loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

عندما تصبح الذات شبحاً

breakLine
688 2020-01-15

قراءة عن رواية خان الشابندر للروائي/ محمد حياوي

عندما تصبح الذات شبحاً والشبح هو الذات

أسامة الحداد

من ذبيح يحمل رأسه ويطوف حول البيت، إلى صوت رجل يلعب ويغني كل ليلة مع طفله فى شقّة مهجورة لا يقترب منها أحد منذ سنوات كما يحكي فى مصر، إلى سائق شاحنة يصدم عروسا تموت بين يديه، وينال سخرية الشرطيين حال إبلاغه ليكتشف أنها ماتت فى المكان ذاته منذ سنوات وعشرات السائقين يبلغون بالحادث، حيث تنتشر القصة فى الريف الأنجليزى، تتوالي الحكايات الشعبية عن الأشباح والموتى وبالأخص القتلى، تلك الحكايات الشعبية التى تنتشر فى المجتمعات الإنسانية كافة والتى تشكل محورا لمصطلحات عديدة، بداية من الخرافة التى تدل على الوقائع والأحداث غير المعقولة (1)، وتُعد الحكاية الخرافية لون من ألوان الاساطير وتندرج تحت مفهوم الأنثروبولوجيا الثقافية وتشكل مساحة من التراث الشفاهي للمجتمعات الإنسانية، ومن الخرافة والاسطورة إلى الغرابة التى يقول عنها استاذنا الدكتور شاكر عبد الحميد "الغرابة ليست مصطلحًا احادي البعد، بسيط المعنى، بل إنه مصطلح متعدد الأبعاد، مُركّب المعاني، مُتعدّد الدلالات، ومن معانيه، حضور الموت فى الحياة، وحضور الحياة فى الموت، ومن معاني الغرابة أيضاً تحول الساكن إلى مُتحرّك، والمُتحرّك إلى ساكن، عودة الموتى إلى الحياة، ودخول الأحياء عالم الموتى، هذه الحيرة والالتباس الذى لا نعرف معه، ما إذا كان شخص ما حيَّاً أو ميّتاً" (2) وهى المقولة التى تكاد تنطبق على رواية (خان الشّابندر) أو كتبت خصيصًا لإجلها، حيث الأحياء موتى والموتى هم الأحياء، ويبدو الجميع كأشباح تنطلق فى مدينة مُهدَّمة وفى واقع كارثي وخلال النص يتجاوز مقولة فوينتيس عن إضفاء الطابع الأسطوري كأحد المعالم الخمسة للحداثة إلى أن يصبح العالم المُتخيَّل اسطورة، بل والذات الساردة أيضا.
وهذه المقدمة أجدها ضرورية قبل ولوج رواية (خان الشّابندر) للروائى العراقي محمد حيّاوى، التي تدور أحداثها فى بغداد وسط الانفجارات والموتى، كما يدور "على موحان"، بطل الرواية والصحفي العائد إلى وطنه وسط عوالم خرافية وغرائبية يعيش مع الموتى والأشباح. وسأبدأ من العنوان باعتباره عتبة النص وأحد مفاتيح قراءته، فعنوان الرواية (خان الشّابندر) والمكون من كلمتين (خان) وهى كلمة أعجمية تدل على الفندق فى عصرنا الحديث وهو موضع راحة المسافرين ويضم الخان مستودعات لحفظ البضائع واسطبلات مختلفة للحيوانات بحسب نوعها. انّه يبدأ بدلالة واضحة.. أنا الغريب القاطن مع الغرباء، المواطن العائد من غربة إلى غربة داخل بلده. أما الشّابندر فهي كلمة فارسية تعني شيخ التجار، وتتكون من جزئين شاه وبندر، والبندر هو الميناء وهو اسم علم مذكر ينتشر فى دول الخليج العربي، ومنذ البداية يضعنا الكاتب فى إشكالية حول الهويّة وماهو ماضوي، فقد اختفي الخان وحلّت الفنادق محله ولم يعد للشّابندر وجود، وهى إشارة إلى السردية الكبري أو المتاهة الهائلة فى ليالى شهرزاد، حيث تدور أحداث العديد من قصصها فى بغداد، وللشّابندر دوره داخل ألف ليلة وليلة، فهو إذًا يعود من التاريخ غريبًا عن وطنه باحثًا عن جذوره، ليكتشف عزلته وسط خراب أفرزته الحروب المتوالية، ليبدأ كغريب، فالخان كما جاء فى السير والحكايات، هو مقر الغرباء. نجد ذلك فى سيرة علي الزيبق "فلما كان يوم من الأيام اشتهي هارون الرشيد أن يتخفى ويدور فى شوارع بغداد فأخذ جعفر ومسرور ولبسوا زى الدراويش وداروا من مكان إلى مكان حتى وصلوا للقبور فرأى الملك عمارات برّات الدجلة اسواق وبها بيع وشرا فقال يا جعفر كم طلعنا إلى هذا الموضع واردت تعميره فيمنعني الكسل عنه فقال ومن عمره فقال جعفر عبدك سيدي وجعلت به خان وحمام وجامع وفرن لاجل الغربا التى تأتي إلى البلد حيث البلد تغلق من المغرب اذا اراد الغريب شيء يكون موجود فى هذا السوق "(3) فالخان يخص زمناً ماضوياً، ومُعد للوافدين من خارج البلدة .
إنه يبدأ كغريب عائد ليقودنا داخل عالم غرائبي وكابوسي يقدّم أسئلته القلقة عن الحياة والموت وعوالم الأشباح، حيث يفقد البشر وجودهم مع الحرب، كما فقد هيرمن هيسه صديقه "دميان"، أو ذاته الأكثر إيجابية فى الحرب، وكما ألقى "خوان رولفو" بطله "بيدرو بارامو" فى عالم الأشباح والموتى. فى (خان الشّابندر) يقود محمد حيّاوى بطله "على موحان" فى رحلة غرائبية مع الموتى والأشباح، ويعذبه مع الخراب والقتلى ليصنع واقعية بديلة، هي ليست الواقعية السحرية، ولا الكافكوية، فعبر الرواية يشعر المتلقى أنه يعيش داخل فيلم من أفلام الرعب حيث تنهار الحواجز بين الحقيقي والمتخيل، وبين الحياة والموت، ويذوب الخط الوهمى بين الشاشة والشوارع، فلا يوجد ما هو حقيقي/ وما تظنه شبحاً هو ليس كذلك، وما تعتقد فى كينونته هو الشبح فى لعبة تبادل أدوار مُدهشة، تعيدنا إلى فيلم الرعب الشهير The Other (4)، حيث ندرك مع نهاية الفيلم أن السيَّدة التى توهمنا أنها تعيش مع طفليها وسط الأشباح قد انتحرت فى البيت بعد قتلها للطفلين، ووسط حياتها مع الأشباح نتبين أن من بينهم بشر يعانون الهلع، ليكون السؤال من الشبح؟ هو المهيمن، وليس ذلك من قبيل التناص والهويّة الخلافية أوتواشج الفنون وتأثيراتها المتبادلة والعلاقة بين الدراما والأدب إلى أخر تلك المقولات، إنّما هو عذاب البشر مع الحروب والمآسي، وإشكالية الموت والحياة التى تُمثّل حالة الاغتراب الإنسانى فى أسطع صورها، فالرواية تمتد عبر مدينة كاملة، بخلاف الفيلم الذى دارت أحداثه داخل أحد المنازل، وفى حيّز ضَيّق يناسب سيَّدة وحيدة فقدت زوجها فى الحرب، أما "على موحان" فقد خسر أصدقاءه وجيرانه ومعارفه، بل وطنه كله، عبر أحداث دامية وحروب متتابعة، وبالطبع لا يمكن حصر الخطاب الروائي فى لعبة الأنا / الآخر وتبادل الأدوار، فثمة تأويلات مُتعدّدة لا تنتهي حول العائد "على موحان"، هذا الغريب الباحث عن بغداد التى دُمرت، المتجول فى بقايا أزقّتها ليبدو حينا كصوفي يجول في الشوارع، وحينا كمسيح جديد يعيد الموتى إلى الحياة، انّه يمنح "ضويَّة" المال من دون أن يفكر فى ممارسة الحب معها، فقط من أجل أن تقص له حكايتها كنوع من الاعتراف، ويشترى كعكة واحدة من "زينب" مقابل أضعاف ثمنها، ويمنحها نقودا وطعاماً لأخوتها، ويشترى الكتب التي من بينها (طوق الحمامة) من شارع المتنبى من أجل هند مُدرسة الجغرافيا التى قادتها الحياة فى العراق لتكون واحدة من بنات أم صبيح، ويلجأ السارد إلى الحكى بضمير الأنا، وكأنه يقدّم سيرة ذاتية، فى الوقت الذي يحيلنا تلقائيا إلى مقولة بارت "السرد الروائي عالم ورقي"، بل وإلي مقولة ميشيل فوكو "العمل الذى كان له يوماً مهمة منح الخلود، يملك الآن حقّ أن يقتل، أن يكون قاتل مؤلفه" (5) فموت المؤلف يتّسق وفضاء النص حيث يكمن الموت فى كل ذرة هواء ويبدو هو المهيمن وتبدو الذات الساردة والتى تأتى بضمير المتكلم مُنفصلة عن الكاتب. فتبدأ الرواية باجتياز البطل لأزقة ضيقة تملأها الأزبال وأنقاض البيوت المُهدَّمة، وكأنه يحملنا منذ اللحظة الأولى إلى الموت حيث يخرج أشخاص من الزوايا المُظّلمة كالأشباح، إلى أن يصل مع رفيقه الذى لا نراه كأنه الظل أو الطيف ليدخل بيت "أم صبيح" حيث تباع المُتعة وسط هذا الركام من العدم، لنعرف من خلال وجود "ضويَّة" و"هند" وآخريات انّهنّ ضحايا لحروب لا يعرفن أسبابها، وينتهى بهن المطاف لبيع المُتعة فى بيت قوّادة بدينة، هذه الحكاية تحيلنا على الفور إلى روايات عديدة تدور فى عالم بيوت المتعة من زقاق المدق لأستاذنا نجيب محفوظ، حيث تتحوّل "حميدة" ضحية الفقر والغواية إلى فتاة ليل، وهى المساحة التى بدت واضحة فى الكثير من أعمال أستاذنا نجيب محفوظ، ومن الأدب العربي إلى أقصى الشرق نتذكر "فاتنات كاوباتا" ومن العصر الآني إلى الموروث يكشف السارد عن كتاب (طوق الحمامة فى الالفة والإيلاف) للإمام بن حزم الأندلسي ويمنحه القدرة على تجاوز الزمان والمكان، حيث يشتريه البطل لـ "هند" التى تريد أن تقرأ قِصّة الشاعر الحصري القيرواني والجارية التى هام بها، ويختفى الكتاب من يد "علي موحان" ليجده لاحقاً لدى "هند" كاسراً جميع الحواجز زمنيا ومكانيا ويغدو أسطورة، وإذا كان الجسد لا يأخذ معناه إلا من خلال نظرة الإنسان الثقافية له، وهى نظرة لا تنفصم عن رؤية الجماعة التى لاينفصم عنها الفرد، ولكون المجتمعات الإنسانية ليست نسيجاً ثقافياً واحداً، فإن كل مجتمع من هذه المجتمعات يرسم داخل رؤيته للعالم معرفة خاصَّة حول الجسد (6).
لقد طُرح الجسد فى الخطاب الأدبي باعتباره علامة تعبيرية ضمن شبكة رمزية ليكون تمثيلاً جمالياً ومتخيلاً لما هو متعين واقعيًا (7)، فالجسد داخل النص لا يمثل الشهوانية ولا الجسدانية والإيروتيكا، بل يتجاوز ذلك إلى الموت أيضاً، ولا يخص فتيات أم صبيح وحدهن، فسالم، الصديق الذى يظهر فى الليل ويقوده إلى غرفة قديمة يبيت فيها ليلته، لا يملك جسدًا، لقد قتل قبل هذه الليلة بسنوات، انّه غير موجود تماما كرفيق رحلته إلى بيت أم صبيح، كلاهما غير كائن، وحدها "نيفين" تبدو حقيقة غائمة شبه حيَّة، أما لوحتها التى ضمت صورة "سيدوري" صاحبة الحانة كنقيض للقوادة البدينة ورمز للهوية الضائعة على الرغم من ملامحها الوحشيَّة الغريبة التى تتوائم مع غرائبية عالم الانفجارات.
" - من هذه المرآة فى اللوحة؟
- إنّها صديقتي سيدوري ...
- لديك صديقة اسمها سيدوري ؟
- لا انّها سيدوري صاحبة الحانة ...التى روّضت أنكيدو وواست جلجامش " ص 52
يبدو الحوار عبثياً والبطل كمن فقد ذاكرته وهويته بينما "نيفين" تواصل حوارها
"- فى ليالي الشتاء الطويلة، تخرج من الإطار، وتحضر كاسها معها وتجلس معي لتذا الوصف يزيد الشخصية غموضاً والتباساً يتناسب مع عالم الأشباح والموتى، لكنَّه دليل البطل إلى "بيت أم صبيح" الذى يتصدره الباب القديم ذو الدكّات الثلاث، وأيضاً دليله إلى معرفة تاريخ "خان الشابندر" الذى كان سوقًا للفضة، ولعبة الدليل الذى يصاحب ويصل بالبطل إلى نقطة بالطريق نجدها فى القَص الديني فى الإسراء و المعراج حيث الملك يقول للنبي (ص): (تقدم أنت إن تقدمت اخترقت، وأنا إن تقدمت احترقت)، ونجدها واحدة من ثيمات ألف ليلة وليلة حيث لا يكمل الدليل طريقه بل يسلمه إلى آخر، ولكن "مجر" هو من يعطى "هند" الكتب التى فقدها البطل، ومن بينها كتاب (طوق الحمامة)، ومن لعبة الدليل إلى القناع والتنكّر حيث "لوصة" التى يكتشف أنها من بنات "أم صبيح"، والتى تتنكر فى زى متسوّلة، تماماً مثلما تنكرت "ضويّة" فى هيئة رجل مع ارتدائها دشداشة رجاليّة بيضاء، وفوقها سترة رماديّة لتقود البطل إلى النهر حيث تمارس طقوسها فى الماء، والماء له دوره فى الطقوس الدينية حيث الوضوء والاغتسال لدى المسلمين، والتعميد بالماء كسر كنسي تماماً كما عمّد يوحنا المسيح، بل وأيضا له دوره فى طقوس السحر حيث يتمتم السحرة على الماء ويَرّشونه.
لن نتوقف كثيرًا أمام الدلالات العديدة للماء، الذى لا يتفق والموت سوى فى لحظة الغسل، فـ "ضويّة" تكشف للبطل عن انتمائها لجماعة دينية لا تفصح عنها، وينتقل بنا الراوى من الماء إلى المقابر حيث يبدأ بمرقد الشيخ عمر السهروردي ومعه "زينب" يتبعها أخوتها الصغار لتبحث عن قبر صغير وواطئ تجثو أمامه وهى تتطلّع إلى صورة قديمة لأمها موضوعة فى إطار زجاجي، وتتحدث مع أمها ، وخلال هذا الحديث بين فتاة يتيمة تعيل أخوتها من بيع الكعك، يتكرر النداء على البطل "على .. على.." فيري طيف امرأة متلفعة بالعباءة بين القبور تظهر وتختفى، ويتزامن ذلك مع سقوط قذيفة هاون فى المقبرة وارتفاع عمود هائل من التراب والحجارة ويلمح من بعيد "زينب" تغسل قبر أمها بماء ملوَّن ابتاعه لها بينما يلعب أخوتها غير عابئين، ويتكرر النداء على البطل. هذا المشهد العبثي الذى تجتمع فيه الأضداد الموت والحياة، الظهور والاختفاء، الصمت والنداء، الماء الذى يغسل القبر وقذيفة الهاون، الصغار وهم يلعبون والطائر الضخم الذى يحلّق فى فضاء المقبرة، يحيلنا للتساؤل هل "زينب" وأخوتها أحياء بالفعل؟، وهل البطل عائش بالفعل أم ميَّت يقص شبحه حكايات عن الحرب وكوارثها؟. لتستمر الرواية مع رحلة البطل الأخيرة بصحبة صديقته "نيفين"، ليكتشف من خلال "مجر" أن كل من قابلهم فى "بيت أم صبيح"، وأيضا "زينب" وأخوتها، موتى وأن "بيت أم صبيح" قد تَهدَّم ومات من فيه منذ زمن بعيد، ربما منذ عشر سنين أو أكثر، لتنتهى الرواية بسقوط البطل مغشيًا عليه. انّه نصّ يواجه الحرب والخراب ويكشف فقداننا لإنسانيتنا أمام موت يحدث ويتكرر كل لحظة، ليعلن الخطاب الروائي، ومن خلال امتزاج الوصف بالسرد وبلغة متداولة أقرب للشفاهية، يمكن القول أنها أدائية حتّى وهو ينحو إلى ما هو جمالى فهى تسعى لأداء وظيفتها عبر إيقاع سريع للأحداث، وجاءت شخصيات الرواية جميعها من شريحة اجتماعية دُنيا باستثناء "هند" و"نيفين"، فهما من الطبقة المتوسطة التى تفقد وجودها وهويّتها وسط صراعات متتالية...
انّنا نعيش موتنا، ونحيا داخل متاهة كبيرة أفرزتها الحرب، وفى الوقت ذاته يتمسك بهويّته من خلال سيدوري صاحبة الحانة، ومن الخان، والأغنيات وكتاب (طوق الحمامة)، وكأن الفن والأدب فى مواجهة الموت، لنخرج من المتاهة بين الشّك فى حياة الصحفى بطل الرواية وموته، ونحن نحمل السؤال البديهي، من هم الموتى؟ وهل تبادل البشر أدوارهم مع الأشباح؟، لنلعن الحرب التى واجهها الخطاب السردي بمهارة وأطلق صرخة فى هواء العالم ضد الموت المجاني للبسطاء.

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي