loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

سمفونية الروح وتباريح الوجد في بوح سعاد الناصر

breakLine

سمفونية الروح وتباريح الوجد في بوح سعاد الناصر

 

صباح محسن كاظم / ناقد ومؤرخ عراقي

 

شدو الجوى، وإيحاءات الروح، وعشق البوح، وتحليِق العارف بالخفاء، والكاشف للأسرار بالفناء، والباحث عن الرجاءِ، والصاعد للسماءِ.. تجليات متعددة تنكشف بهذا السفر الروحاني الجواني للشاعرة المغربية "سعاد الناصر " في ديوانها "هل أتاك حديث أندلس".
نجد إنثيالات الوجد في مقاطع تلك النصوص العرفانية، وتهويمات روحية، صوفية، محلقة في الغمام، ومتعالية تُنشد للطُهر، وللعفاف، والنقاء، ولرضى الرب خالق الوجود، وموجد الروح. شدو يتغنى بموسيقى تعزفها أصابع ملهمة، وترانيم صدق من عارفة، مُبصرة، متيقنة، سالكة طريق العرفان للصعود، والإرتقاء، والتكامل النفسي.. نستشف من هذا الديوان العرفاني المُشع بعبق الإخلاص واليقين، ونصوصه الروحية الأنيقة، أغنية للتسبيح بمطلع الصباح، للعروج نحو الملكوت بتجليات وإنثيالات روحية تبث أريج عطر التوحيد بالسمو والإرتقاء نحو الكمال، والبوح الروحي للأنس بالله وحده. فالارتقاء ونشدان الصفاء طريقها للتعبير عن النقاء الذي تتحلى به، والوشم الذي تتصف به. تسعى لنشيد الروح بنصوصها الشعريّة المتدفقة بالتعلق بالابتهالات الوجدانية، والعاطفية، وهي تعزف لحن التوحيد، والذوبان 
كذات منتجة بالإضاءات المعرفيّة بحب الله. 
 الديوان قرأته أكثر من مرة، وفي كل مرة، تتكشف لي أسرار وتسبيحات صوفية، وأوراد متفانية، ومناجاة وحدانية، وابتهالات للعشق بمنتهى الرقي وجمال البوح، كأنها تُسرج النفس والروح للارتقاء في تناغم وتناسق مدهش، نحو المُرتجى من التكامل، والوصول بالسفر إلى الحب والعشق الإلهي، بتلك الألواح الوجدانية.. القلبية اليقينية.. والعقلية المبصرة لطريق الحق، فتتجلى مختلف المفازات، والتباريح تتغلغل في ذواتنا عميقا. 
وكلما أعزم على الكتابة عن المعنى واقترانه بجمالية التعبير وثيمة العطاء في الديوان، أجدد إعجابي بسر البوّح، ونشيد الروّح، فيترآى لي: جمال النظم، وموسيقى الشعر، وبهاء الصورة الفنية، والتناص القرآني الذي أجادت الشاعرة سعاد الناصر استخدامه. وتلمع وتبرق فيه إضاءات من البوح والتأمل، والتعمق، والذوبان، والإخلاص، والرؤى، وضوء الإيمان، ومصباح الأمل، والوضوء المُطهر لكل خطيئة، ووهج من يسلك الصعود صوب الخلود في سمفونية الروح ل "سعاد الناصر"، كأنها تمسك بأيدينا صوب الصعود الروحي بالعشق الصوفي، المُعبر عن بياض الروح للتسامي، والتكامل بالوجود الإنساني، لأحضان الطهر، والملاذ للسكينة والطمأنينة بدفء المحبة القلبية. تغرد للسمو الروحي بتجلياتها 
التي تخبيء النقاء، والبهاء، والسناء، والعرفان، -الأندلس- 
الحلم الجميل، والفردوس المفقود، الذي ضيعناه، باختلاف الأمراء ونزعاتهم نحو الشهوات، الأندلس التي فتحت بوابات السماء، للفكر والوعي والفن والحضارة الإسلامية، عندما أخلصتنا لعقيدتنا، فكيف السبيل لحلم جديد! 
لقد صاغت الشاعرة والأديبة الحكيمة العارفة "سعاد الناصر " بهذا السِفر الصوفي إنثيالات الروح وتساميها في أفق البوح الشعري، والوصل للحبيب بلغة شعريّة شفيفة كروحها، وبإتقان عكس إشراقات النقاء والجمال والسمو لروح المتألقة بوجد العرفان والمعرفة اليقينية التي تمتاح من مرجعياتها المعرفية والقلبية لإنشاد نصوصها، التي تمور وتتموضع حول العشق الإلهي في هذه المدونة بحروف مقدسة، تشدو للتوحد.. والذوبان.. والتماهي بين العاشق والمعشوق.. ومنذ العنوان "هل أتاك حديث أندلس" يتجلى بوضوح الرؤيا التي تسعى إلى تحقيقها، بتطلعها نحو معارج الكمالات في بوحها المُعبر بالسؤالِ، والكشف عن الإرتقاءِ، والسمو للتكامل والتواصل بالسفر، كالسندباد الذي يبحث عن المرافيء الآمنة، للوصول إلى النبع العذب فرات الوجد والعشق بانزياح لغوّي أتقنت "الشاعرة سعاد الناصر" استخدامه بتقنيات ومهارات عالية في معظم مقاطع نصها الباذخ المفعم بالشعريّة، والتي برعت في صياغة دلالاته ومعانيه وجمالياته من السؤال 
والإستفهام هل أتاك؟ للانفتاح نحو حلم جديد لن يتحقق إلا إذا ارتقت الذات نحو معارج القيم الإنسانية ونبذ كل سواها عنف وظلم وفرقة وكراهية. 
جاء في الإهداء الجميل، كغدير ماء لفرات عذب يُسقي الظاميء في قيظ البيداء:
"وَهَجٌ يَسْكُنني يُدْنيني مِنْ مرافئِ عَيْنَيكْ يمنَحُني نَبْضَ الكَوْنِ وفَجْر اً قُدْسيّ الأَلْوانْ هَا فضَاءُ الوَصْل يُعانقُ أَنْدلسَ البَوحِ ويَسْتنْطقُ أَسْرارَ العُمْرِ فإذا أُبْتَ مِنْ سَفرٍ أفَلا تَدْري أنَّني البَحْرُ العذْبُ فتَوضَّأْ منْ نبْعِ فُراتهِ ثم وَاصِلْ تَوغّلكَ في عُمْقِ الأَحْضانْ"، هو إهداء يتماهى مع دلالات متناثرة على طول الديوان، تعبر عن دعوة للوحدة، والبحث عند الآخر عما يغني ويؤلف.
كما يتماهى مع التشكيل الصوري المُتخيل ببراعة كما في ((وميض تناثر في خيال)) ((إذا مَا المَساءُ أَغْواني بِوَصْلٍ ترَكْتُ الروحَ تُفْضي إلى فَيْضٍ)) فالوصل لغة مع المعشوق تُعبر عن التوحد، وذائقة بطعم السعادة في الوصل الصوفي. تقول: 
"أنا بَوْحٌ تجلَّى في غَمامْ وَميضٌ تناثرَ في خَيالْ إذا مَا البرَدُ أسْكنَني مَقاماً تَلاقحَ في مَواجيدي سُؤالْ، سُؤالٌ وجْهتي وأنتَ يقينُ السؤالْ، أناَ أندلسُ الرُّؤَى أَسْري نَديةً في سِرِّ الوُجودْ، إذا 
مَا المَساءُ أَغْواني بِوَصْلٍ ترَكْتُ الروحَ تُفْضي إلى فَيْضٍ، ألاَ 
مَنْ يَكْتمُ الأَسْرارَ عَنِّي فَإنِّي قَدْ كَشفْتُها في عُمْقِ السُّجودْ"، فالذوبان، بالإبتهال، والفناء في ذات المحبوب تستبطن رؤية صوفية تعتمد الإنعتاق والتجرد من ملذات الوجود، بالذوبان والتوحد بخالق الوجود.. أظهرت جودة براعتها في هذه المقتبسات من "هل أتاك حديث أدلس "
الشاعرة سعاد في سفر وترحال مع الجمال، ووجد الوصال، وترانيم عشقية تتبتل بها بروح ساميّة، تسلك المراقي، والمطالب العلويّة لتحقيق الابتغاء، وهو الانعتاق الروحي، والوصول إلى رضى الرحمن.. لقد أدرك المتصوفة ومنهم الحلاج الحب الإلهي.. يقول المفكر عزيز السيد جاسم بمتصوفة بغداد: ((لقد أدرك الحلاج الحب الإلهي، وأصبح العلم البارز – بين المتصوفة- في تقديم نفسه قرباناً لهذا الحب)) يقول الحلاج: "إذا ذكرتك كان الشوق يقلقني وغفلتي عنك أحزان وأوجاع"، ويقول أيضاً: "حويت بكلي كل حبك يا قدسي تكاشفي حتى كأنك في نفسي" وله أيضاً: "مكانك من قلبي هو القلب كله فليس لخلق في مكانك موضع" نقوش على الحجر، نقوش على القلب، نقوش على الماء،نقوش على الرمل،نقوش على الجدران،ونقوش على سيقان الأشجار ..في إحالات.. ودلالات.. وإنزياحات.. ومعالجات لأجواء النص الشعري الباذخ لأفق التلقي بجمال الخطاب، بإعتماد د-"سعاد الناصر " التأمل الصوري والموسيقى الداخلية، والربط بين 
الغياب وحضور الحاضر الروحي من مخابيء الروح إلى التوحد مع الحق، من خلال إيقاعات التناغم بين الروح ومعشوقها، بمعنى: -علاقة الصوفي بالمطلق - ورسالة التوصيل لجمال شوق الروح المتماهي مع المعشوق في حبٍ خالص من الشوائب،يهشم الأصنام،فتبوّح به الروح، فتسمو للكمال الذات الشاعرة بقيمة الصفاء والبهاء والسناء،بعد أن سئم المتلقي من الأدب الإيروتيكي الذي يشتغل على مساحات الجسد، لفقر الشعر عند من إرتكن لهذا الجانب،غافلاً، متعمداً،عاجزاً عن النبش والحفر في جماليات العرفان والسمو الروحاني .. من نقوشها على الماء قولها:
"رِدي حِياضَ الشوْقِ روحي، أوْ فاطلبي غير الصبر ريا لظمآن، ورددي آيات يقينك تحيلين أصنام الشك هباء تحيلين حطاما كل الأوثان".. "وتُكاشِفُني في مَقامِ العَهْد إذِ القَلبُ مِن سُبحاتِ بهائكَ اغْتَرفْ، وَارْتوَى مِنْ رِضابِ وجْـدِكَ حَتى شَفَّ الذي بَيْننـا وَوصَفْ" 
"دَعي ما يسُد مصَبَّ اليقين دَعي صَلواتُ انْسِيابكَ تنْداحُ داخِلَ روحي تُراودُ كلَّ جهاتي تُعَطرُ كلَّ فَضائي عَساني أَصيرُ شراعَكِ في بحر جُنونكْ".. 
هذا النشيد وغيره من الترانيم الصوفية تجعل المتلقي يحلق في فضاءات.. وآفاق روحية شاهقة؛ أحسنت الشاعرة التعبير عنها من خلال سمفونية الوجد التي عزفتها بتلك الصور الجماليّة، المُشبعة بالصدق، والمُترعة بمختلف القيم الإنسانية الطامحة نحو اللارتقاء.


1- هل أتاك حديث أندلس، سعاد الناصر، مطبوعات مكتبة سلمى الثقافية، ط 1، 2012.
2ـ متصوفة بغداد، عزيز السيد جاسم، ص214

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي