loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

رواية "أرانب السباقات الطويلة" للروائي المغربي الميلودي شغموم

breakLine

رواية "أرانب السباقات الطويلة" للروائي المغربي الميلودي شغموم


عبد الإله الجواهري - كاتب وناقد مغربي

عندما تتشعب الحقيقة وتضيع معانيها في مغرب السبعينات

" يخطئ من يظن أن لا عدو له، فقد علمتني مهنتي أن أفضل الناس وأحكمهم، قد يكون له أعداء ألداء لا ينتبه إلى وجودهم وهم يكيدون له: إن الشرف رذيلة، وقد يكون جريمة، في أعين الأشرار الخبثاء." (ص 30).
بهذه الكلمات القليلة الدالة يعبر "بوعزة الضاوي" عن مكنونات النفس، وخسة الحياة، وهو يقف في مواجهة قضية معضلة، قضية اختفاء السيد "ناصر العبيدي" أو "ناصر الفكاك"، الذي اتهم بجريمة نكراء، تهمة الزنا بالفروع، وتمريغ شرف الأمن في الوحل، مادام هو نفسه عميد شرطة ممتاز، مفتش من المفروض حماية الوطن والأخلاق. اختفاء لغز، يحمل دلالات قد تكون دلالات مؤامرة سياسية، وربما دينية، أو ربما أخلاقية، لكن بالـتأكيد ليست قضية جنحية، أو نفسية، أو اجتماعية، لأن جريمة كيف ما كان نوعها الجنحي، لا يمكن أن تمسح مسار شرطي بجرة قلم، وهو ما عبر عنه السارد بقوله من خلال صيغة معكوسة: " هنيهة من العمر، حقيقة أو وهمية، تقضي على العمر كله " (ص 11). لقد تحول المتهم إلى مجرم يحاكم من أجل ممارسة التطهير والتنفيس على الأنفس، حسب ما كتبه الصحفي "سعيد الفك".  
إذن، البحث في الجريمة الموكولة "للضاوي" ليست بالمهمة السهلة، ما دامت تحكمها خلفيات سياسية أكثر مما تحكمها خلفيات إنسانية محضة، خلفيات لا نعرف اتجاهاتها المتفرعة، والمتقاطعة مع مهمات أداء الواجب، بإعتقال المجرمين وتعذيب المعارضين الواقفين ضد السلطة والبلد والانبطاح لمؤامرات الجنرال الساعي لقلب النظام..
"ناصر" واقع في قلب واقع لا معنى له، لا روح له، بل لا بداية ولا نهاية تحدد أفقه، تتداخل الخيوط وتتشابك، بين الماضي الغارق في لجة الذكريات المتقاطعة، أي بين حلاوة الروح وقساوة الظروف، وحاضر موبوء بمهمات موكولة، وعمليات قذرة، قام بها دون أن يرف له الجفن أو تتزعزع عقيدته في الوفاء للواجب والسادة والوطن، وفاء قاده للوقوع في متاهات السلطة الكافرة التي لا ترحم في كثير من الأحيان من وقف إلى جانبها ، فبالأحرى من واجهها، أو رفض وصايتها والتعاون معها، لهذا وجد نفسه في مستشفى للمجانين صامتا غارقا في لجة الوحدة والانغلاق على النفس، وانتظار السراب الذي قد يأتي أو لا يأتي، سراب جاء، بعد زمن، من حيث لا يدري بطل الرواية " ناصر"، ولا يدري أيضا القارئ، ولا يدري قبلهم جميعا السارد، السارد الذي وجد نفسه هو الآخر، أمام عالم مغلق، وحقائق مقلوبة، وبحث بوليسي غير مكتمل، بحث يشبه المجتمع الذي رصد له، مجتمع هلامي محافظ متمرد تقدمي ورجعي في نفس الآن، مجتمع لا تكتشف فيه الحقائق والجرائم بالتحقيق والبحث، وإنما بالإكراه والتعذيب الجسدي والروحي ..
"بوعزة الضاوي" و"سعيد الفك" ومن سار في دربيهما على طريق البحث، سواء البوليسي أو الصحفي، سيجدون أنفسهم أمام حقيقة غامقة كالحة، حقيقة رجل منذور لطفولة غير سوية، وماض عائلي مخلوط بسنوات السيبة، والمواجهة في فضاءات مغربية قاسية، فضاءات نواحي مدينة بني ملال، التي هرب منها الأب، بعد فتنة غير منتظرة بين أولاد غانم  وأولاد عبيد، بمؤامرة / مباركة القايد (رجل السلطة المتجبر) "عباس" صنيعة الاستعمار، وضريح "سيدي محمد الفكاك" ( فكاك الوحايل )، ومزار الولي "ربي يحيى الخضر" بضواحي مدينة بن أحمد، عاصمة قبائل أمزاب، أو كما يقول عنها الراوي الأعمى: "كان سكانها دائما ثلثهم من العجزة وثلثهم من العقلاء والثلث الباقي من المجانين، بل هي مدينة منذورة للخراب وفي نفس الآن رمز للنهوض والبقاء، بهذه الحاضرة كان طموحه يكبر ويحلم بتركها لأنها أصغر من أماله الواسعة ، ليحل من بعد بمدينة الدار البيضاء، التي اختارها للعمل والإقامة وقبلها الدراسة وكسب قوت العيش، اختيار مخالف لاختيارات بعض زملائه، خاصة منهم زميله "علال الزاز"، الشاب المستكين للحظات النشوة وقضاء الحاجات. ثم مدينة الرباط، المكان الذي اعتقد انه أكثر الأماكن هدوء وتوافقا مع النسيان، المكان الأبعد في مملكة بورغواطة وحدود نهر أبي رقراق، الذي لم يعن له يوما أي شيء، قطعه وتجاوزه نحو الضفة الأخرى.
"ناصر"، كائن هلامي الوجود ومشتت الفكر والهوية،  تتقاسمه " قناعات " ثقافية متداخلة، الثقافة العربية والأمازيغية المسلمة، والثقافة العربية، والأمازيغية اليهودية، بين الأم البيولوجية (ميمة) و" أخت " الأم بالحب والتربية (مسعودة)، الأولى ظلت  متمسكة ببقائه جانبها واقفة في وجه رحيله إلى مدينة الدار البيضاء، والثانية مشجعة له على هذا الفعل من أجل تغيير الجو والوقت: " الدار البيضاء، سيقول له الأب، وهما يصعدان إلى الحافلة، في ابن أحمد التي ستقله للدراسة فيها، الدار البيضاء أوليدي، ما كاين غير دفعني ندفعك، و كولني أو ناكلك، أشري تاكل ، أكري تبات، كلشي بالفلوس أو لا بالجهد والقوة، بالجبهة، تقول ما ابقى فيها واحد، غير واحد، يشبه ابنادم ... وتضيف اليهودية التي صاحبتهما إلى محطة الحافلات: ولكن فيها ما يتعمل و فيها ما يتشاف .." (ص 48)، تضيع الذات وتتلاشى بدل أن تحصل على مناعة قوية، مناعة تعطى للفرد كينونة الوجود والحياة، رغم أنه متلبس بثقافتين قادمتين من نفس الجذر والأصل. وحده الراوي الأعمى أمده سنوات الطفولة، ببعض المناعة الفكرية، والعشق الروحي للمكان والإنسان، بل لكل ما هو دال وجميل، سرد لسير الأولين، وترميم للذاكرة المهددة زمنيا بالزوال والنسيان. 
عندما أضحى "ناصر" شرطيا، تمسك بحبل الشفافية والنزاهة العملية، شكل نوعا من الاحترام النادر، لأنه لم يكن يقبل رشوة ولا ترقية دون وجه حق، ولا يتقد م لمباراة إلا بعد أن يكون على كامل استعداد، هكذا ارتقى من مفتش بسيط إلى أن أصبح عميد ممتاز، شرف ونزاهة ولابد من أن يجلبا له، في مجتمع الأسوياء، التقدير والاحترام، لكن هنا في مجتمعنا، وكما يردد "الضاوي": " يخطئ من يظن أن لا أعداء له.. لأن الشرف رذيلة بل جريمة في أعين الأشرار الخبثاء " (ص 30).
زواج "ناصر" ب"الصافية" و إنجابه لأبنائه الثلاث، وشؤم الشك المتربص بالزيجات " السعيدة "، وقبلها موت الأبوين الذين جاء بهما إلى تربة الدار البيضاء الغريبة عنهما، وضعه على سكة الحياة الملغومة والسهرات المشؤومة، رفقة أربعة مفتشين ممتازين "عزاب" و"راضية" المرضية، لتكتمل عناصر المأساة وتنسج خيوطها القذرة، ويتهم "ناصر"، المفتش النزيه، بالجرم المرفوض دينا وخلقا، الزنى ببناته، بنات لن يذكرهن في مذكراته، التي دبجها وهو في غرفة منعزلة بالمستشفى، رغم وقوفه الطويل عند كل النساء اللواتي عرفهن أو عاشرهن:" ميمةط و"مسعودة" و"الصافية" و"راضية" و"فضيلة"، مذكرات مكتوبة بطعم اللغز، منسوجة من خلال جمل عامة وتفاصيل غامقة، لا تبرئ كاتبها ولا تدينه، ورغم محاولات "الضاوي" البحث عن خيط يقوده لبراءة الرجل، فإن المقدم الممتاز "عادل بلمقدم" يثير إنتباهه، قائلا له: "لا يوجد برئ براءة كاملة إلا في القصص، وحتى في هذه القصص تستطيع أن ترى حبل عدم البراءة، خذ مثلا قصة ليلى و الذئب، كيف يعقل أن تكون ليلى بكل السذاجة وألا تقدر على التمييز بين جدتها والذئب؟ إن ليلى تلعب، تلعب دور الضحية، دور الساذجة، دور البريئة، تلعب فقط. هذه القصص مرايا للحياة، مرايا معكوسة وعاكسة في نفس الوقت. لن تجد بريئا واحدا في الحياة، الكل يلعب، واسأل اللاعب ماذا يحفزه، ماذا يشده إلى اللعب، ولماذا يصعب، أو يستحيل عليه التخلي عن اللعب." (ص 98).
صحيح أن "ناصر" تعرض لمؤامرة الزوجة والأولاد، ومعهم بائع المخدرات "كريم القرش"، لكنه لم يكن بريئا براءة تامة، وإلا ما الذي جاء به هاربا من الدار البيضاء نحو الرباط ؟، ألم يكن هروب من الرعب أو ما يسمى بسنوات الرصاص؟. ألم يساهم في إشعال النار وهرب للنجاة بالنفس، هروب استغفار أو بحث عن مكان آمن، مكان للنسيان، وهو ما عبرت عنه "راضية" بقولها: "الضحية قوية، أقوى من كل جلاد، لأنها تتسلح بمبدأ، بحلم، والجلاد أضعف لأنه خائف، مرعوب من كابوس، هذه حال كبار الجلادين، والمشرفين على الجلد، فما بالك بصغار الجلادين والمنفذين له من أمثال "ناصر الفكاك" في ذلك الوقت؟" (ص 104)،" ناصر" كان مثله مثل عشرات الجلادين الصغار، " كأي واحد من موظفي الشرطة والأمن، يعتقد أنه يخدم مؤسسات بلده، لا يميز، مثل العديد من أمثاله، بين خدمة المؤسسات وخدمة الشخص" (ص 108).
"ناصر" وجد نفسه في مستشفى المجانين، وحسب زميله "محمد النوني"، نزيل نفس المكان، لقد كان هادئا بعيدا عن أعراض المرض النفسي، يخلو لنفسه، لم تزره إلا امرأة عجوز عمياء وصبي يوجهها. "مسعودة" اليهودية أكدت، أن المرأة لم تكن سوى رجل، الرجل ابن خالتها، رجل مهرج جاء لمساعدة "ناصر" على الهرب والاختفاء واللجوء لبلد بعيد، بلد العم سام، جنة الهاربين من قمع بلدانهم..   
"ناصر" المغلوب على أمره، لم يكن سوى حلقة في سلسلة من المؤامرات السياسية لمرحلة سوداء من تاريخ المغرب،" لم يكن سوى ضحية من ضحايا حلم أكبر منه ومن طموحاته اللامتناهية، طموحات محفوظة في الصندوق الغامض للدولة وأعوانها والخارجين عليها من الضعفاء والأقوياء" (ص 142)، حلم لو مزجناه بالتين والبصل حتما سيعطينا " طبق الديكة "، أو رواية من توقيع "رشيدة الفكاك". "الديكة الديكة؟ الديكة البشر الذين يقتتلون في حلبات صراع ضيقة إلى حد الموت وأغلب الذين يراهنون عليها يخسرون" (ص 143)..
لكننا نحن الذين راهننا على قراءة، هذا النص الروائي الجميل، لسنا بخاسرين، لأنه حملنا روائيا إلى مرحلة شائكة من تاريخ المغرب، وجعلنا نعيشا سردا معمدا بالدربة والصنعة في تسييج الأمكنة وتحويلها لفضاءات إبداعية قاهرة، وتقديم شخصيات مقتطعة من واقع مغربي أليم، مغرب سنوات الرصاص والقهر وتكميم الأفواه، دون السقوط في فخ التأريخ الفج، أو محاولة استدرار العطف، والدخول في لعبة القص الكلاسيكية التي تعطيك الأجوبة دون طرح الأسئلة، أو تجرك للقراءة البئيسة الباحثة عن حل سمج لأحداث متسلسلة، أو ترحال لغوي منمق.
إن القارئ يجد نفس، في هذه الرواية، وسط سلسلة غير متعاقبة من الأحداث، إن لم نقل في التباس تام، يجعله يقف أمام متناقضات غير متناغمة على حلبة تتعارض فيها الرؤى، وتبتعد عن القيم السردية الوفية للحكي البوليسي، الحكي الذي يبحث عن المجرم وفعل الجريمة، قبل البحث عن المتعة ولذة التدبيج والكتابة، وصياغة عوالم بلاغية تجهد النفس بحلاوتها، وغموضها المستفز الذي يقود القارئ نحو عوالم وجودية غير موجودة إلا في ذهن السارد، السارد الذي لا يعرف أكثر مما تعرف الشخصيات المساهمة في تقديم الأحداث، أو الروائي نفسه وهو يعمل على بناء المعمار الروائي لهذه الرواية المغموسة في عرق تجربة الميلودي شغموم الطويلة في ترويض الكلمات، ومساءلة الواقع المغربي بتفاصيله الكبيرة والصغيرة، وأحداثه المفرحة والحزينة في مراحل تاريخية متباينة.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي