loader
MaskImg

حوارات

الشاعر السوري عبد الكريم شعبان و يحاوره الشاعر السوري محمد صالح

breakLine

حوار بين شاعرين

الشاعر السوري عبد الكريم شعبان و يحاوره الشاعر السوري محمد صالح

 

وكالة نخيل عراقي / خاص

 

بين الشعر والقصيدة يعيش وأنا شبهته يوما بنيزك شعري لا يهدأ كأنما هو موكل بجهات الشعر يلقي عليها الأنوار والظلال ويكفي أن يمر بها كي تزهر وتكتسي بأعشاب الشعر الخضراء .الآن هو حاضر هنا وبعد قليل يشد الرحال .إلى أين ؟
الشعر وحده يعرف ..
قصائده تشبه مطرا ناعما ومشمسا هكذا تبدو لي وهكذا أراها ، ذلك لأنه يكتب بقلبه كاملا ، بدمه كاملا .
شعر رقراق صاف ومغسول مثل دموع الفجر ، مشع بعيد قريب مسافر راجع ومليئ بالأصداف واللقى النادرة . وهو إلى ذلك قيمة شعرية وقمة شعرية وعلامة بارزة في الشعر العربي .
.
.
.
"كيف يمكن ضبط الاشارات
فهم العصور التي انحدرت
في دمي
كيف يمكن رد الحجارة من حيث تأتي
وقد اينع الدم في. اغنيات العصافير
وانبهر الصبح
ماذا نقول لأحفادنا حين يسردنا الليل واللون
كم من دمٍ سوف نردمه خلفنا
لنقول استووا للفرات
اما من يدٍ اوحصاةٍ تقوم وتقعد في فورة الدم
حين تمرّ الاشارات ..عنا
استووا للحياة
لينحدر السيل خلف الخيام
ويشعل طفل لفافته في فناء الحديقة
او تحتفي قبّّرات الجهات
بميلاد عشٍّ جديد
أقول ....وقد جهجه الصبح
من يشتري لتمرّ الاشارات كفّ العدس
وقبّعةً من حديد
لكي نستوي في الجهات
ونلتفّ اكثر حول مداعاتنا
واحتراس الحرس
يا يدي
لا تقومي من النوم
ان لم تقومي من الدم
وانتبهي للأيادي التي لا تقوم من الدم
كم من يدٍ فقدت لونها وهي تحمرّ
كم من حصاة
اذن اسلسوا الورد
في أصص اللون
كي تستقيم الورود لأحمرها
في الجهات
ولا تفقدوا طرف الخيط
كي تستووا للنبات
من يغنّّي لنا موعدا
او سماءً
من يمازحنا بإشاراته
ويبادلنا الموت بالورد
والدم بالماء
هل ظلّ في العين ماء
لكي نستوي للحفاة"
.
حواري مع الشاعر السوري عبد الكريم شعبان ضمن سلسلة حوارات أجريها وأعدها مع شعراء من المشرق والمغرب.
.
.
_كيف أمسكت يد الشعر وكيف أمسك الشعر يدك ؟ وأنا هنا أسألك عن اللقاء الأول بالشعر ، كيف كان من حيث المذاق والشكل ؟
هذا هو سؤالي الأول.
............
_ أعتقد أنّ في طفولة كلٍّ منّا الشروط الكافية لتكوينه على الشكل الذي صار إليه
مضافاً الى ذلك ما في الريف ..ايّ ريفٍ من جمال طبيعة وشدو عصافير وهدير أنهارٍ وخرير سواقٍ
زد على ذلك أنني اعتبر أنّ غناء الامهات لأطفالهن في المهد والى مرحلة تالية مهمٌ جدّاً في تلوين ذائقته وتنمية مواهبه
وانني اتذكّر بوضوح صوت والدي
الرخيم العذب وهو يتغنى بقصائد
صوفيةٍ وروحية ...وتلاوات قرآنية
وكأنني استمع إليها الآن
كلّ هذا أفاد في تشكيل ذائقتي الموسيقية أوّلا ..ثم الكلامية المموسقة ...ولست اعرف معنى للعروض آنذاك ولكنني كنت اكتب شعراً على أيّ بحرٍ من البحور
بشكلٍ صحيحٍ موسيقياً
وبدون أخطاء تذكر
وظهرت هذه الكتابات منذ الطفولة الأولى وانا في التاسعة من عمري
وتتالت الى أن وُضعت في امتحانٍ شعريٍّ امام جدّي لأمي وكان شاعراً متصوّفاً
اذ ارادني ان أصف له بقرته الصفراء
ولكني استنكرت ذلك وقلت له
يا جدّي
البقرة ليست موضوعاً شعرياً
ويتدخّل قريب له ومعه ابنته الصبية الصغيرة الشقراء قائلا
البقرة يا شيخ
لا أبدا
فليصف هذه الغزالة
واشار إلى طفلته الوادعة...
واذا أحسن وصفها فهي له
وكانت القصيدة التي تجاوزت الاربعين بيتاً وكنت في الصفّ السابع
والفتاة بعمري
اذكر منها :
تركت العالمين تسير خلفي
ويعرفني الأولى قاصٍ...ودان
وسدت خلائق الرحمن طرّا
وحدت عن الرذيلة والهوان
كفاكم آل غانم إفتخاري
وبالشعر العظيم ...أنا كفاني.
........
_المكان والشعر ، تحت هذا العنوان اود ان أسألك عن المكان الأول " قيبور" وتأثيرها عليك وعلى شعرك ، ماذا اعطتك وماذا اهديتها ؟
.......
_في قريةٍ ضائعة بين التلال البيض
ومابين نهرين يجريان شتاء
ويتحوّلان أخيراً إلى سدٍّ كبير فاشلٍ
الا في تخريب مرابع الذكرى ومحطاتها التي استقي منها لليوم صدق اشعاري وبحّة مواويل ايامي الخاوية
في هذه القرية قيبور ولدت
وعشت مراحل الطفولة والشباب
وانتهت هذه الرفقة بعد بناء السد. المذكور
وان كانت لا تزال بجزئها الغربي
محطّةً لأفراحي
ومتّكأً لقصائدي ً وملاذا لأيامي حين تضيق بروحي شوارع المدينة
فلي إخوة وأحباء وأهلٌ ما زالوا يحملون خضرتها في قلوبهم البهية...
أما عن تأثير تلك البيئة على شاعريتي فهذا أمرٌ يعود في دراسته
على علماء النفس وذوي الاختصاص
ولا شكّ انها اعطتني فرحا ما
وحزناً ما ...وأياماً يصعب نسيانها
وأنت يا صديقي ابا هاشم كنت على مسافة هذا الحلم..الحياة ..أحد أهم الذين عايشوني وأضافوا برفقتهم لي
ولقيبور لحظات لا تنسى
ومن جهةٍ أخرى
لو تصورنا انني ولدت في مدينة ما
او صحراء قاحلة
أو على شاطئ أحد البحار
فهل كنت سأفقد هذه الرغبة في التعبير عن نفسي
وعن الحياة والكائنات من حولي
لا أبداً
ولكنّ براءة الريف وبساطته أعطياني
قلباً طيّباً وروحاً شفّافةً وصدقاً في التعامل مع الآخرين وهموما نابعة من المكان تحوّلت إلى قصائد عابرة
وشهية
كلّ هذا معجوناً بحبّ الناس الذين تربّيت
معهم وبينهم أهلا.وإخوة وأصدقاء
...وأنت أحدهم
فالمكان وحده لا يصنع الكائن
ولكنّ المكان بسكّانه
وما حبّ الديار شغفن قلبي
ولكن حبّ من سكن الديارا.
......
_التجربة الشعرية هي مثل تجربة الحب ، أقصد أنها تجربة حسية وروحية ، ونحن نشتعل بالشعر مثلما نشتعل بالحب ، حدثني عن هذين الإشتعالين لديك وفي شعرك ، اشتعال الشعر واشتعال الحب ودعنا ندخل في جنون الكلمات .
.....
_لم يبق لنا يا صديقي غير ان نشتعل حبّاً وعشقاً
والشعر هو البراق الذي يحملنا فوق أطباق الغيوم والهموم
ويفتح امامنا الدروب المغلقة امام أحلامنا الضالة ...وقلوبنا المتعبة ...
شوقاً واحتراقاّ
ولا نستطيع أن نغلق أعيننا أمام الجمال
ولا أن نغلّف قلوبنا بأغلفة الغفلة
والنسيان
وللكلمات أن تفتح المجرى لمعانيها
وللموسيقى ان تقود المركبة
وللقلب أن يرقص أمام مواكب الحروف ...وللحروف ان تتبختر
مثل غزلان البراري وتتعاضد
لتكون القصيدة
حين يفتح الحبّ الباب
فما أسهل على الحروف ان تقول فرحها ...أو تجنّ عشقا وتختلط عليك الامور من منهما يقود الآخر
ما في القلب
أم ما في الروح
ام ما في الحروف
حين يحدث هذا الحريق الوجداني
فلا بدّ ان تقول الحروف شيئا ما
إنها تنبثق مثل عشب المراعي
أمام قطيع من خرافٍ وغزلان
الشعر يا صديقي يقولنا
ويسبقنا ..الى مواجدنا
وأحيانا لا نعرف إلى أين تقودنا خطاه.
........
_الجميل ألا نعرف ، وهنا أسألك :هل الشعر معرفة ، هل هو طريقة في العيش ، هل هو تذكر ، هل هو نسيان ، هل هو قول ما لا يقال ، ما هو الشعر كما تحسه وتكتبه وتراه ؟.
....
_تسألني ...هل الشعر معرفة
وهل يمكن ان يكون الشعر خارج المعرفة
ولكن ربما يبتعد الشعر عن المنطق الجامد
والواقعية الفجّة... والتقريرية الباهتة ...والخطابية السياسية
والصراخ
وكلّ هذا خارج المعرفة الشعرية
والتحليق الخيالي
والجنون الابداعي
وانا اتصوّر أنّ الشاعر يمكنه ان يتعمّق المدارس الشعريّة كلها
ويأخذ من إيجابيات كل مدرسة
ليصل الى ما يحلّق بالشعر وينهض به عالياً ...ليتجاوز سلبياتها
وعثراتها ويتوحّد مع وجدانه وروحه الوالهة العاشقة
وليكون بذلك طريقة حياة بشكلٍ ما
ولينسى ما على الشعر ان ينساه
وليقول ما لم يقله لولاه.
وتسألني ...ما هو الشعر
وانا ارى من وجهة نظري الخاصّة
...وكلّ شاعرٍ له وجهة نظرٍ خاصّة...
انّ الشعر هو لهاث الروح...
ونبض القلوب...وتفتّح الازهار
وهبوب الرياح ..وجريان السواقي
وهطول الامطار...وانسكاب دموع الامهات ...وضحكات الأطفال..وتأوّهات العاشقين
وأشياء أخرى كثيرة لا نعرف كيف تولد...ولا نعرف كيف يولّدها الشعر.
.....
_أعتقد أن الشعر سابق على المدرسة ، وما من مدرسة يمكن أن تحتويه وتبقى مدرسة ، الشعر ابن التجربة والتجربة مفتوحة على المطلق ، كيف يتحدث الشاعر هنا عن تجربته وعن حاله الشعري وبالحرية التي يراها ؟.
....
_لم أقل ان الشعر لاحق بالمدرسة
واعرف انه اكبر من المدارس
وقبلها..
ولم يكن أجدادنا يعرفون المدارس الشعرية.وكانوا يقولون أحوالهم
ويبكون قتلاهم ويجمّلون حبيباتهم
ويموسقون الحياة الضاجّة بشؤونها
وينظمون الفوضى الحياتية من حولهم بما يتدفّق من ينابيع ارواحهم
وجاءت المدارس حديثاً كمحاولة للإحاطة بعصفور الشعر
وكما تفعل انت الآن حين تسألني..ما الشعر ...
وحقاً إن الشعر ابن التجربة والحياة
وابن الجنون الابداعي الذي لا تحدّه المدارس...
غير انّ الخليل ابن احمد حاول أن يحده بالعروض
وقد أثبتت التجارب الشعرية الحديثة فشله
وحاولت المدارس الشعرية يقييده
ولكنها فشلت ايضا
ويظل عصفور الشعر محلّقاً في الأعالي
يبدّل لون جناحيه في كلّ تجربة
ويلعب بعيوننا وقلوبنا وأسماعنا
وهو يغرّد فارداً جناحيه بألوان لاحصر لها والحان تجدّد نفسها مع كلّ شبابة راعٍ وكل صوت مغنٍّ
أما عن تجربتي ...فربّما كان لها فرادتها وغرابتها ايضاً
وانت سّيّد العارفين بها والمتابعين لسطوة الشعر الكبرى على روحي الوالهة العطشى
انها النبع الذي لا أعرف متى يتدفّق
ولا متى يتوقّف عن التدفّق
ولا متى ينضب
انه القلب الذي يضخّ دم الكلمات في فضاءت جسد وجودي
وانا به أحيا ...ومن دونه لا قيمة لحياتي.
....
_الشعر فن زمني له صلة بالحياة كما نعرفها ونتذوقها وهو أيضا فن له صلة بالأبدية ، كيف يمسك الشعر بهذين الطائرين ، الحياة والأبدية كما يرى عبد الكريم شعبان ؟.
....
_الشعر لهاث الروح وتفصُّد عرقها الذي يتلوّن بألف لون
وخيط السرّة لنبض كلّ قلبٍ
فإذا انقطع هذا الخيط الرابط بين القلب والحياة ابتعد الشعر الى مخابئه المعتمة ورحنا نتلمس خطاه
والوانه بجهدٍ ومشقّة فربما امسكنا بطرف الخيط وربما لم نتمكن من ذلك ..فتطير الحروف هباء في فضاء لا نستطيع ان نصله... وبذلك تنتفي الفائدة منه
وإذا التصقت الحروف بصخرة الواقع
فربما تحترق وتجفّ قبل ان تصلنا رائحة عبقها الابداعيّ
وهنا لابدّ أن نتحدّث عن عجينة الشعر التي عُجنت من بهاء اللغة
وحرير الروح ...ونبض القلب
وعرق الحياة
ولأنّّ الشعر ليس مطلوباً منه ان يحرّر المغتصب من الأرض
ولا ان يكون تعويضا عن السلاح
ولا صراخا فارغاً في الهواء
لذلك لا بدّ أن نستمع الى همسه العميق متغلغلاً في أسّ الوجود...
شارباً من ينابيع الرؤى الفلسفية
ومحلقاً في فضاءات المعرفة العميقة
لحياة يحياها الشاعر ويلهث ليعرف الى أية جهةٍ تقوده خطاه.
.....
_ماذا عن الشعر والمشي ، سؤال يبدو غريبا لأول وهلة ، لماذا كان الشعراء مشائين كبارا ، هل يمنح المشي الشاعر الشرود اللازم للتأمل والتخفف وبالتالي التحرر من الضجيج والاستماع إلى قلبه وروحه ، هل المشي شعر آخر لديك وانت من الشعراء المشائين ، تعال نتحدث عن الشعر والمشي.
.....
_هذا السؤال يدخلنا في صميم حركتنا اليومية
فإن لم اكن على الدراجة الهوائية
فلا بدّ ان تقودني رجلاي الى الاماكن التي نحب
وقلت : نحب ..لأن المشي الصيفي ما قبل الغروب وبعده
على الكورنيش البحري في ساحل جبلة الجميل
او على المتحلّق الشرقيّ الذي أضفى على المدينة جمالاً وبهاء ..لا يكتمل ان لم يكن جماعيا
هذا الموقعان لهما قسط واسع من مشاويرنا وأحاديثنا وجدالاتنا الشعرية والثقافية والوجدانية ...والاجتماعية السياسية أحياناً ..وانا أقل منك احتفاء بالمشي...فأنت ..ابا هاشم تخذت رؤوس الجبال مرتاداً ...والمشي ما بين الجبال والجبال هواية وفرحا
وكتابة
وهذا امر تحسد عليه وأتمنّى لو أماشيك في مشاويرك الطوال
ولكنّ لكلٍّ منا شؤونه... وهمومه ومراميه..
وعلى سيرة المشي فكم من الكتب صديقي قرأناها سوية ونحن نمشي من الريف القريب نسبباً
إلى المدينة
وكم من الحكايا والصور الأحاديث
زرعنا بها الدروب والمنحنيات وضفاف الأنهار
سلام لمشاورنا الشهية
ولبهاء التلال والهضاب والسهول والجبال
سلام لنا
وسلام للشعر.
....
_وسلام لك على كل حال ، اللغة حبيبة الشاعر اذا غابت الحبيبة وطريقه اذا ضاعت الطرق وكأسه إذا تكسرت الكؤوس ، تعال نتحدث عن اللغة لديك ، هناك حيث البداهة والصفاء والذكاء الشعري ، تعال نتحدث عن كل ذلك ، وأنا اسمعك.
...
_اللغة ....صديقي...جوهر الشعر ولبّه
انها جسد القصيدة ...والاحاسيس
والمعاني روحها ...لأننا نستطيع ان نؤلّف من الكلمات المهملة قصيدة
موزونة عمودا او تفعيلة او حرّة
وتكون هذه القصيدة جسداً للنص خالياً من المعاني
وقد خضت مرّة مثل هذه التجربة
فكتبت من الحروف المهملة قصيدة
بثلاثين بيتا موزونةً مقفّاةً ولكنها لا تقع على معنى ..وهي تشبه تمثالاً من الحجر بغاية الجمال ولكنه بلا روح...وكالمطر على الأرض
(فإذا انزلنا عليها الماء اهتزّت وربت)
والشاعر ان لم يمتلك ناصية اللغة
بنحوها وصرفها...يفلت من يديه
أهمّ شرطٍ لتكوين القصيدة
ولا تتأتّى اللغة إلا بالجهد والتعب المستمر...ّ فهي فرس حرون غير مسوسة ...والشاعر المتمكّن من اللغة
يسوس هذه الفرس فتسلس له ..إذا امتلك ناصيتها جيّداً. وأمسك بلجامها وقادها الى ما يريد
وهكدا تسقط قصيدةٌ ما ...صادقة عامرة بالأحاسيس ولكنّها مهلهلة اللغة ضعيفتها ...كالقصائد التي تتخذ العاميّة جسدا لها
ومهما عبّأتها بالأحاسيس والصور
تظل خارج قانون القصيدة الكاملة
انها تضيع الشرط الأهم لكيان القصيدة المكتملة
ونحن على صفحات هذا العالم الافتراضي نقرأ لشعراء قصائد
غنيّةً بالصور والصدق العاطفيّ ولكنها ..ضعيفة السبك هزيلة البنيان..انها اشبه ببيت من الثلج سريعاً ما يتهدّم ويذوب اذا تعرّض لشمس النقد الحارقة
اللغة حامل وما تبقّى محمولٍ
كأن نضع ماءً في قربةٍ مخروقة
فلا نقبض على شيئ
أو نملأ قربةً متّسخةً بماء نظيف
وهكذا تختلّ القصيدة حين ينقص أحد شروطها وأهمّها
وباكتمال شروط القصيدة نقبض على النصّ الباهر الذي يذكّر ببيت من الشعر للمتنبّي
ولم ار في عيوب الناس شيئاً
كعيب القادرين على التمام
والحقيقة انّ الغلبة التي حقّقها المتنبي في زمنه على أفرانه ...كانت بامتلاكه ناصية اللغة اكثر من غيره
ليتسلّى بها وبالآخرين قائلاً
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الناس جرّاها ...ويختصمُ
وقد ذكرت في سؤالك صديقي
الذكاء الشعريّ ...فإذا امتلكنا اللغة
ولم نمتلك هذا الذكاء الشعريّ ظلّت شروط القصيدة ناقصةً ...بداهةً وصفاء كما تقول
لقد حاول الناقد الكبير العقّاد ان يكتب شعراً وهو الذي يضع كناقدٍ ...الموازين للقصيدة ...فلم ينجح لأنه أضاع خيط الشعر المتمتّل بالبداهة والصفاء والذكاء الشعريّ ووقف عند اللغة كجسد
اننا امام خلق مشابه لخلق الله
في قصيدة الوجود وتفرّعاتها
فلو نقص شرط صغير ووحيد من هذا الخلق لاستحالت الحياة
كنقص الماء أو الأوكسجين
أو الاملاح أو. ...أو
وهكذا نقترب من النجاح في انتاج قصيدةٍ عاليةً كلما اقتربنا اكثر من اكتمال شروط وجودها
حتى الساعة لا تقوم إلّا باكتمال اشراطها .(..فإذا جاءت أشراطها)
والنقص في أيّ شرطٍ من شروطها
يحدث خللاً في جودة القصيدة وجمالها.
....
_لكننا اليوم في عالم التحولات الكبرى التي لم يسبق لها مثيل ، تحولات في الحياة والناس وطرائق التفكير والعيش ولم يعد العالم بسيطا كما كان وبالتالي لن تظل الكتابة كما الفناها ولن يظل الشعر كذلك ، والشعر الجديد " شعر الشباب " آخذ بالانقطاع عن كل ما كان ، في الشكل والحال والروح والمقام ، وهو شعر جميل ومختلف طيب ومؤثر وفني أيضا وفقا للرؤى الجديدة التي تواكبه وتمشي معه ، فماذا نقول ؟.
...
_وهنا مربط الفرس
(الجيل الجديد ...والشعر الجديد
والانقطاع عن كل ما كان في الشكل والحال والروح والمقام....)
ونحن لا ننتظر من أبنائنا الشباب ان يكونوا نسخة عن آبائهم
كما أننا لم نكن نسخة عن آبائنا
وإن كان لآبائنا في الشعر فضل شقّ الطريق وتعبيدها وتأسيس مسارهم الذي نحترمه ونقدّر لهم هذا الجهد
ونحن لا نريد من النشئ الجديد إلّا
أن يعطينا شيئاً ولو ضئيلا من التقدير والاحترام
وأن لا يهدموا تماما كلّ ما بنيناه
ونحن سنساعدهم على هدم ما علينا وعليهم هدمه
المعطيات الثقافية والاجتماعية والوجدانيّة والفكرية اختلفت
وتسارعت في ابراز هذا الاختلاف
وأرى أنّ الأجيال الجديدة قد توفّر لها من المعطيات الحضارية والثقافية والاعلامية ما لم يعط لألف جيلٌ سلف
ونحن مستفيدون جميعاً من هذه المعطيات ...وموضوعون جميعاً أمام ذواتنا..وأمام القفز الحضاري باتجاهات لا ندري الى أين ستصل
وللحقيقة انني استريح لكلّ موهبة تعطيني سمتاً ومعلماً جديدا
وتضيف شيئاً ولو ضئيلا إلى هرم الشعر المتصاعد علوّا الى ما شاء الله
وللحقيقة أيضا....ً إنني أستفيد في تجربتي من تجارب الشباب أكثر مما أستفيد من تجارب الآباء والأجداد
وتسحرني بعض التجارب التي تستطيع ان تشقّ لها مجرى في هذا الزحام الجارف والسيل العارم
الذي يحمل في طيّاته كما السيل
الطحالب والزبد والهدير والماء ايضاً
والشعراء هم نقّاد أنفسهم
فحركة الشعر أقوى بكثير من حركة النقد وهدير سيله لا يمكن لأيّ نقدٍ أن يوقفه
ونحن لا نريد إلا أن يظل طائر الشعر فارداً جناحيه محلّقا ...فرحا فيّاضاً
مقتحماً عارماً عارباً كحجر في حلق النهر..
....
_دعني انحرف بالحوار قليلا وأسألك : الأنوثة في الشعر كما رأيتها فيما قرأت وكما تراها فيما تكتب ، هل هي حاضرة كذات لها وقعها وانسانيتها وجمالها الخاص أم هي موضوع فقط ؟
دعنا ندخل مقام الأنوثة /المرأة كما لم يدخله أحد من قبل .
...
_حين يجفّ معين الأنوثة من قلب الشاعر يجفّ نهر الشعر ويحصل انقطاع شديد بين ما هو جميل
وشهيّ وبين ماهو ناشف وجافٌّ
وعاجز
الشعر شعور رقيق رهيف تحرّكه العواطف وتدفعه أكفّ النسوة
الى فضاءات لا يمكن ان يصلها لولا هذه الآكف
والشاعر لا يمكنه ألا يكون عاشقاً
للجمال وصانعاً له ..وغارقاً فيه
وشاهداً عليه
والقلوب الشاعرة تتسع لفضاء الأنثى
وتذيبها في دم القصيدة
كقطعة سكّرً في كأس من الشاي
الشجرة أنثى ...والزهرة أنثى
والطريق انثى وإن تذكّر
والحياة بقضّها وقضيضها انثى
وعلى الشاعر ان يبحث عن مجراه الشعريّ وأن يعمّقه أكثر كلّ يومٍ ولوحفر في تلافيف قلبه
واذا تحدّثت عن نفسي فسوف أكون مضطرّاً للإعتراف.بأنني لم أكف يوماً
عن أن أكون عاشقاً
لأنثى او لزهرة
أو لصخرة..
أو لحرير الشعر الأنثوي الذي أقتات
من موائده كل يوم.
....
_القصيدة مؤنثة والشعر مذكر في اللغة ، لماذا برأيك ؟.
...
_اذا أردت الرأي المنطقي
فهذا تأنيث بتاء التأنيث المربوطة
وذاك تذكير بحذفها
أما الرأي الشعريّ
فإنّ الشعر ابُ
والقصيدة ابنة
وللشعر الأب ابناء وبنات لاحصر لها.
....
_طبعا الرأي الشعري ، الشعر لا يسلك طريق المنطق فهو لا يتنفس هناك ، طريقه مختلف ، الكل يتنفس من رئة الشعر أما هو فله طريقته التي يتنفس بها والتي يجب أن تظل مجهولة ، ما رأيك؟.
...
_المنطق لغير الشعر
المنطق أفكار ومقدّّمات ونتائح
والشعر هوس آخر
خروج إلى المجهول
لعبٌ بكرات الثلج الحارقة
او لعب بلهيبٍ لا دخان له
او دخان لا لهب فيه
او سباحة في ماء الذاكرة
او سباحة خارج الماء والهواء
مشيٌ الى اوراء
او انحدار الى فوق
اوخروجٌ من الدوائر كلها
الزمان ...والمكان..
تزحلق على جليدٍ ساخن
افتراش العشب
والسفر راكبين قصبات السبق
أو البحث عن خسارة لائقةٍ بشرف
المعنى او اللامعنى
الجنون الذي يمتطي صهوة العقل
والخيال الذي يشرف من الاعالي
ثم اذا به يهبط في صعود غابر
نيازك تجرج من جيوب العاشقين
وتغطس في أقانيم الروح
انبهار لا دهشة فيه
او دهشة لا تعرف غير ان تدهش
الأطفال والعشّاق وعابريّ السبل
الشعر غير هذا كلّه ايضا
وكل هذا وأشياء أخرى لم تخطر بالبال.
....
_بدأ الحوار يدخل المنطقة الساخنة ، وهذا ما أريده ، وهنا أسألك : ما هو الوعي الشعري ؟.
....
يمكن ان يكون لكلّ شاعر وعيه الخاص بالشعر وبما يتعلّق بالشعر
وبما لا يتعلّق به
أمّا الوعي الشعري الذي احسّه لديّ
او أريده ولا أحسه
أو أتمنّاه ولا أحصل عليه
فهو إنما يبدأ بشكلٍ تراتبيٍّ زمني
فلا بدّ من الوعي بخطورة ما نحن غارقون فيه ...الشعر وماؤه الأزرق الغامق والتحضير للغوص في لجّته بوعيٍ حضاريٍّ ثقافيٍّ وتخزين مؤونة الشتاء لسنوات القحط والجوع الشعريّ...فكيف ندخل حرم الشعر ونحن غير محرمين
ولا حاملين من أوراقه غير الرماد
لكي نتسلّق دخان الكلمات علينا ان نعيش قبل ذلك طقس المعرونشعل بخور الكلمات ليعبق في انوف ارواحنا روائحها الذكية
ولكي ندخل طقس الجنون الشعري
بوعيٍ جنونيٍّ كافٍ لكتابة قصيدة
في كل احتقانٍ وجدانيٍّ وروحيّ
وهكذا لا بدّ من التحضير لذلك بوعيٍ
شاهقٍ ونفس أعلى من أنفاس من يتسلّقون جبال هملايا
بوعي عاقلً نتحضّر للدخول في طقس الشعر
وبجنون لا يعيقه اعتقال..نكتبه
والعقل اعتقال
لذلل سنعي انّ الشعر منطقة خارج الوعي المنطقي الجامد
وهو طائر حرٌّ له جنونه الخاص
ووعيه الخاص
وانبثاقاته التي لا تعطينا مواعيدها
كلّ هذا بعد أن نكون قد تعقّلنا زمنا كافياً للتحضير للدخول في اروقة الشعر الغامضة.
....
هناك تقاليد شعريه رسخها الزمن ، هذه التقاليد تخفي وتحجب إمكانات الشعر وتجعله ساكنا مطمئنا ، سؤالي هو كيف يمكن التأسيس لتقاليد جديدة تحرر الشعر من الاقفاص الجاهزة وتطلق سراح الطائر البهي إلى الهواء الحر ؟.
...
سؤال مهمّ
والاجابة عليه تحتاج لجرأة وانفتاح على الجديد الذي أصبحنا وراءه
اعترف انني رغم وعيي الشديد
لضرورة اقتحام سياج الجديد
الا انني أجدني دائما خارج السياج
رغم اني كتبت قصيدة النثر اربع سنوات ثمّ انكفأت عنها لعدم رضاي عن نفسي. لأنني كنت أحسّ وما أزال أننا أقصد جيل السبعينات والثمانينات تظل قصيدة النثر غير مهضومة لديهم
واعترف ايضاً ان الشاعرات هنّ أشدّ التفاتا إلى قصيدة النثر
وبعضهنّ يكتبنها بجمالية ساحرة
وكثير منهنّ ومن الشباب يتخبّطون في ضحضاخها تخبّطاً.
ومع ذلك فإنها ستكون مستقبل الشعر وسوف تتخلّص من الجمود وسجن القوافي وسلطة اللغة
وسحر الموسيقى
وانا ممن تسبقه الموسيقى وتجري كنهرٍ جارف امام معانيه
قصيدة النثر بالنسبة لي تجاوزتني كثيرا وانا الهث للحاق بها
فانا كشاعر... لم استطع ان أقنع قصيدة النسر بشاعريّتي
وظلّت تجارب الجيل الجديد تتالى
وانا اتفرّج عليها من وراء السياج
وربما يجيئ يوم ما... اراني فيه
في بؤرتها الحارة... وفي عين التنين الجديد ...الذي راح يجرف كلّ شيئ..
....
الشعر هو الذي يجعل اللغة تنبت وهو الذي يجعلها تزهر أكثر من أي شيء آخر ، من أين للشعر كل هذه الطاقة ومن أين يستمد قوته ؟.
....
لأنّ الشعر يجعل اللغة تزهر لذلك
تتوالد وتورق ببن يديه لتقول أحوالها وهذا التوالد يشقق الكلام
ويجدّده وينميه.... وعند ادونيس
نظرية تفجير اللغة ...من خلال تحميل الكلام اكثر مما يحتمل
وكان العرب يسمّون ذلك توليداً
فهناك معانٍ تتوالد من الصياغات الشعرية المحلّقة ...صورا ...وبياناً
وأحاسيس
ولنتصور انّ الشعر من أقدم العصور غير موجود...فكم كانت. اللغة ستخسر...واللغات التي لا يحملها الشعر تظلّ فقيرة بائسة ..
ولذلك كان للغة العربية قصب السبق
في توليد المعاني وتجديدها
والاستغناء عن بعضها حسب الحاجة ...واللغة العربية من اكثر اللغاة اعتناء بالمترادفات ...فيكون للسيف او للأسد او للكلب العديد العديد من المترادفات
وهي صفات تحوّلت مع الرمن الى اسماء كالصمصامة ...والهنديّ
والحسام ...والبتّار وغيرها
والشاعر وحده من يلهث وراء الادهاش وتوليد المعاني الجديدة
وتجديد الصور ...وتحديث المفردات
داخل السياق
والكلمة مغردةً لا تستطيع ان تدهش
ولا أن تبدع معاني جديدة ولكنّ المفردة داخل السياقات الجديدة
والصور المباغتة البعيدة او القريبة
هي التي تولّد المعاني وتأخذ على عاتقها امكانية تجديد اللغة
بقصد أو بلا قصد
ولا شكّ ان للقرآن دورا جبّارا في توليد المعاني من الصور المدهشة
ولذلك استطاع ابو تمّام ان يدافع عن نفسه معتمدا على القرآن
حين سُئل....لماذا لا تقول ما يفهم
فأجابهم....ولماذا لا تفهمون ما يقال
وجاءهم بمثال من القرآن حين قيل له ....أعطنا شربة من ماء الملام
فقال اذا أعطيتموني ريشة من جناح الذّل ..
وعبر العصور حصل هذا التسابق بين الشعراء على التجديد والادهاس والاختراع. ...ولذلك أيضا نكتشف اليوم مع قصيدة النثر ادهاشا غير مسبوق في توليد المعاني وتفجير اللغة...وتحديثها.
.....
سأفترض أن شاعرا من ألف عام يعود الآن ، وأن شاعرا الآن يظهر بعد ألف عام ، ماذا يقول كل شاعر عن الشعر ،
دعنا نتخيل.
.....
الشاعر القادم من الأزمنة السحيقة
ضيفاً على العصر...
والشاعر الذي نتصوّر أننا سنحاوره بعد ألف عام..
تريد صديقي أن ترى الفوارق وخيوط التلاقي بين الماضي البعيد
والمستقبل البعيد أيضاً
وربما تريد أن تعرف ما القاسم المشترك الذي يمكن أن يتبقّى
من شعر الماضين وشعر الآتين بعد مئآت السنين...
إنه سؤال بغاية الجدّة ...وربما لم يمرّ بخلد سائلٍ من قبل..
يمكننا أن نتصوّر تجهّم الشاعر القادم
من الماضي ..وتحسُّره على الجهد الكبير والابداع العالي الذي سيعتبر أن الشعر وأجياله قد خسروه...
لأنه سيكون غريباً على ما يسمع ويرى ..وما يأكل ويلبس ..وما يتّخذه راحلةً...بديلاً عن الخيل والجمال والحمير...(لتركبوها)..
ولكن ما سيتوقّف عنده فرحاً ..أنّ اللغة التي يقرأ بها ما يُكتب هي لغته
ذاتها ..بإعرابها.. وصرفها... وصورها
..وبيانها .. مع فروقات قليلةٍ في التخفيف من عبءالفصاحة ...وفقدان كلماتٍ كانت تحت الطلب في عصره... كالسلاح والمركوب ..والمأكول..والملبوس.
ولكنه لن يقتنع بلعبة الحداثة التي تأكل أذهاننا هذه الأيام..
وسوف يقعد مليّاً في صحن أحد المساجد ...يلتمس سماع صوت المقرئ عبد الباسط...ويبدي إعجابه
باللحن ...وجمال التلاوة.
وينطلق بعد ذلك سريعاً للاختباء في ركنٍ مهملٍ...يلتهم تمره وخبزه
ويقول وهو على صهوةجواده
..مودّعاً..واحسرتا على العباد ..والشعر بعدك...يا أبا الطيّب
...أمّا الشاعر الذي نستقدمه من المستقبل...فسوف يُعيينا فهم ما يقول...لأنّه يحمل لغةً آخذةً من كلّ اللغات..ويقرأ أشعاراً لم نألفها...
ويركب مركوباً عجيباً لم نعتد عليه
ويحمل عشقه ودهشته...
ويمضي في شوارع الأيام...
بلباسٍ مختلفٍ..وعينين حزينتين
على ما يرى ويسمع..
ويضحك من قلبه على همومنا ..وأشواقنا المكبوتة..وعشقنا الفاشل..وحروبنا الكلامية..والفكرية..
والانسانية
وأخيراً ..يمسك بعصاه..وكأنها عصا موسى..رافعاً إياها..ملوّحاً بها في الهواء ..محلّقاً بها في الأعالي...
راسماً تلويحة الوداع...
على غيوم الصباح الساحرة.
.....
قصيدتنا الجميلة هي تلك التي تحل علينا ، تنبت من أعماقنا ، القصيدة التي تكتبنا ونكتبها في لقاء فريد بيننا وبينها ، القصيدة التي توازي الحب أو القصيدة التي تتفتح وتزهر كما لو كنا في لحظة حب ، دعنا نتكلم عن هذه القصيدة : لحظة الحب ، لحظة الشعر لنختم بها حوارنا ، وليكن الختام مسكا أو أكثر من مسك.
....
حين اعتزم.. كتابة قصيدة جديدة
على صفحتي لا أستخدم القلم والورقة ولا أضع خطوطاً عريضة لها ... ولا يكون في ذهني ايّة فكرة جاهزة ...
وأيّة فكرة جاهزة ستضيع
وقت كتابة القصيدة
لأنني اترك للبياض ان يسودّ على راحته... وأنسابُ معها حيث تقودني
ولا أتوقّف إلّا حيث تتوقّف القصيدة
ولا أستطيع أن أخمّن ان كانت قصيدة جميلة او هزيلة او برّية
قاحلة
القصيدة تكتبني ...تأخذني في مشاويرها ومساربها الغامضة والأليفة في توليفة سريالية مبهجة
وإن لم تكن كذلك فإنها ستتوقّف
في أوّل الطريق أو منتصفها
وتموت قبل أن تولد
ولا أحب الولادات القيصرية للقصيدة ..لأنها بذلك ستفقد الكثير من طراوتها ودهشتها وارتقاصها
في فرح الحروف
وانغماسها في ماء الروح
وسياحتها في مفارق الدروب والقرى
وشواطئ الانهار
القصيدة عالم يخلق لتوّه
ولا نعرف كيف
ويتولّد من نبضات القلب والموسيقى
وسكر الحروف...
ولكلّ قصيدة فرحها الخاص
وطعمها الخاص...ولونها الذي تتلوّن به دون أن تستأذنني
ولا أخرج من معاشرتها إلا بعد تبلغ بي...وأبلغ بها الذروة
وللحقيقة أنّ القصيدة لا تعطيني جمالها مباشرةً ...وقد أصبحت مكتملة وناضجة مثل رغيف خبز. على تنور العواطف
ولكنّها بعد أن يستعيدها لي الفيس بعد عامين وأقرأها وكأنني لست قائلها ناسياً كيف كتبت
غافلا عن حيثياتها العاطفية والجغرافية...والنفسية
حين ذاك أجد للقصيدة طعماً أخر...
وهذا يذكّرني بالخمرة المعتّقة
أو بالتبغ المخمّر المعتّق
وهو هو ولكنه تخمّر وطاب
كل وصف لحالة الكتابة فيه الكثير من التكلّف والزيغان عن القصد
لأنّ القصيدة كانت ...وستكون غير ذلك...
الشعر هواء نقيٌّ آخذه بعذريته
لأوّل شمّة
انها ليلة الدخلة التي تكون الى نهاية العمر حالة خاصّة ومميّزة... ولو تكررت بعد ذلك آلاف المرّات
القصيدة مفاجأتي التي تتكرّر ابداً
ولّكلّ تكرار دهشته ...وعجائبيته
وغرابته
اعترف انني أخاف من القصيدة
قبل أن تكتب
لأنني أخشى أن تخونني وهي تبدع نفسها كما تشاء ...وأخشى أن تنزلق في مزالق لا إبداع فيها
ولكنها في النهاية تكون قد كتبت نفسها على الشكل الذي تريد
وما عليّ بعد ذلك إلّا ان أتركها تتخمّر.. وتستعد لذائقة الذواقين
والمحبّين...والعابثين
أشكرك صديقي لأنّك وفّرت لي فرصة قول ما قلت من خلال أسئلتك المستفزة الجادّة التي جعلتني أقول ما لم يكن بوسعي أن أقوله بطريقة اخرى.
..........
.
"أيقنَ اللّيلُ أنّي مدينٌ له بالمجاز
وأنَّ المجازَ مدينٌ له بالغموض
أيقنَ اللّيلُ أنَّ النهار نقيض
وأنَّ النقيضَ نهوض
أَروضُ فؤادي على طرقات الهوى
وفؤاد الهوى لا يَروض
يا نديمي وقد تَعيسَ الحالُ
هل يسعدُ الحالَ عَوض
لا تلمني .. وما لامَ إلّا حبيبٌ
وفي الحبِّ تفنى الفروض"

 

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي