loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

سطوة التراث من اين يشتق العنف مفاهيمه

breakLine
274 2020-06-30

سطوة التّراث… من أين يشتقّ العنف مفاهيمه؟

د. ريتا فرج
"باحثة لبنانية في علم الاجتماع".

يستدعي تفاقم العنف الدّينيّ في العالم العربيّ، تكثيف الخطاب العقلاني التّنويري للخروج من الانسداد التّاريخيّ الّذي يمرّ به الإسلام المعاصر، المصادر من قبل مجموعات وحركات إسلاميّة، تدّعي النّطق باسمه. طرح كثير من الباحثين تحديداً أولئك المهتمّين بالفلسفة الدّينيّة، ضرورة عقلنة الدّين والإيمان الجمعي، بغية الحدّ من الغلوّ والتّطرف، وتكريس الأنسنة، وإعلاء قيمة الإنسان وحضوره في الفضاء الدّينيّ الرّحب، ما من شأنه أن يؤنسن البعد الإيماني ويبني شراكة تفاعليّة بين الأفراد والجماعات.
يُعدّ المفكّر العراقي عبد الجبّار الرّفاعي (1954) الحائز على شهادة الدّكتوراه في الفلسفة الإسلاميّة (2005)، من بين الكتّاب العرب الّذين أولوا قضيّة الحداثة الدّينيّة اهتماماً ملحوظاً على مستوى الإنتاج الفكريّ، فأصدر عدداً من المؤلّفات على هذا الحقل المعرفيّ، يضاف إليها المجلّة الفصليّة “قضايا إسلاميّة معاصرة” الّتي انطلقت عام 1997، وهي تهتمّ في تحديث الفكر الدّينيّ، وقد عدّها المعهد البابوي (روما) في كتابه السّنوي (2012) بعدما انتخب بعض نصوصها في مختلف أعدادها، وترجمها إلى الإيطاليّة والإنجليزيّة والفرنسيّة؛ أهمّ دوريّة عربيّة في العقدين الأخيرين في مجال تخصّصها. وقد أشرف وأعدّ “موسوعة فلسفة الدّين” الّتي غطّت، بالإضافة إلى التّمهيد (الجزء الأوّل)، “الإيمان والتّجربة الدّينيّة” (الجزء الثّاني)؛ “علم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللّاهوت الجديد وجدل العلم والدّين” (الجزء الثّالث)؛ “الهرمنيوطيقا والتّفسير الدّيني للعالم” (الجزء الرّابع) ( دار التّنوير للطّباعة والنّشر، مركز دراسات فلسفة الدّين، 2014-2017).[i]
يرى الرّفاعي في خلاصاته العامّة حول تحديث التّفكير الدّيني، أنّ البناء الحقيقي يقتضي إشاعة فهم عقلاني متسامح للدّين، يبعث الأبعاد التّنزيهيّة العميقة في جوهره، ويعمّم صورته الإنسانيّة؛ تلك الصّورة المغايرة لما تريده الجماعات [المتطرّفة] الّتي تعمل على تقديم صورة متوحّشة زائفة للدين؛ فرسالة الدّين ومقاصده الكليّة غايتها، إشاعة السّلم والتّراحم والمحبّة بين النّاس، والسّعي إلى تجفيف منابع العنف والعدوانيّة والتّعصب؛ والنّقد -عنده-  مصدر التّطور الفكريّ والاجتماعيّ، وأساس التّقدم، وشريان تحديث كلّ شيء وتجديده، ولا حياة للتّفكير الدّينيّ في الإسلام إلا بتواصل المراجعة النّقديّة واستمرارها. وفي سبيل جنيّ معطيات النّزعة الانسانيّة في الدّين _ كما يؤكّد الرّفاعي_ لا بدّ من تخطّي المقولات النّمطيّة المغلقة في اللّاهوت الكلاسيكيّ؛ ما يتطلّب فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التّفكير اللّاهوتيّ؛ وهذا يعني طرح تساؤلات واستفهامات جديدة، عبر القراءات النّقديّة للتراث الكلاميّ، تفضي إلى التّحرر من الصّورة النّمطيّة للإله، الّتي تشكّلت في سياق الصّراعات الدّامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب.

بناء إلهيات عقلانيّة

في كتابه “إنقاذ النّزعة الإنسانيّة في الدّين” (مركز دراسة فلسفة الدّين (بغداد)؛ دار التّنوير للطّباعة والنّشر (بيروت)، الطّبعة الثّانية، (2013) يقدّم الرّفاعي مجموعة من النّصوص تكشف عن وظيفة الدّين الأصليّة في إنتاج معنى لحياة الإنسان، والدّعوة إلى احترام كرامة الكائن البشريّ، وإشاعة السّلام بين المجتمعات البشريّة عبر دراسة الأديان ومقارنتها، واستلهام الميراث المعنويّ العميق، واستدعاء التّجارب الرّوحيّة التّطهيريّة، وبناء إلهيات عقلانيّة، تساعد على التّحرر من التّفسيرات التّعسفيّة القمعيّة للنّصوص.
ينشغل صاحب “جدل التّراث والعصر” (2001) بالإشكاليات الآتية: كيف يمكن بلورة الإسلام التّراحمي في ثقافتنا؟ ما هي الأدوات المعرفيّة المؤسّسة للعقل النّقديّ الّتي من شأنها تغليب الأنسنة على النّزعات العنفيّة والتّكفيريّة والإلغائيّة؟ هل تؤدّي مأسسة التّسامح وقبول الآخر الّتي تجد مساحات واسعة في القرآن الكريم إلى الخلاص من الإيديولوجيات الدّينيّة القمعيّة؟
ينطلق الكاتب من نقد ما يمكن أن نسمّيه “العقل النّصوصي” أو “العقل الإسترجاعي” المنغلق والماضوي والمناهض للعقل الحداثوي/ التّساؤلي، أي عقلنا الرّاهن بوسائله وعدّته التّأويليّة الّتي تجيب عن الأسئلة الكبرى في الدّين والاجتماع الإسلاميّ وما ينتجه من تحدّيات.
لا ينفصل الكتاب في فصوله عن مساءلة التّراث والدّعوة المتكرّرة إلى الإصلاح الدّيني، بهدف بناء لاهوت إسلامي/ جدلي قادر على تجاوز الإنغلاقات التّاريخيّة، والنّهوض بالإنسان، والقطع مع فقه التّنابُذ.
يستحضر صاحب “تطور الدّرس الفلسفي في الحوزة العلميّة” (2000) مفاهيم المعنى والوجود عند جلال الدّين الرّومي (1207_ 1273)، ناظراً إليها بوصفها ميراثاً ينشد كرامة الكائن البشري، ويرسّخ النّزعة الإنسانيّة في الدّين، ويؤسّس للمحبّة والأمل والعشق والتّعدديّة، بغيّة الخروج من مقولات نفي الآخر والتّشاؤم. استحضار الرّومي يأتي في سياق الانفتاح على المنظومة الغنيّة الّتي تركها والّتي تنفتح على حقول متنوّعة من المعارف الدّينيّة؛ يقول الرّفاعي أنّنا بأمس الحاجة إليها في عصر يغلب عليه فهم حرفي للنّصوص، أفضى إلى تفجّر التّعصب.
يحاج الكاتب خلاصات المفكر المصري، منظِّر اليسار الإسلامي حسن حنفي (1935)، الّتي صاغها في مؤلَّفه “من العقيدة إلى الثّورة”  وكذلك المفكر الإيراني علي شريعتي (1933_ 1977)  واضع كتاب “بناء الذات الثّوريّة“، ناقداً أفكارهما حول العقيدة منطلقاً للثّورة، عبر تحليل المدلول الاجتماعي لأصول الدّين، واستلهام الثّورة من العقيدة. وينتهي إلى القول: “إنّ الأدلجة الّتي أنجزها كلّ من شريعتي وحنفي أدّت إلى “دنيويّة الدّين” وإفراغه من محتواه المعنوي والإنساني والرّمزي”.

ثقل التّراث والنّرجسيّة الدّينيّة

تحت عنوان “فلسفة الدّين ولاهوت الحريّة” يستكمل الرّفاعي في حوارٍ أجرته معه صحيفة “المدى” العراقيّة أفكاره الّتي بدأها في النّصوص السّابقة، متحدّثاً عن قضايا عدّة مثل فلسفة الدّين، والتّأسيس للحوار مع الآخر عبر معرفته، ومكاشفته.
يدرس الكاتب أنموذجين في تحديث التّفكير الدّيني، الأول، أنموذج إسلامي إصلاحي عربي أرساه الإمام  محمّد عبده (1894_ 1905)؛ والثّاني، أنموذج إصلاحي إسلامي هندي نهض به محمّد إقبال (1873_ 1938).
على أهميّة الدّراسات الأخرى المدرجة من ضمنها “جدل العلاقة بين الإستبداد والعبوديّة الطّوعيّة” و”إسلاميّة المعرفة: قضيّة إيديولوجيّة من دون مضمون معرفي”، ثمّة نصان يستحوذان على الإشكاليات الأساسيّة المطروحة في الكتاب هما: “من أين تشتق الكراهيّة مفاهيمها؟”؛ “الأخلاق والنّزعة الإنسانيّة في الدّين”.
في النّص الأول يقارب صاحب “مقدمة في السّؤال اللّاهوتي الجديد” (2005) منابع الكراهيّة في ثقافتنا، مؤكّداً أنّ اشتداد سطوة التّراث* خصوصاً لجهة ما يسود في المجتمعات العربيّة من نزعات تعصّب، تعرقل كلّ فكر إبداعي جديد، ليس على قاعدة رفضه (أي رفض التّراث)، إنّما بما يمثله من مجموعة معانٍ، وأنّ هناك شروطا لغويّة وثقافيّة وسياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة لإنتاج المعنى. ينقد الرّفاعي دعاة الاستسلام للتراث واستدعائه بعناصره كافّة في حاضرنا، داعياً إلى أن يتجاوز الإيمان ما تراكم من شروح وتأويلات عبر التّاريخ، ويكون إيماناً نقدياً، ما يتيح مواكبة إيقاع الحياة وتخطي النّرجسيّة الدّينيّة والمنطق العقائدي الأحادي.
في سبيل زحزحة ثقل التّراث، على أساس أنّ المسلمين أبناء عصرهم، لا بدّ من إحياء حركة الاجتهاد وإعادة تشكيل الرّؤية التّجديديّة للخروج من سيطرة القراءة السّلفيّة التّبسيطيّة للنّص الّتي تولّدت في بيئة من التّراجع الحضاريّ. يقول الرّفاعي: “ترتكز معظم الإلهيات الموروثة على استبعاد ونفي الآخر، وتكرّس مركزيّة لاهوتيّة مطلقة…. إنّ حقلاً عريضاً من هذه الإلهيات لا محلّ فيه للحريّة الدّينيّة، أو إفساح المجال للآخر، ومساواته بسواه من الرّعايا على أساس مفهوم المواطنَة”. والحال، من المهمّ، تحليل ودراسة منابع اللّاتسامح، وبواعث العنف، والاعتراف أنّ الكثير منها يكمن في الفهم الخطأ للدّين. يحلِّل الرّفاعي المساحات الواسعة للتّسامح والغفران وإنتفاء كلّ أشكال الضّغط والإكراه عن الأديان والعقائد كافّة، كما أكّدتها الرّؤيّة القرآنيّة، الّتي منحت الإنسان حريّة الاختيار، رغم أنّها لا تساوي بين الهدى والضّلال.
استند النّص الثّاني “الأخلاق والنّزعة الإنسانيّة في الدّين” إلى نقد ما يصدر عن الجماعات المغلقة من قراءات ضيّقة للنّصوص المقدّسة، تتنافى مع “الإسلام الحضاري” وتعبيراته التّمدينيّة والجماليّة. يسعى الرّفاعي إلى تأكيد وبرهنة تجذر النّزعة الإنسانيّة في الدّين الإسلاميّ، وقد سبق لعلماء في الإسلاميات لعمل على هذا الموضوع، أمثال: محمّد أركون* (1928_ 2010) وجورج مقدسي (1920 _ 2002).
يعرض الكاتب في تعقّبه للنزعة الإنسانيّة في الإسلام لبعض المصادر الّتي كرّست محوريّة الإنسان، ككائن كوني، يستوعب كلّ التّجارب الايمانيّة المتنوّعة، فيستشهد بابن عربي وشهاب الدّين السّهروردي وغيرهما. لا ينحصر التّحليل عند هذا المستوى بل يقرأ الآيات القرآنيّة الدّاعية إلى الرّحمة، وقد لاحظ أنّ هذه الكلمة ومشتقّاتها تكرّرت في القرآن أكثر من 330 مرّة. في الختام يخلص إلى أنّ “السّبيل للتّخلّق بأخلاق الرّحمن يتحقّق عبر إنقاذ النّزعة الانسانيّة في الدّين وإضاءة أبعاده الخلاقيّة والمعنويّة والرّمزيّة”.
يصادم “إنقاذ النّزعة الإنسانيّة في الدّين” “العقل القروسطي” المرتكز على العنف الحركيّ وعبء الإنغلاق اللّاهوتيّ بدعوى حماية التّراث. ليس من السّهل التّصدي لكلّ هذه التّطرفات التّاريخيّة والرّاهنة، لقد آن الأوان لفهم الموروث الدّينيّ والثّقافيّ ونقده بغية الخروج من كلّ هذه الإكراهات الّتي تعرقل مسيرة تقدّم الإسلام وانخراطه في الحداثة.

**
‏[i]  من المهمّ الإشارة إلى ترجمة موسوعة  (Le buisson ardent et les Lumières de la raison : l’invention de la philosophie de la religion) “العوسج الملتهب وأنوار العقل: ابتكار فلسفة الدّين” للفيلسوف الفرنسي جان غريش (Jean Greisch) (ترجمة: محمّد علي مقلد، ومراجعة، مشير باسيل عون، دار الكتاب الجديد، 2020).
*  في تعريفه للتّراث يقول الرّفاعي: ” التّراث بمعنى مجموعة الممارسات الدّينيّة والعقائد والمفاهيم السّائدة في حقبة معينة من حياة المسلمين. فالتّراث مفهوم ثقافي أنتروبولوجي، والمجال مفتوح أمام المسلمين في كلّ زمان لنقد ذلك التّراث وتفكيكه، إذ بوسعهم غربلة ونقد المفروضات والقبليات والخلفيات والميول، ومقدّمات فهم الكتاب والسّنّة، والتّطلعات الدّينيّة الموروثة من عصور سالفة”.
*  يرى محمد أركون إن الإسلام شهد الأنسنة قبل أن تشهدها أوروبا في القرن السّادس عشر إبّان عصر النّهضة، ولكن هذه الحركة النّاتجة عن مزج الفلسفة الإغريقيّة بالدّين الإسلامي أُجهضت ولم تدم طويلاً، وحل محلها قرون المدرسانيّة منذ القرن الثّالث عشر، في حين ظلّت الأنسنة أو النّهضويّة الأوروبيّة مستمرة وصاعدة من القرن السّادس عشر وحتّى اليوم. (راجع: أركون، محمّد: معارك من أجل الأنسنة في السّياقات الإسلاميّة، تعريب هاشم صالح، دار السّاقي، بيروت، 2001).

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي