت إليه، وحينا تراقب الشجر الغريب في الباحة من شرفة المستشفى..." (ص 152)، ليدور بين جدرانها (علي الدبس) بأفكاره التي تحاول الخروج من نافذة صغيرة في الجدار ليرى العالم سعيا للانعتاق ورغبة في الهروب من هذا الواقع، فالنافذة ليست مجرد شكل هندسي أو عمل تصميمي تجميلي، ولا فراغ في جدار. إنها حاجة إنسانية للتواصل مع الخارج، يقول السارد: " من أجل هذا وذاك كله لا يجب أن نهمل النوافذ لأنها عيننا الوحيدة على الخارج "(ص7)، ولكن هذا الهروب هو مجرد احتماء بالحلم وهلوسات الذاكرة بالمكان ليتمكن البطل من تجميع ما تكسر في داخله في خزانة المحتمل الاستباقي ولو بعد حين، حين يقول: " كي نتمكن من تجميع ما تكسر أو تهشم في دواخلنا ونعيد تدويره وتكريره من جديد لنضعه في خزانة المحتمل إلى حين" (ص11).  

فالكاتب هنا يشير إلى معاناة وتجربة حقيقية لشاب سوري اضطرته الحرب للهجرة من أرض الشام إلى ارض أخرى يجمع معاناته التي يحملها معه من تركيا واليونان "إلى أن يستقر في مدينة جنوة بإيطاليا، أحداث ومسارب تتقلب في وجدانه وتخرج من عالمه الخاص به إلى نطاق عالم المحسوسات إلى عالم آخر لا يدركه إلا من عايش الحرب وعانى التهجير وشرب من حنظل الغربة.  
غربة الهوية والانتماء غربة الشرق عن الغرب والجدل الحضاري الذي يطرح من خلاله الروائي ناصر قواسمي قضايا متعددة ومختلفة تنطلق من غربة جسد سوري لتعبر عن غربة الجسد العربي بأفكاره وعاداته وتقاليده وما يختزنه فضاء الاغتراب ليكون الفعل الوجودي ومعنى الوجود، الذي يختفي وراء كل هذا "طريق طويل أمام ناظريك من الباب الزجاجي البسيط في زاوية الطريق إلى ما لا نهاية في مدى البصر وكأنها موصولة باللانهائي الأبدي، لنك ستسعى للمشي فيها بحثا عن لا شيء آخر تضيفه إلى قوائم بحثك الكثيرة في خزانتك الفرغة... "(ص38)
فالحياة ركض، والأفكار بذاكرة الراوي تركض برأسه وتتزاحم كأنها في سباق، فتركض هي الأخرى، وهذا الركض ليس ركضا شخصيا بمعزل عن العالم، فهو يركض ليعيش من أجل أهداف معينة وأحلام يطاردها و مع هذا تبقى ناقصة محدودة، فهذه الحياة تجبرك على الركض في كل الاتجاهات حتى في أفكارك، لترتقي الذاكرة في لحظة من لحظات الوحدة لتُكون أجنحة لعقله المسافر نحو العزلة الهائلة نحو الاختلاء الذاتي والركض نحو المجهول، تقول الروائية أحلام مستغانمي في روايتها فوضى الحواس:" عجيبة هي الحياة بمنطقها المعاكس أنت تركض خلف الأشياء لاهثا، فتهرب الأشياء منك. وما تكاد تجلس وتقنع نفسك بأنها لا تستحق كل هذا الركض، حتى تأتيك هي لاهثة. وعندما لا تدري أيجب أن تدير لها ظهرك أم تفتح لها ذراعيك وتتلقى الهبة التي رمتها السماء إليك. والتي قد تكون فيها سعادتك...أو هلاكك".

فهو الراكض في هذه الدنيا يبحث عن قوته الإنسانية المقيدة التي تصارع الظلمة، لنكتشف معه أن حريتنا لا تكمن خارجنا بل داخلنا، ويمكن أن يُقيد المرء في الخارج لكنه سيشعر أنه حر لأنه فجر قيوده الداخلية. ويمكن للمرء بالتأكيد أن يحصل على الحرية الخارجية من خلال تصرفات مفعمة بالقوة، لكن المرء لا يخلق الحرية الداخلية الا من خلال الرمزية التي اعتمدها في أسلوب كتابته لرواية "سماء صالحة للرقص"

ومن خلال ما سبق نلاحظ أن الراوي هنا يهتم بالكلي انطلاقا من الجزئي وقد ركز على حالات وجودية وتجربة إنسانية، مع ادراكه الحسي وذلك بالانتقال من الوضعية المكانية
والزمانية إلى أخرى على المستوى الفكري والخيالي والعاطفي، وهو ما يسمى تعبيرا عن حالة عاطفية أو فكرية متغيرة. ومع هذا فهو يرى أن الذاكرة أكبر بكثير من حيز وجودنا " وكأننا نفخة غيب في خاصرة هذا الكون ولدت آلاف الشرارات وراحت ترعى في الجهات بحثا عن سبب قاطع للبقاء أو الخلود، احتمال وارد للوقوف في العراء بلا أدنى سبب منطقي أو معقول إذا ما فكرنا للحظة بجدوى تواجدنا"(ص129).
ليبحث من خلال انصرافه للركض عن جدوى التعود عن الغياب في أعماق الروح يتقلب بين وهم الوجود والخوف من المجهول عندما يسيطر على الوهم والرعب الذي يحيط بالشخصية الرئيسية التي تعيش مونولوج داخلي مرده الخوف الذي سيطر عليه في تلك الليلة جعله يفكر أكثر بروح الأعماق وصراعه بين الضوء والظلام. ليطل من شرفات ذاكرته بالحلم والأمل، ليبدأ فكرته، ويبدأ في الحلم، الحلم المقيد بالعراقيل وبالنواميس التي تحيط بشخصيته، " أنت لا تملك ثمن حلمك، لأنك تشعر بأن أحلامك ضرب من الجنون ..."، "لا ثمن للحلم أيها الأحمق، فالحلم يكاد يكون الشيء الوحيد المجاني على هذه الأرض، إنك تحلم دون تذاكر للحلم...من يملك حق منعك من الحلم؟ من يملك حق الولوج إلى رأسك لاكتشاف ما إذا كنت تحلم أو لا؟ الحلم لا أبواب له ولا حراس..."(ص118) رغم ما يحمله رأسه المزدحم بالأسئلة التي تطارده، "تطاردك الأسئلة والأوهام والقلق؟"(ص73).  
فبطل الرواية لا يكف عن مواجهة الصراعات وما تثيره في نفسه من تساؤلات شتى فالبيئة التي كان يعيش فيها أو التي أصبح يعيش فيها، لا يمكن فصلها أبدا عن المجتمع لأنها مرتبطة به ارتباطا وثيقا ولأنها نتاج علاقات تاريخية بين الإنسان والطبيعة والوطن.
كما رام الكاتب في هذه الرواية التعبير عن رؤاه الفكرية وتصوراته للواقع المعيش من خلال شخصية (علي الدبس) ليجعل منها وسيلة لتكشف معاناة الشخصية الغريبة في هذا العالم والمهجرة عن الوطن الأم، وهو ما يجعل الأسئلة تتدفق بين ثنايا الرواية وتدخل في متون السردية والتي يمكن اعتبارها من أهم الوسائل التي تساعد على استثارة الواقع من منظور الراوي، " وحيدا في الفراغ تحاول رتق الثوب الذي تمزق بلا أسباب مقنعة في رأسك المكتظ بالأسئلة ووهم الخيالات"(ص176)، فالأسئلة سواء كانت كثيرة أو قليلة فهي عبارة عن نافذة
مهمة لفهم العالم السردي لدى الروائي ناصر قواسمي، ليتخذ من الأسئلة أرضية صلبة للوقوف عليها، وللتأمل و البوح وكشف الأسرار و الرؤى و الأفكار.

وقد اعتمد على الاستفهام الذاتي " تطاردك الأسئلة والأوهام والقلق يأخذانك معهم في رحلة نحو قاع لا قاع له ويتركانك هناك وحيدا بلا رأسك"(ص173)، بهدف الكشف عن شخصية البطل من انفعالات وتصرفات وأفكار وذكرى ليصور مشاعر الخوف والقلق الذي ينتابه، بالإضافة إلى مشاعر الحزن والألم التي أصابت (علي الدبس) ليفكر في الموت والتي هيمنت على من خلال جدلية الصراع بين الأنا والأنا الأخرى، والتي وجهها لنفسه دلالة على الخوف الشديد من المجهول، " ...والسؤال في رأسك المرتعب يكبر ويكبر، ترى ما شكل الموت؟ هي المرة الأولى التي ستلاقي بها الموت وجها لوجه دون أقنعة، ولم يعد مهما الآن شكل سقوطك منكفئا على وجهك أو مبسوطا كسجادة صلاة على ظهرك، إن الموت لا يعنيه شكل جلوسك من وقوفك أو نومك أو حتى ركضك"(ص106) وهو ما جعل أحداث الرواية مبنية على تساؤل درامي مشحون بالخوف لتتحقق تلك النهاية القاسية التي كان يخشاها. وما صحبها من أفكار وذكريات.

هذه الافكار التي هي خبز الذاكرة وحطبها، والتي لا يحملها سوى الغريب الذي ينتقل من غربة الحاضر بما فيه من قسوة وصعوبات وعراقيل إلى آلام التذكر المسكون بالخوف الممتد في الطريق الطويل الذي ليس له نهاية "هذه الحرب حربك وحدك، وعليك أن تخوضها منفردا ومنفصلا عن كل شيء، عن خبز الذاكرة الذي تيبس، وشاي المعنى الذي برد حتى صار بلا معنى، وحطب الذكريات الذي تبلل بالحزن حتى ما عاد يصلح لأن يكون وقودا للقطار الذاهب نحو المجهول، عليك أن تعزل نفسك تماما عن كل شيء"(ص145)  

كما يعتبر أن هذه الحياة هي الطريق، الطريق المرغوبة منذ مدة طويلة، وليس هناك من طريق آخر، فجميع الطرق الأخرى، طرق زائفة. لقد وجدت الطريق الصحيح، وقد قادني إليك، إلى روحي لقد عدت خفيفاً ونقياً، فالرواية تفجر عالم الوجود في مراميه ليولد الحلم ويسبح في فضاء الحس الوجداني ليصور تفاصيل معيشية دقيقة ورسم ملامح وجودها.

6 / 7

وهذا الأسلوب الشيق يصور الصراع الذي يعيشه الراوي بما له من إحساس مرهف يدفعه التعبير عما يحيط به هذا الوجود باعتماده على قوالب إبداعية غاية في الدقة والجمال. ليصور آلامه وأحزانه وما يهمس به في حوار باطني مع نفسه في أغلب فترات السرد وفق ارادته وقدرته على النظر بعيدا والحفر في أعماق الذاكرة، "ما شأني بكل هذه الأمور وأنا القابع هنا بين ظل وصاحبه لا أدري أيني منهما، أستجدي الأيام أن تلين أكثر قليلا لعلي أفك رموز أحجيتي في الوجود فأعود لسيرتي الأولى سالما..." (ص100)، فتتقلب في وجدانه وتخرج من عالمه الخاص به إلى نطاق عالم المحسوسات إلى عالم آخر لا يدركه إلا من عايش التهجير والغربة، فكان الحوار الباطني يستمر لبعض الوقت ثم ينقطع مع كل حدث كبير، ليقرع بذلك أجراس الواقع الذي يعيشه في تلك اللحظة لتستمر بعد حين من الصمت ويعود صوت الباطن من جديد.

والسمة الأبرز في الحوار بين البطل ومن حوله هو تلك التنقلات الحوارية بينه وبينهم، فلم يكن حوارا من طرف واحد، حيث ينتقل في روايته من السرد إلى الحوار العادي إلى الحوار الداخلي، ليكشف لنا حقيقية الشخصية وطبيعتها، ثم كشف التمزق الداخلي الذي عاناه في حياته وتنقلاته.

 وفي الختام يمكن القول أن هذه الرواية قد حفزتني للكتابة عنها بأسلوب صاحبها الذي يبدو ساردا صعب المراس يتجول بين ثنايا السرد يبني للرواية بيتا ليحدثنا عن غربة الإنسان في وطنه وعالمه وصعوبة التواصل مع الآخر، وضع فيها تجربته الشخصية مع الغربة والاغتراب عن وطنه الأم، وما يختمر في نفسه من معاناة الفراق. وهنا أعود إلى ما قاله "جان كلود رونو" في كتابه " كلام الراوي ": " إن أولى أدوات الراوي هي ذاته، لا أقول صوته فقط ولكن شخصيته، جسده، مدى اللذة التي يشعرها حين يروي".


 كما لا يفوتنا القول بأن رواية " سماء صالحة للرقص"، رواية متنوعة المشارب والأنواع سافر بنا صاحبها بين روحه وأفكاره ليجمع لنا نصا ينزاح إلى ضرب من التحليل النفسي لشخصياته التي تبدو شخصيات مركبة بثت خواطرها وأفكار صاحبها بأدوات فنية جمعت بين التذكر والغوص في الذاكرة لاستثارة الواقع لتحويل المعيش المنقضي إلى مقروء يكشف
عن ملابسات الكثير من وقائع الذات، ليلهب سياط عذاباته وتقوده في رحلة تتزين بأزياء متباينة تتجاوز فيها اللغة إلى الكلام، وإلى العبور من الكلام العادي إلى الكلام المألوف اليومي إلى صورة تتغير في الطبيعة الذهنية للمدلول ليحقق وظيفته في الرواية.  

 

 

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي