loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

شياطين لم تصفد(دراما رمضان)

breakLine

 

قضية الدراما الرمضانية، منذ بدايتها تبدو مربكة، و تتطلب دراسة سيسو-درامية، لكون السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه، لماذا هذا الازدحام و التكالب على إنتاج المسلسلات و عرضها خلال شهر رمضان؟ هل يصبح المشاهدون-في رمضان- أكثر نضجا من الناحية الدرامية؟ و يستطيعون الوصول لتلك الأفكار العميقة المختبئة خلف لغة نص الكاتب و شطحات المخرج و إبداعات الممثل في تقمص الأدوار؟

هل يصبحون أكثر كآبة بسبب غلاء الأسعار؟ فيصبح من السهل أن تصل إليهم أفكار الحزن و تسيطر عليه مشاعر القلق، بمجرد رؤيته لتراجيديا مجتمعاتنا البائسة، بما فيها من  طلاق و خيانة و ظلم؟ هل يتحول المشاهدون إلى مجموعة من الساديين، بعد مشاهدتهم كل مظاهر الدماء و الشواء، و بالتالي يتقبلون هذا الكم الهائل من العنف و القتل؟ أم أنهم يفقدون كل مشاعرهم و تسيطر عليهم حالة اللامبالاة، لكثرة متطلباتهم و قلة إمكاناتهم، فتنتابهم نوبات هسترية من الضحك، و بالتالي يتقبلون هذا التهريج الذي يقدم على أنه كوميديا رمضانية؟

ما الذي يتغير في ذائقة المواطن العربي أو المسلم، خلال شهر رمضان حتى نرى هذا التسابق المحموم للسيطرة على عينيه و لفت انتباهه؟ مع أن الوقت يكون غالبا ضد هذا التسابق، بسبب أعباء التسوق و المجاملات الاجتماعية و الإرهاق العام، مما يعني أن الوقت المتاح للمتابعة، يصبح أقل مما هو عليه، في حالة الفراغ التي يعيشها ذات المواطن، ما قبل و ما بعد رمضان. أم أن الأمر مرتبط بعدد الحلقات؟ حيث يفرض عليك الشهر أن تختزل كل إمكاناتك الدرامية للتوافق مع عدد أيامه الثلاثين؟

ليست هذه الأسئلة وحدها هي التي تؤرقني بوصفي مواطنا مسلما، و التي أتمنى أن تجيب عليها شركات الإنتاج و الكتاب و الممثلون و المخرجون، السؤال الأهم، ماذا تريد أن تضيف هذه الدراما؟ أستطيع أن أتفهم عرض برامج دينية، نظرا للمكانة الروحية للشهر الفضيل، حيث يصبح الإنسان أكثر تقبلا و شغفا بكل الجوانب الدينية، و أستطيع أن أتفهم عرض البرامج التوعوية (مثل برامج أحمد الشقيري) و ذلك لأنها تسير على ذات الخطى مع البرامج الدينية، لكون الحالة الروحية العامة تساعد على تلقي و تقبل كل ما يرفع من قيمة الإنسان الروحية، دينيا و مجتمعيا، لكن تبقى رسائل الدراما الرمضانية مبهمة، حين نختصها بشهر محدد.

و لكي أكون أكثر دقة، سأتحدث عن متابعتي المتواضعة، للدراما الليبية تحديدا و لبعض مشاهدات الدراما العربية، و الحديث يتطلب مني أن أستدعي الذاكرة، عندما كنت طفلا، و قبل هذا التطور التقني الهائل، لم يكن في بيتنا سوى تلفاز واحد، و قناة بث واحدة، تبث برامجها على كامل ربوع البلاد، مما يعني أن الجميع يشاهد ذات البرامج و كل ما ينتج سيعرض على هذه القناة، في فترات بثها القصيرة أصلا، فالافتتاح بعد العصر و الإغلاق يكون عند منتصف الليل.

كانت الكوميديا هي التي تسيطر على برامج رمضان، فبعد أن تنتهي برامج الطبخ و الصحة التي تسبق الإفطار، تبدأ برامج الكوميديا بعد الإفطار مباشرة، و هي مجموعة من الأعمال البسيطة، التي لا تقوم على النصوص، بقدر ما تعتمد على موهبة الممثلين، و على مفارقات حس الفكاهة، دع عنك أن الناس في تلك الأيام كانوا يضحكون لأتفه النكات، كان الناس يتابعون مسلسلات رمضانية من أجل طواقم تمثيل محددة، لثقتهم بهم و حبهم لهم، و غالبا ما تكون هناك ما بين 3 إلى 4 مسلسلات رمضانية، تكاد تكون شبه ثابتة، بل إن التوجه العام في رمضان هو الفكاهة، فكل الممثلين يلتحقون بممثلي الكوميديا خلال شهر رمضان.

بعد ذلك تطور الأمر قليلا، بدأت هناك برامج رمضانية مختلفة، و إن لم تخرج عن هدفها الأساسي (إضحاك المواطن) و ظهرت بقوة فكرة (الكاميرا الخفية) بما تحويه من مشاهد و مواقف طريفة، و التي أخرجها (رامز جلال) من سياقها بعد أن (أكل الجو و فقد عقله) و تحولت إلى (سادية) و تصفية حسابات مع زملائه في الوسط الفني. كما ظهرت المسابقات الرمضانية (التي شكلت الفوازير باكورتها) و هي تشترك في الهدف مع الكوميديا و برامج الضحك، حيث تدخل التشويق و البهجة إلى قلب المواطن، لكونها لم تكن تهدف للتثقيف بسبب بساطة و ضعف أسئلتها و ألغازها.

لا أدري بوصفي مواطنا يبحث عن البهجة، أو على الأقل آلف حضورها الطاغي، كيف قفزت التراجيديا و مسلسلات التشويق و الحركة، إلى قلب المشهد الرمضاني، لربما بسبب النجاح و ارتفاع عدد المشاهدات، فهي أسباب مقنعة للتسابق على وعي المواطن و عينيه، دون الحرص على معرفة (لماذا؟) و بالتالي عدم الاهتمام بالرسالة التي يجب تضمينها، و التي لم تكن موجودة حتى في (الكوميديا)، حيث كان دورها يقتصر على رسم الابتسامة على شفاه المواطن فقط.

في المحصلة، وجد المواطن العربي نفسه، أمام كومة من المشكلات المجتمعية، من صراع الإخوة على إرث أبيهم، إلى صراع (المعلمين) للسيطرة على السوق، و قضايا الإرهاب و قتال الشوارع و الاغتصاب و التحرش و (المثلية الجنسية)، و حتى الجن و العفاريت التي يفترض أنها مصفدة في شهر رمضان، كانت حاضرة في الدراما العربية رمضانيا، مما يدل على أنها دراما لا تخضع لمعايير الخصوصية و لا تلتزم بأي رسالة أو هدف.

باختصار تحول شهر رمضان إلى شهر الدراما و المسلسلات، بكل أشكالها و ألوانها (لماذا؟) لا أحد يعرف، فلا توجد أي أسباب مقنعة، و أيضا (كيف؟) لا توجد حتى الآن تفسيرات يمكن الاعتماد عليها، كل هذا يحدث، مصحوبا بالطفرة التقنية، التي وفرت أجهزة الاستقبال، حيث لا يمكنك إحصاء عدد القنوات أصلا، فضلا على إحصاء عدد المسلسلات التي تعرضها، إضافة إلى منصات العرض الإلكترونية.

بهذه الطريقة الفجة، فقدت الدراما العربية رونقها، و أفسدت حضورها، بل و أفسدت روحانية الشهر الكريم أيضا (و هذا ليس تقييما أخلاقيا أو دينيا) بل هو تقييم ينطلق من ذائقة المتلقي، و هو المستهدف الأول من هذا الكم الهائل من الإنتاجات الدرامية، و تحولت الدراما إلى تهريج و عنف، و لم تعد لا مضحكة و لا مبكية، و لا جدير بالمتابعة أصلا.

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي