loader
MaskImg

المقالات

مقالات ادبية واجتماعية وفنية

نيليا فيريميه: نشيدُ الأماكن الذابلة

breakLine
165 2021-04-20

 

 

تتحدث الكاتبة الروسية نيليا فيريميه (1963) عبر روايتها "برلين تقع في الشرق"، الصادرة عن دار فواصل بترجمة وحيد نادر، عن أولئك الذين هجروا بيوتهم وذويهم في الشرق، وانطلقوا إلى أماكن منحتهم عزلةً  نادرَةً  في منازلهم المزدحمة. تعيش لينا، بطلة الرواية، وهي ممرضة روسية في مدينة برلين. يُسمَع صوتها وهي في الثالثة والأربعين تقف في مكانٍ هائم. تتساءل عن ذاتها. في أي المناطق تحيا ولأي الجهات تنتمي؟ هل للحنين لقريتها كيما في أقصى الشرق؟ أم أنها غربيّة تنتمي للمدينة التي طالما حلمت بالهجرة إليها؟ هل خسرت ظلالها فيها؟ أم أنها تلاشت بفقد والدتها ومحت آخر ملامحها بطرد زوجها المعدم؟ 
تقصّ حكايتها وهي تمشي بين شوارع برلين كمن ينشد خرابه وذبولهُ. تصنع ذاكرة للأمكنة، تعمل على تقشير طبقات التاريخ كراوٍ يسير بين اليوم والأمس. تتذكر وصولها لاجئة، وبداية عملها راعيةً اجتماعية للمسنين: مهنتها التي ترددها ابنتها مارينا بتهكم وسخرية، لكنها تتفوق في الإصغاء لقصص النزلاء، تشعر بمخاوفهم ومعاناتهم خلال سنوات الحرب الآفلة. تهاب كآبتهم خشية الفراغ المحيط بمن نجوا عزلاً. إلا أن حيواتهم تحيط بها، لتدور الحكاية ليس فقط حولها بل حول برلين بأكملها. تثيرها حياة العجوز "زايتس"، تلتفتُ لماضٍ حرك أعماقها، ونبّهها لمكانها العالق بين جيل ابنتها، وجيل والدتها الوحيدة في القوقاز. تنهض طفولتها الريفية البسيطة في قريتها، حيث عاشت مع سكانها شوقاً جارفاً للغرب، ولهفة لحياةٍ لا يضطر فيها المرء للموت، ولا للركوع للزراعة والعمل، بل للعيش كما في الجنة.
حرية الأسماك:
تجوب لينا شوارع برلين بصوت مليء برائحة الكهولة، تطرح قصة زوجها "شورا" كمثالٍ حيّ عن الجانب السلبي للتدفق من الشرق، كيف يتخبط ويقترض المال ويضيع في صفقات مشبوهة، صانعة بذلك حال الشتات الروسي، وحال العديد ممن هربوا ليؤسسوا شرقيتهم الخالصة في برلين، لكنها تفاجَأ بقصص سكانها، سيما أولئك الناجين من حربين  صنعتا وجهها المعاصر. وبصوت العجوز زايتس، تخرج حكاية برلين القرن التاسع عشر. تنطلق الأحداث من ساحة ألكسندر بلاتس، تصير طرقاتها شاهداً تاريخياً على ما جرى لمدينة مثلت للينا رومانسية مفقودة، ورفاهاً انعدم في بلادها المملوءة بالمقابر البالية والفيلات المبتذلة. لتنتقل إلى لينينغراد ثم برلين، باحثة عن النجاح الذي يمنح المرء ضياءه، تفشل في نسيان طوابير الشرق وآلام الانتظار، تسوءُها عيون الواقفين الفارغة وأفواههم الجائعة، مبدية ذاكرة تنتظر دورها للإمحاء كذهان سيطر على الجميع. 
تتعمق صداقتها بالعجوز زايتس لأبعد ما يمكن أن تكون بين كهلٍ وراعيته، إلا أنها تبقى صلة من غير ملامح: كألماني وروسية، منتصرة ومهزوم، أبٍ وابنة، أو كجسدين يتخاصمان تحت عقودٍ من المقابر والحروب والانهزامات المتعاقبة. تهجره حرصاً على روحه الهشة، عائدةً لطرقات برلين كأنما سيرها خدَرٌ يعود بسنواتها الضائعة. تتساءل عن ما يحلّ مكان الخراب والذباب والجثث المتحللة في ساحاتٍ صنعتها الدماء، تحاول عيش الربيع  بين شوارع زاهية وبشر يضحكون وأعياد تقرع أبواب الحياة، تبحث عن خلاصها، إلا أنها تبقى عالقة في "كيما"، مع أبٍ راحلٍ، وطفلة حلمت بالكتابة وقياس الزمن بكثافة عطر الورد، لكن الهجرة تغلبت على أحلامها. تبحث في الأدب عن الإجابة. تفتش فيهِ عن ظلها المفقود، عن تلك الأشياء القريبة من المرء؛ ظلالنا التي لا نقدر أهميتها إلا بفقدانها. يخذلها الأدب، ولا تروي ظمأها حكاياتٌ صماء لا تجيب، بل تسأل وتسأل حتى منحتها كثرة التسآل حرية السمك في حوض مغلق!
كثافة العزلة:
"فجأة وجدتُ نفسي في منتصف العمر وحيداً، ومرمياً في أمكنةٍ باردة ومظلمة". 
تسوء حالة العجوز زايتس، يؤنبها ضميرها لهجرتهِ. تعود لتكشف الستار عن الطفل الخائف فيه، عن ذعرهِ من الغستابو(شرطة هتلر السرية)، عن امرئ عاش في عالم مرعب بين نظامي الطاحونة السوداء والحمراء، مع والد معتقل، نما فيه الخوف مثلما ينمو قشر الثمر على دواخلها. يكبر الطفل، تصنعه الحرب، ليؤمن بالاشتراكية الحلم، إلا أنه يشيخ في مرحلة تحطمها، فينسحب لعالمه وحيداً، وتمنحه الحياة في النهاية مزيداً من الفقد والرحيل.. 
تتراكم فيه الوحدة، فهو لم ير والده الميت، كما لم ير جثة ابنه المختطف. تصوغ العزلة صوته المرتعش وسط الخواء. تصير قصته مثل جرسٍ ينبّهُ لينا لعينيها اللتان تنظران أبداً إلى الوراء: إلى شرقها ووالدها الراحل، إلى والدة مولعة بالنهايات وجَدِّ هاربٍ. تبدو محاولاتها للتأقلم بين العالمين فاشلة، فهي إما عالقة في الشرق، أو شاردة في الغرب، لكنها في الختام، تكتشف أن الحياة مصيدة، ولا نجاةَ لشرقٍ أو غربٍ، بل توقن بحبها لبرلين أكثر من أي مكان آخر، بحبها للأمكنة التي منحتها وعائلتها الحياة،  للوطن الذي يعمل المرء على صنعه بيديه  فيصنعهُ مرغماً. هي سطوة رغبته للعيش بسلام، حيث قررت لينا الانتماء لما منحها السكينة، رغم ما حملته من تبعاتٍ مع زوجٍ طائٍش وابنة انخرطت في عالم غريب. تبقى عالقة مع من تحب، تأبى الرجوع والعودة، تأنف الإصغاء لدبيب الحنين إلى شرقها البعيد، فالأطفال الفاشلون كما تصفهم، هم وحدهم من يعودون لبيتهم الذي غادروه فيما مضى..

 

 

 

 

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي