loader
MaskImg

حوارات

حوار في الفلسفة مع الاستاذ د . علي المرهج

breakLine

حوار في الفلسفة مع الاستاذ د . علي المرهج

اجرى الحوار / هاشم الشماع / صحفي عراقي

 

س: هل ولدت الفلسفة مع ولادة الانسان ، وصارت الهاجس التي يعتريه؟

لم تولد الفلسفة مع ولادة الإنسان، ولكن السؤال الفلسفي مُضمر في الوعي الإنساني منذ وجوده ففي الفكر الأسطوري تساؤل عن أسباب الوجود، ولكن الإجابات عن هذا التساؤل بحكم المنظومة المعرفية المُهيمنة في بدايات الخليقة كانت تنتظم وفق الرؤية الأسطورية التي يشتغل فيها العقل مُنسجماً معها على المستوى العام، لكنه بفردانيته عقل فاعل مُبدع.

 

س: يقول هيدغر : الفيلسوف يفكر آنياً وداخلياً مع نفسه ، ثم ينتقل الى التفكير بالآخر؟

التفكير آنياً بالذات بالنسبة لهيدغر هو وجود أنا مع آخر، فلا معنى للتفكير الذي يسبق الوجود، لأن الوجود البشري إنما هو "وجود ـ في ـ العالم" وبمعنى آخر هو "وجود ـ مع ـ آخرين".
الآخرون عند هيدغر يُشكلون جوهر الوجود الأصيل للفرد.

 

س: هل نستطيع القول أن هذه العبارة هي بالرغم من أنها فلسفية بذات الوقت هي تأسيس سياسي ، أو قل تأسيس عقد اجتماعي؟

إن فكرة العقد الاجتماعي ظهرت مع توماس هوبز وجون لوك وجان جاك روسو. لها بُعدان: الأول: اجتماعي، والثاني: سياسي، والأخير هو الغاية القصد منه ضبط علاقة السلطة بالفرد والمُجتمع.
يحمل مفهوم العقد الاجتماعي في طيَاته سعي أصحاب السلطة للهيمنة والتحكم بمصير الأفراد والجماعات، فكان الفلاسفة بسعيهم الجاد لتخليص المجتمع من سطوة رجال الدين عبر التنظير للفصل بين السلطات للإيقاع بالجماهير ليكونوا أداة طيعة بيد الساسة.
مع هيدغر الأمر مُختلف، فلم يكن هيدغر مشغولاً بالدفاع عن فكرة أو مفهوم العقد الاجتماعي بقدر ما كان شغوفاً بايجاد حلول لمشكلة الحُرية بعيدة عن كل أشكال الهيمنة، سواء أ كانت دينية أم سياسية.
ما يهيم به هيدغر هو الوجود الحر للأفراد حتى داخل المنظومة المُجتمعية السائدة.

 

س: هل نستطيع القول أن الفيلسوف نزل من المثالية الى الواقعية بعد أن كان يعيش مع نفسه، وصار يؤطر لمنظومة يتعايش فيها الجميع؟.

لم يكن الفيلسوف منذ نشوء الفلسفة مع طاليس وتطورها مع افلاطون وتلميذه أرسطو بعيداً عن المُجتمع، فطاليس فيلسوف الطبيعة كان مهموماً بالبحث عن حل لمشكلة الوجود، وهي مشكلة تبدو أنها ذات طبيعة (ميتافيزيقية) إلَا أنها بنظرة مُنصفة هي حل لمشكل علاقة الإنسان بالطبيعة والوجود وعلاقة الإنسان مع الآلهة في وقتها وزمانها، فقد أوجدَت تفسيراً مُستمداً من المُلاحظة لا من الأسطرة لعلة الوجود يعتمد الرؤية العقلانية.
ولو أخذنا فلسفة افلاطون المثالية التي يؤاخذه عليها كثير من الواقعيين كونها تصنع عوالماً في المُخيلة، لكنها كما أظن لم تكن بعيدة كُل البُعد عن الواقع، وسأستعير جملة أكررها دائماً لأستاذي الكبير (مدني صالح): "المثال هو المُتمنى. ما أن يتحقق المُتمنى حتى يصبح واقعاً، فلا فرق بين ما هو مثالي وواقعي إلَا من جهة التحقق".
ولو أخذنا الفلسفة السفسطائية لوجدناها فلسفة إنسانية بامتياز، وعلى وفق آراء فلاسفتها نشأت أغلب الفلسفات الواقعية المُعاصرة.
الفيلسوف مهمته الأساسية هي القبول بالآخر والتأسيس لمنظومة يتعايش بها الجميع من الذين يختلفون في الرأي لا في مُمارسة العُنف وقسر الآخرين على تبني رأي واحد!.

 

س: نحن كمجتمع نفكر لكن كيف لنا ان نتعلم التفكير الصحيح ، ما هي السبل والآليات؟.

عبارة التفكير الصحيح عبارة مُفخخة، فكل أمة بما لديهم فرحون، وكل جماعة تدعي أن ما تتبناه من فكر هو الصحيح، ومشكلة مُجتمعاتنا بنمط انتمائاتها العقائدية والأيديولوجية ونزوعها "الدوغمائي" أو "الأرثذوكسي" بعبارة محمد أركون، فلا تجد في مُجتمعاتنا فرقة إلَا ويدعي أصحابها أنهم "سفينة النجاة" ومن ركبها قد نجا، وحديث الفرقة الناجية معروف، وكل فرقة تدَعي أنه هي المقصودة به.
لكن ما يُميز أهل الفلسفة أنهم يطرحون رؤاهم باالحُجة والدليل، ولكن هذه الحجة والأدلة ليست مُسددة بارادة ربانية، فلا حساب لمن لا يأخذ بها لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة، لذا أقول أن في الفلسفة فسحة من الدعوة للتفكر بحرية خارج هيمة أو سطوة المُقدس المُفارق.
إذن فالتفكير الصحيح بلغة أهل الفلسفة هو مرونة التعقل لا في إنغلاقه، وبالتخلي عن ادَعاء العصمة الفكرية لبني البشر، فمهمة الفلاسفة البحث عن الحقيقة لا ادَعاء إمتلاكها.

 

س: ماهي العلاقة الجدلية بين الفلسفة ، كنظام تفكيري باختلاف اتجاهاتها ، وبين السياسة التي أيضا لها اتجاهات ، وتعاريف متعددة؟.

أنت ذكرت أن العلاقة بين الفلسفة والسياسة علاقة جدلية، وأنا أذكرك أن السياسة هي من أقسام الفلسفة العملية.
جُلَ الفلاسفة نظَروا في السياسة، لأنهم يعتقدون أنهم الأصلح لإدارة الدولة منذ افلاطون في جمهوريته مروراً بالفاربي في مدينته الفاضلة، وأوغسطين في "مدينة الله" وصولاً لمكيافيلي في كتابه "الأمير"، ولا يخف عليك فلاسفة التنوير منذ كانت في رسالته "ما هو التنوير" و "السلام الدائم"، وقد ذكرنا من قبل توماس هوبز في رؤيته للعقد الاجتماعي في كتابه "اللفيثيان" و جون لوك في "الحُكم المدني" و "رسالة في التسامح" وجان جاك روسو في كتابه "العقد الاجتماعي" ومنتسكيو في كتابه "روح القوانين" أو "روح الشرائع".
ومن قبل في فلسفتنا الإسلامي لنا أمثلة لعلاقة الفلسفة بالسياسة في كتابات ابن خلدون في مقدمته والماوردي.
لم يستطع مفكروا السياسة تجاوز رؤى الفلاسفة واتجاهاتهم، فكلها تدور في فلك الفلسفة، إن كانت مثالية أو واقعية.
وبقيَ الصراع في الفكر المعاصر على أشدَه بين الرأسماليين والاشتراكيين، وكل منهم يختط رؤيته وفق منهج فلسفي، إما أنا يكون: الليبرالية وتأسيسها الفلسفي في الدفاع عن الحرية الفردية، أو الماركسي وتأسيسها الفلسفي في الدفاع عن حقوق الجماعة التي تُمثلها "البروليتاريا" أو "الشغيلة".
في كلا اتجاهي الفلسفة هذين وجدلية الصراع بينهما التي لا زالت تحكم العقل الغربي بل وحتى الشرقي نحن أسارى لهما إما بالرفض أو القبول أو التوفيق الذي يقتضي التلفيق.

 

س: برأيك هل الفيلسوف يتفلسف من أجل السياسة ، أم أن السياسي يكون سياسياً من أجل تنفيذ الأطر والتنظير الفلسفيين؟.

الفيلسوف يتفلسف من أجل السياسة عبارة مُبهمة، فإن كُنت تقصد أن لكل فيلسوف من الفلاسفة النسقيين رؤية في السياسة، فالجواب نعم، فتلك كانت ولا زالت من موروثاتنا ومأثوراتنا عن الفلاسفة التقليديين، بل وحتى فلاسفة الحداثة.
لم يتخلى الفلاسفة يوماً شعورهم بأنهم الأصلح للقيادة، والقيادة من مُستلزمات السياسة.
أما أن يكون السياسي سياسياً من أجل تنفيذ الأطر الوتنظير الفلسفيين، فذلك مما لا نعرفه عن ساستنا في مُجتمعاتنا العربية والإسلامية، لأن أغلب السياسيين إنما يحكمون وفق أهوائسهم الشخصية نزوعه النرجسي بأنهم "مُختاروا العصر" فلا فلسفة عندهم للقيادة ولا للسياسة، وإ كان بين حاشيتهم بعضم من الذين يتفكرون فمصيرهم الاقصاء والابعاد.
أما عن تاريخنا العربي الإسلامي فقد توافرت في (المأمون) بعض من وعي في الفلسفة ووعي في السياسة نذكره على تحفظ!.

 

س: برأيك دكتور ومن خلال العقل النظري والعقل العملي ، هل نجح الفلاسفة من بناء دولة فكرية يتسامي فيها الجميع ، وينصهرون فيها على اختلاف توجهاتهم؟

السؤال يحمل في طيَاته الجواب، فكل قارئ بسيط يعرف أن الفلاسفة يُنظَرون لكيفية بناء الدولة، ولكنهم ليسوا قادة ولا كلملة لهم تُسمع حتى يتسنى لهم بناء دولة فكرية يتسامى فيها الجميع.
يا ليت تكون للفلاسفة القُدرة على جذب الجماهير لمنطقة تفكيرهم في تبني الرؤية العقلانية النقدية لا صهر المُختلفين، لأن في الصهر تغييب للتنوع، وتلك ليست من مهمات الفيلسوف.
الصهر والقهر مهامات حاكم مُستبد لا حام عادل ألا وهو الفيلسوف.

 

س: هل المجتمع بحاجة الى الفيلسوف في كل زمان ومكان؟

الأمة التي ليس فيها فلاسفة كالأرض القاحلة لا نبت فيها ولا زرع، ولا يصلح حال أمة تبغي النهوض من دون وجود لفلاسفة ومفكرين يُرممون يباب الأرض ويُعمرون الهدم الذي في في العقول قبل أن يُرمموا الهدم في العُمران.
"إن الله لا يُغيَر ما بقوم حتى يُغيَروا ما في أنفسهم" والتغيير إنما هي مهمة من مهمات الأنبياء والمُصلحين والفلاسفة.
كل أمة لا مُصلحين ولا فلاسفة فيها إنما مصيرها الفناء

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي