loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

سيرة جيل ليلة العيد في مدنين في سنوات التسعين

breakLine

 

التصدير:مساء الخير أيّها الكرام...أواصل معكم في هذا النصّ الجزء الثاني من سيرة جيلنا ...مرحبا بكم جميعا.

الإهداء:إلى أجمل اُمرأة في العالم..تَعَمَّدَ جيلُنا-و أنتَ منهم-بنارِ هواها سواءً اُعترفَ الصادقون أو أنكَرَ المُداَهِنون...إلى سيّدة فاضلة عشقناها جميعا دون أن ندري لها دينا و لا لغَة 
و لا عِرقا و لا وطنا و لا أباً نخطِبُها منه...إلى سيّدة تُطِلُّ علينا
بوجهها الصَّبُوحِ و اُبتسامتها المشرقة فَيسكُنُ غرامُها المخيّلَةَ
و الجسدَ...إلى تلك السيّدة التي تُزِينُ صورتُها علبة مسحوق 
الغَسِيلِ...سيّدتي ..إن كنتِ فوق الأرض فكلّ عام و أنتِ بخير و إن كنتِ تحتَ الأرضِ فلا حول و لا قوّة إلّا بالله.

إلى أين وصلتُ معكم في النصّ الماضي؟؟ لا أدري...آه تذكّرتُ
...ينتهِي الخِصامُ و يعُمُّ السّلامُ و ينتشرُ الوئامُ بفضل جهود سفيرِ النَّوايا الحسنةِ"شكري بوشناق"أدام الله ظلّهُ على الأنامِ 
و رعَاه بعينه التي لا تنام فنغادرُ مقهى tout a coup بعد أن أدّينا الطَّقْسَ المُقَدَّسَ كأبهى ما يكونُ و بعد أن مَلَّ من وجودِنا النّادلُ الحزِينُ و خَار أملُه في الحصول على دخل إضافيّ في ليلة العيد يُوسِّعُ به نفقَةَ عيالهِ و ربّما شَتَمَنا في سِرّه و نعتَنا بأبناء"الذّوات".

نُغادرُ هذا المقهى رائِقِي المِزاجِ فالكلّ قد اُنتصَر في هذه الحرب و سجّلَ اُسمَه بأحرف من ذهب في تاريخ هذه الليلة الليلاء و ليست الخُدوشُ التي على خَدّه أو جبينه إلّا نياشينَ و أوسمة سيُفاخِرُ بها بعد اُنتهاء عطلة العيد أمام بقيَّة أصدقائه الذين لا تسمَحُ لهم عائلاتهم بالخروج هذه الليلة لأنّهم لم يبلُغُوا مبلَغَ الرّجال مثلنا و سيُفاخِرُ أَكْثَرَ أمام صديقاته و سيروي على مسامعهنّ أنّه اُنتَصَرَ على كَتِيبَة بأكملِها دُفعة واحدة و قد تصدّقُ هؤلاء الصديقات الوديعاتُ كلامنا و ترى كلّ واحدة منهنّ في كلّ واحد منّا بطولات عنترة ابن شدّاد و سيف بن ذي يزن[إيه يا صديقاتنا العزيزات الجميلات البريئات الطيّبات الوَدودات الطّاهرات...و الله الّذي خلَقَ السّماءَ بلا عَمَد..كنّا فقط نَكذِبُ]

نغادِرُ هذا المقهى و نسيرُ قليلا بمحاذاة مقهى"الأولمبيك" 
و هو  لصاحبه "علي العُوني "الذي يُحَبّذُ أن نُناديَه "علاء"و هو خمسينيّ لكنّه سرَقَ من الآلهة سرَّ الشباب فبَدا شابّا في الثلاثين .و هذا المقهى الذي لا يُغلِقُ أبوابه يرتاَدُه بعض العَابرين و أنصاف المُقيمين و خاصّة السّكارى في آخر اللّيل لأنّه يُوفّرُ "سندويتشات" رخيصة و حارّة يُعدّها اُبن عمّي النّادل "سالم" و هي جدُّ مناسبة لجيوب عشّاق اللّيل
و مزاجهم و مذاقهم.
نسيرُ قليلا حذو هذا المقهى ثمّ ننعطِفُ يسارا قاطعين شارع زعيم الأمّة المجاهد الأكبر "الحبيب بورقيبة"و نصعدُ أربع
درجات حجريّة ...نصعَدُها بهدوء قاتل و صمت مُرِيب 
و تهذيب أنيق لا يليقُ بنا لأنّه على يميننا يوجد مقهى "المرشي" الّذي يجلسُ في ساحته الواسعة معلّمونا العظماء 
و أساتذتنا الأجلّاء و آباؤنا الكُرماء و صاحب هذا المقهى "الحاج البوبكري" رجل صَعبُ المرَاس و لن يتَردّدَ في اُنتِهارِنا و طردِنا شَرَّ طردَة إن نحن أسَأنا الأدبَ.

نَمضِي في رِوَاق صغير اُنتصبت على حافّاته دكاكين قليلة تبيعُ ملابسَ جاهِزة و أحذية و تَخصّصَ أحدُها في بيعِ ملابس الأطفال المختونين من شاشيّات حمراء و صدريّات وجِبَب تقليديّة و أحذية صغيرة بيضاء جلديّة...نتجَاوزُ هذا الرّواقَ 
و نعبُرُ إلى سوقِ الصّاغةِ تارِكينَ على اليمين قَلعَتين حجريّتين صغيرتين بنتهُما البلديّة في مطلع الثمانينات لتَجعَلهما شاهدتين على عَراقَة هذه المدينة ...لقد أحببنا "مدنين" و تخيَّلناها في صورة اُمرأة حسناءَ فأطلقنا على هاتين القلعتين "نَهْدَيْ مدنين"...كانت "مدنين"حقّا اُمرأة بارعة الجمال و لها نَهْدان بارزان مُكَوّران مُستديران لَطِيفان رَخوَان أملسان كاعِبان مُغرِيان كأنّهما قنبلتان تستعدّان للانفجار و لا تنفجران...هما ..هما..هاتان القلعتان.

نعبُرُ سوق الصّاغة مُتلفّتين يسارا و يمينا لعلّنا نرى بعض المبشّرين بالزواج يشترون خواتم و أساور ذهبيّة لحبيباتهم المرافقات فنتنهّدُ في صمت و يقول كلّ منّا على حِدَة في سِرّه:"متى أكبُر و أشتريَ خاتما و إسورة لحبيبتي؟؟".
نصِلُ إلى شارع عَرَضِيّ في آخر سوق الصّاغة يربط بين جامع "سيدي علي بن عببد" و بداية "حيّ الزهور"...اِنتشرت على ضفاف هذا الشّارع و قبله بقليل في "ساحة الجلاء"بسْطاتٌ صغيرة تبيع بعضَ ملابس العيد و بعض لعب الأطفال 
و الهدايا و الحِمّص و بعض المكسّرات و "البسكويت"
و الحلوى الملوّنة ...أرى الآن معكم بساطا مِخْمَلِيّا أحمَرَ مٌتَهرّئا تُزِينُه بُقَعُ زيت و ثُقوب .على أطرافه صُفّفَت زجاجاتُ عطْر صغيرة و رَخيصَة و مُقلّدة ...و على جوانبه أكياس طافحة بأنواع من البَخورِ و العُطورِ : قرنفل و سِواك و عَفص و حِنتِيت و فاسوخ و عود قماري و جاوي و وَشق و داَد ..
و في وسط هذا البِساط قامَ كيس أبيضُ اللّونِ لُوِيَ بعناية عند أطرافِه فأصبحَ يستَظلُّ بهضبة صغيرة خضراءَ اللّون اُرتَشقَت فيها لافتة صغيرة كُتِب عليها "حِنّة قابسيّة"..كان صاحب هذا البساط رجُلا سِتينيّا أصلَعَ الرأسِ أدرَدَ الفم يرتَدي جِلبابا مَغربيّا و يصيحُ بصوتِه الرّخيمِ"صلّي ع النبيّ تربَحْ" و على عاتِقِهِ مِخلاة مُزركَشة ..يمُدُّ إليها يدَه بين الحين و الآخر فيَقبِضُ قَبضَة من البَخور و يرميها في الكانون المُجاور مُردّدا"وشَق و دَادْ في عُيون الحُسّاد"..فيَندَلعُ عَجاجُ البَخور كأنّه بُركَان صغير ...يَحدُثُ الآن شيء غريب لي ..
و ربّما لكم أيضا..تتسلّلُ رائحة البَخور من الذّاكرة إلى النصّ
و الفضاء ..جُدرانُ غرفَتي تَعبِقُ بالبخور و أعْطافِي تَتَنفّسُ بخورا..أتَشَمّمُ أصابعي و أوراقي ...كلّها تَفوحُ بالبخور...هل بلَغَ الأمرُ إليكم ؟؟تَشمّمُوا أصابعكم و شاشات هواتفكم التي تقرؤون منها هذا النصّ..هل تَعبِقُ أيضا بالبخور؟؟...إذن يبدٌو أنّ السّردَ أقوى من الواقع..إذن ليَحيَ السّردُ و لِيَسقُطْ السّاقِطون...
كانت هناك أيضا  بسْطَةٌ لا تخطِؤها العين و لا القلب و لا الذّاكرة "للعروسي" تبيعُ إسطوانات العيد خاصة أغاني "المختار الغزولي"و "الطاهر الجوك "و "عبد العزيز بن عون"
و "حسن البقلوطي"و "الحبيب الجبالي" و أحيانا "أم كلثوم"
و "عبد الحليم"..

.[ لا تزالُ دندنات تلك الأغاني تضِجُّ في أذني مثل "متغَطيّة الرّيشيّة  سبب دَايَ من متغَطية الريشيّة" أو "خُصّك منصوب خصّك قدّامه كرمَة شاهي بنجيك ناوي بنقلّك كلمَة" أو "ظلمك عدّيناه و أمرك طاعة"...بصراحة تدفعُني هذه الأنغام إلى أن أقطَع الكتابةَ و أشرعَ في الرّقصِ على أنغام ذلك الزّمنِ العَذبِ خاصّة أنّ رفيقي "وائل" و هو مهندس طيران في "أستراليا"لم أرَهُ منذ خمس سنوات سيقطَعُ هذا النصّ الآن
و يشرع في الرّقصِ...يتَمنطَقُ "وائل" حِزاما قُطنيّا أبيضَ ناصِعا لمّاعا "بشواويطه"...اُستعارَه على عجل من خِزانة زوجته...مَرْحى "وائل"..اُرقُص..لا خيرَ في شعب لا يَرقُص. يمُدّ ذراعيه و يساوي بينهما و يُطبِقُ أصابعه على رَاحة كفَّيه 
و يَمدُّ سبّابتيه مُلتصقتين و يُرَعّشُ إِليَتَهُ ثلاث رَعشات متتالية خفيفة و سريعة ثمّ ينفجرُ ضاحكا  ثُمّ يتمَالكُ نفسَه فيَرْشُقُ سبّابَتيه و إبهَاميه عند طرَفيْ حَقْوَيْهِ  مُديرا خِصْرَه مُتهَادِيا"لُولَا الغَلا يا عيوني و لولا الغلا يا ساكنة في جُفوني تْمَعْيِبْ عليّ النّاس و يلوموني..يقولوا غنِيّة مْتَبّعة زَوّالي"..يرقُص "وائل"نخْبا لأصدقائنا الّذين رَاحُوا أو الّذين تَغَيّروا قليلا أو كثيرا لكن ما إن نراهم حتّى تشرِقَ وجوهنا
و وجوههم بالابتسامات الصّادقة و ألسنتنا و ألسنتهم بالشّتائم المُقذِعَة...عُذرا عن هذا الفصل الراقص..اِجلس "وائل"...اُتركنا نكمل النصّ...أعود الآن إلى الكتابة.]

هل تتذكّرون أيّها الكرام أين وصلنا ؟ أم أغواكم الرّقص 
و أنساكم و أدهشكم "وائل"؟...ليست مشكلة...ما زلنا في أطراف ساحة الجلاء أي في الشارع العرَضيّ بين "سيدي علي ابن عبيد"و بداية "حيّ الزهور"...يكون هذا المكان عادة ضَعِيفَ الإنارَةِ .تضيؤه مصابيح عاديّة باهتة و كاسِفة حتّى أنّ بعض الباعة اُستعانوا بكشّافات يدويّة فنعبُر إلى مدخل "سوق القش"أو "سوق القذافي"أو "سوق الحطب".. تعدّدت الأسماء و المُسَمَّى واحد...كان هذا المدخلُ المُبلّطُ بحجارة صفراء ضيّقا -و كما قلتُ- ضعيف الإنارة و هنا بيت القصيد
و هنا مربِط الفرَس و هنا غار حِراء و هنا غار ثور..
و هنا الإلهام و هنا الوحي المُقدّسُ في حضرة"المُدنّس"
و هنا الجمالُ المُكدَّسُ و هنا الحبّ المؤسِّسُ ..و هنا سَكنَنا الحبّ و الغرامُ و كوت أضلُعنا الصّبابةُ و الهُيامُ ..و هذا ما نسيت الآن بعض تفاصيله لأنّي أشرفت على التسعين و بلغتُ من العُمرِ عتِيَّا و لم أكُن بدُعاء ربّي شَقِيَّاو أرجو أن أتذكّرهذه التفاصيل لي و لكم في الجزء الثالث من "سيرة جيل: ليلة العيد في مدنين في سنوات التسعين".

إلهي...اِجعَل لقرّائي حسنة بكلّ آهةِ حُبّ و اُغفِر لهم كلّ ذَنْب و أنِرْ لهم كلّ دَرْب..."أَماَنْ..أمانْ".. يا حبيبي يارَبّ.

(يتبع بحول الله)

تنويه و اُعتراف:الصورة المرافقة للنص من اُلتقاط اُبني
و اُختياره و قد راقت لي..لأنّها تُعطي لقرّائي الكرام اُنطباعا أنّني مُثقّف و قارئ كُتب و هذا ليس صحيحا...إيّاكم أن تخدعكم الصورة مثلما خدعكم البعضُ...أنا فقط مُذكِّر و ما أنا عليكم بِمُسيطِر.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي