loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

مسرحية" لمسة البعث " للشاعر المصري أحمد سراج : قوّة الشّعر بحجم الدراما .

breakLine

يستمد الاهتمام بالمسرحية الشعرية مداه المنطقي من حقيقة أن الشعر آكَد وآمَن من النثر في الوصول الى عقل وقلب المتلقي ، مع استجلاء الملكة الابداعية للشاعر المسرحي بقوته التخييلية وتنوع معجمه وغناه ، ما يثبت كفاءته كمبدع في حدها الأقصى .  في مسرحيته الشعرية " لمسة البعث " الصادرة عام 2019 عن دار نهضة مصر في القاهرة يرتدي الشاعر أحمد سراج - بعد سبع مسرحيات له سابقة - السّرد المُعاصر للشّعرية العربية في النصّ ، بالنهوض على العلاقة الجدلية بين المسرح والشعر اتساقا ومواءمة  بحيث يتناول المسرح كدراما في بناء عمله وعناصره الكلاسيكية في الزمان والمكان والعقدة والشخصيات والحوار من جهة ، والشعر الحديث في قيمه الفنية والبلاغية من جهة ثانية ، وهي علاقة تشكل مسوّغاً علمياً كافياً للغوص على ممكناتها ، ولابتعاث أكثر من دراسة أكاديمية لا بد منها تسدُّ حاجة نقديّة مهمة في مجال المسرح الشعري الحديث نظرياً وتحقيقياً. ففي ستة مشاهد يقصُّ علينا النص فترة زمنية من عهد ملوك الطوائف في الحاضرة الأندلسية المعروفة ، إذ تنطلق المسرحية من ابتدار الأشرار للأخيار بإيذائهم والاعتداء عليهم ، مؤتمرين على الحق تحيزاً للباطل. هنا نتحدّثُ عن المرحلة التي انتهى فيها حكم الأمراء من بني أمية في الأندلس ، وبداية مرحلة جديدة عرفت باسم " تاريخ ملوك الطوائف " وتحديداً مع  الملك الشّاب المعتمد بن عباد حاكم أشبيلية  الذي عاش حياته في الصراع مع خصومه ملوك الطوائف الآخرين من أبناء جلدته المسلمين فافتعلَ حروباً مع جيرانه واحتلّ أغلب جنوب الاندلس : غرناطة وقرطبة وبلنسية وغيرها بإرادة الطامع حيناً والطامح أحياناً حتى أصبح أقوى ملوك الطوائف وقتذاك ، مستأثراً بالملك وإغواء مكاسب السلطة مع ما رافق ذلك من مؤامرات حاشيته في الصراع على السلطة من جهة ، واقتتال على انتصار المبادىء بين الفكر والقوة كما أراد سراج في ثنايا مسرحيته من جهة ثانية ، حتى ينتهي به الأمر خائفا على مملكته من الزوال ومهادنا ألفونسو ملك قشتالة بدفع الجزية له طمعا في قوة الأخير عونا ضد أعدائه من الأمراء المسلمين ، ولكن ألفونسو خذله وانتهى به الأمر أسيرا منفيا . يبرز إبن زيدون كشخصيةٍ رمز في المسرحية ، ويستحوذ على مساحة كبيرة فيها ، كمثال للمثقف والمفكر المناوىء للسلطة والذي لطالما تآمر عليه الوزير ابن عبدوس أكثر من مرة حتى سجنِه ومحاكمته للتخلص منه لسببين شخصيين : إبعاده عن السلطة ، وحرمانه من ولاّدة .تخلل كل تلك الاحداث علاقة حب جميلة وشهيرة جداً مع ولادة بنت المستكفي ، تجلت في الحوارات الشيقة جدا والماتعة بلا حدود بين القاضي وابن زيدون : الأول الذي يُكذّبُ الثاني ، ويرفض أن يكون قد أحبّ ولاّدة لأجل الحب ، وابن خلدون المدافع عن حبه ببراءة الطفل وشجاعة السيد المخلص . يختلط الحب بالواجب في الحبكة ، وفي الحالتين يتم تخوين ابن زيدون : تارة تجاه قرطبة ، وأخرى تجاه ولّادة ، بما لا يبتعد بالمسرحية عن صبغة التراجيديا اليونانية الرائعة والقيّمة جداً والتي لا تزال تلقى ترحيبا من الجمهور رغم ما قيل ويقال عن حداثة الدراما اليوم . لن نغرق مطولاً في حدثان الحبكة ووقائعها فهذا متروك للقارىء المتلقي الذي من المفترض أنه شأنه وهدفه ، ولكن تجدر الاشارة الى جمالية استلهام التاريخ هنا بتفكُّر ، لا لنركن فيه ، إنما للفوز بدرسٍ من دروسه البالغة الأهمية استشرافاً للمستقبل وتفتيشاً في مساراته المحتملة وسراج بذلك يعلن المواجهة مع الذات بفروسية فكرية لا تُغفِل المجهول القادم من المستقبل أو الهروب منه كمجهول معتم ومخيف ، فضلاً عن تعاطفه إلى حد ما مع المعتمد كملك شاعر ومثقف تم التآمر عليه في مكان ما . أسمح لنفسي ان أطلق صفة المناورة على هذه المسرحية ، المناورة الابداعية للوعي الدرامي للشاعر ، ومرونته في تحقيق إقامة علاقة منفتحة قائمة على التكامل الفنـي المسرحي / الشعري  بما يتناسب بين البنى المسرحية وبين النص الشعري الحديث ومدى تحمُّل كلٍّ منهما للآخر واستجلاء عناصر التكافؤ والتنافس بينهما ، وإثبات أنّ الأخير مُمسرحاً  يصلح لربط الجمهور بموقفه الفكري السياسي إلى حد كبير والتعبير عنه ، ورؤيته للعالم من حوله ما يعد إشهارا لرؤيا حداثوية للوجود الانساني عامة طمعا بخلق عالم جديد مغاير للواقع من حوله وتقديم افكار اصلاحية للمجتمع ، نهوضاً على المادة التاريخية كما فعل شعراء الحداثة العرب منذ اعلان موقفهم الشهير من الشعرية العربية في منتصف القرن الماضي ، وتأسيسا على نقاط تتعلق بالادوات الرديفة لهذه الرؤيا : كالرمز في دلالاته المكثفة التي تثري المسرحية بما لا يتوفر عليه تشكيل نثري ، وقدرة التفعيلة  في حركيتها خدمةً للايقاعات الداخلية والخارجية ومماشاة للبناء المعروف للصيغة الكلاسيكية - تماما كالقصيدة العامودية المقيدة بالبحر العروضي الواحد - والتي خدمت تلك الصيغة بقيمها الدرامية العالية الصنعة والمشغولة بموضوعية واحتراف  : الحوار – الزمان – المكان- الحبكة او العقدة – بناء الشخصيات وتطورها المتماهي مع تموجات الحالة النفسية لشخوص مسرحيته بين السكينة حيناً والثورة أحياناً وبحوارات داخلية ذاتيّة وأخرى خارجية تقابليّة بين ذوات النصّ الدّرامي . إنها آفاق القِيَم الفنية للمستويات الايقاعية والمعجمية  والبلاغية التي يحققها النّسق البِنيوي في النص بعد إجراء عملية جرد الثّيمات الأساسية ( themes ) والوقوف على دلالاتها وسماتها العامّة كوحدة معيّنة كاملة الاطراف في المعنى والخيال والتجانس واللغة والدال والمدلول . تعلُّقاً بما سبق فإنّ أحمد سراج يذهب إلى النهاية في معركةٍ تجعلُ الشعر بحجم الدّراما بحسٍّ عميق ومنظور سلِس يتوافر على قدرة النصّ الشّعري في التعبير عن الموقف المسرحي الذي ينطلق من اعتبار الكاتب ابن المجتمع سياسياً وفكرياً والمعبّر عنه في همومه وآماله ، ويؤمن ارتباطاً وثيقاً بحالة النفس وتموجاتها وانفعالاتها لا للدخول إلى وجدان المتلقي وامتلاك مزاجه ، بل وللوصول إلى نوعية الجمهور الذي يريده في مُمكنات نصه . حصيلةُ الأفكار التي انبثقت من منصة البحث أعلاه حول " لمسة البعث "  تبعث أملاَ ومجالاَ مهماً للاستفادة من التبحر في مجاز نظري يتتبع  فن المسرحية الشعرية عامةً وتنويع محاولات تأصيلها إرثاً ، وحداثة ، ومقوّمات ، في المفهوم والخصائص  ، كمهمة نقدية تساهم الى حد ما في إضاءة مساحة معقولة على طريق النهوض بالمسرح الشعري كوجه أدبي حضاري ، وتدعونا إلى كتابة مناخنا المسرحي الخاص بنا :  نصّاً بصيغة عربية خالصة مُكافِئة للمسرح العالمي ، كإشكالية ذهنية أولاً لم تنل قسطها الوافر من الدراسة ولا تزال . وعرضاً في مرحلة لاحقة لو ادّاركت فيها خصائص تنفيذها على الخشبة ، كمنفذ للطاقة الابداعية للشاعر في سبيل الى تحقيق نجاح اللحظة المسرحية،.

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي