loader
MaskImg

حوارات

حوار مع الشاعرة الجزائرية عنفوان فؤاد

breakLine

أسماء وأسئلة : إعداد وتقديم رضوان بن شيكار

حوار مع الشاعرة الجزائرية عنفوان فؤاد

 

وكالة نخيل عراقي / خاص

 

1 كيف تعرفّين نفسكِ للقراء في سطرين؟
▪ عنفوان فؤاد
اسم يسعى لترسيخي في لوحة محترقة،
يزجّ بي في عالم موبوء باﻷنا،
ويُعرّفني طوال الوقت بالاسم الثالث عشر للجحيم الآخر.
2 ماذا تقرأين الآن، وماهو أجمل كتاب قرأته؟
▪ كل شيء ولا شيء.
تمرّ عليّ أيام أقرأ فيها كل ما يقع بين يدي، كدودة تخشى أن يداهمها الخريف وهي لم تنسج تابوتها الحريريّ الناعم.
وأيام أخرى، أبتعد تمامًا عن حكّة الرأس ومسح سبورة العين، فأمضي إلى عوالم أخرى تُسقط من عليّ عباءة التفكير، ومهمّة التعليل وإثبات الحضور الدوري.
.
3 متى بدأتِ الكتابة ولماذا تكتبين؟
▪ مفهومي للكتابة مختلف ومُغاير. الكتابة دومًا تسبق صاحبها. تبدأ من الداخل. الداخل العميق. الغائر في العمق.
فالكتابة الحقّة تبدأ على جدران الرحم.. الحركات التي يقوم بها (Lي فœتوس ) الجنين، بحدّ ذاتها كتابة.
كذلكَ عند الميلاد. حركات الطفل حديث الولادة هي شكل من أشكال الكتابة. لا أذكر تحديدًا متى تورّطت بالكتابة.
لكن بصفة فعلية أقول أن عمري الحِبري بدأ في أواخر سنة 2014، هذا ما أذكرُه.
4 ماهي المدينة التي تسكنكِ ويجتاحكِ الحنين إلى التسكّع في أزقّتها وبين دروبها؟
▪ سأخبرك بشيء، المكان نحمله داخلنا وليس العكس.
أمّا المدن فهي عبارة عن لوحات تتغيّر حسب مواقيتها، ثمّة أماكن تراني قبل أن أراها، وأجدني أتمشّى في أزقتها داخل عوالم ثانية وبُعد زماني آخر.
لِبقايا المدن اﻷثرية سلطة عجيبة على نفسيتي وروحي، ممّا يوحي إليّ أنّني لا أنتمي إلى زمانكم.
أمقت التكنولوجيا وعصرنة الحياة، كونها تُجرّدنا من الخضرة التي تتحرّك داخلنا كما الإسفلت الذي يدوس على كرامة الغابات.
5 هل أنتِ راضية على إنتاجاتكِ وماهي أعمالكِ المقبلة؟
حسنًا، (Lا پيرفيچتيون) الكمال غير موجود وهذا سرّ اِستمراريتنا. ومسألة الرِضا نسبية، ترتبط بمدى تقبّل الآخر لعملك، العمل هنا سواء كان ديوانًا شِعريا أو رواية أو لوحة... إلخ
فيما يخصّ أعمالي المقبلة، لديّ عشرات الأعمال العالقة. مُشكلتي أنّني أعيش بجسدٍ واحد، بذراعين لا غير، و24 ساعة تضيق على اِمتدادي وسرعة حركتي..
أحيانًا أغبط (Lا پييوڢري) الأخطبوط على كثرة أذرعه، أم أربع وأربعين (Mيلليءپاتتيس) على أقدامها العديدة والذبابة على أعينها المتشابكة، والأفعى على سميّة بديهتها.
6 متى ستحرقين أوراقكِ الإبداعية وتعتزلين الكتابة بشكلٍ نهائي؟
▪ يا صديقي النار في حدّ ذاتها كتابة. كانت لديّ أعمال فنية عند الاِنتهاء منها مزّقتها وأخرى أحرقتها ووثّقتُ ذلكَ بمقاطع فيديو وصور.
فبالنسبة لي، فِعل التمزيق هو إعادة ترتيب لِما فاتك.
فِعل الحرق أيضًا عمل إبداعي تُرفع له الرؤوس قبل القبعات، بل هو كتابة الكتابة التي يستحيل اِستنساخها أو تقليدها.
7 ماهو العمل الذي تتمنين أن تكوني كاتبته، وهل لكِ طقوس خاصّة للكتابة؟
▪ ﻷكن صريحة معك، فلكلّ كاتب خطّه، مساره، وتجربته..
إن حاولت الزجّ بي في زاوية ما، فهذا يضعني تحت طائلة هذا الكاتب أو ذاك، بمعنى آخر أنّني انزلقتُ بصابونة التقليد..
لو يحدث أن تُشبّه كتابتي بكتابة من سبقني
فوراً، سأتوقّف عن الكتابة وأبتعد. لن أرضى أن يُقال عنّي شبيهة فلان أو على خطى علان. هذا ما أعمل على ألا أقع فيه مهما حدث.
يقول پـابلو دي سانتيس: "قراءة كتاب جيّد عبارة عن حوار متواصل، حيث الكتاب يتحدّث والروح تجيب"
شيء آخر، سأصف لك حالتي عند تعثّري بعمل شِعري ملغّم بالدهشة، ببساطة شديدة لا أتوقّف عن التنهّد
وكأن رئة دماغي تختنق، تحتاج المزيد من طلقات الهواء لإعادة الأمور إلى نصابها. وبتعبير آخر هو العمل الذي أشتم صاحبه كثيرًا سرًا وعلنًا ولا أتجاوز تجربته بسرعة، حتّى أنّني أبتعد عن الكتابة خوفًا من أن تخرج نصوصي الجديدة متلبّسة بما/ من تأثّرت به.
حسنًا تريد اسمًا يا صديقي، لك ذلكَ.
مثلاً: "للفراعين" لعنة هذا العمل من لعنة الفراعنة. ثِق بي. لن تفيدك أيّ تعويذة وأنت تقرأ هذا العمل الشرير، لن أُضيف أي حرف كي لا أحرق العمل.
فيما يخصّ الطقوس؛ فلا طقوس لي فالكتابة أصلاً تُمارس طقوسها بنا ومزاجيتها هي ما يتلبّسنا في الأخير.
8 هل للمثقّف دور فعليّ ومؤثر في المنظومة الاِجتماعية التي يعيش فيها ويتفاعل معها أم هو مجرّد مغرّد خارج السرب؟
▪المثقف؟
عذرًا، هذه كلمة فضفاضة يا صديقي.. هل تقصد بها
المثقّف الذي يخلع جِلده ليناسب فصل حاجته وغايته؛
المثقّف الذي يُربّي الأقنعة كما تُربى اللحى؛
المثقف الذي يبلع لسانه وقت الضرورة.
جميعنا سرب يا صديقي، جميعنا
هل تعلم من هم خارجه؟
أولئك الذين نجو من الموت بالموت.
كل من أطاع أفكاره وخلّدته كتاباته ورسّخت مواقفه، ثم غادرنا هو الوحيد الناجي من النسيان لأنّه وجه من أوجه الموت الحق.
9 ماذا يعني لكِ العيش في عزلة إجبارية وربما حريّة أقلّ بسبب الحجر الصحيّ؟ وهل العزلة قيد أم حرية بالنسبة للشاعر؟
▪ أنا على وِفاق دائم مع العزلة، تلك مساحة حريّتي. بالعكس، الحجر الصحيّ جعل الآخرين يزاحمونني عزلتي وهذا سبّب لي صراعات واِختناقات.. لأنّه شكل من أشكال الاختراق لعالمك الذي ترتاح إليه وفيه.
سؤال لك صديقي رضوان، هل تعتبر السجين مكبّل الحرية، يعيش عزلة، منتهك الحقوق؟
عزلتي اِختيارية بل مقدّسة.
ما حدث أن الآخرين اِقتحموا عزلتي، بعزلة إجبارية اضطرارية أجبرتهم على اِلتصاق أعمدتهم الفقرية بالأسرّة وتموضع مؤخراتهم على الكراسي على اختلاف أحجامها.
10 شخصية من الماضي ترغبين لقاءها ولماذا؟
▪متأكد من سؤالك هذا!!!
هي ليست شخصية واحدة إليك بعض الأسماء:
الماركِيز دو صاد، لوتريامون، فرناندو پيسوا، مان راي، مالكولم دو شازال، أندري بروتون، همنگواي، ڤان گوخ، داڤنشي، باية محيي الدين، إميل سيوران،
جان جنيه، جان كوكتو، جان دمو، ألن غانسبرغ، پازوليتي، بريسون، مارينا أبراموفيش، مارسيل دوشامپ، ماكس إرنست، ليونورا كارنگتون، ماپلثورپ،
لويس بونويل، ميشيما، إيڤ كلاين، رِنْ هانگ، ڤالتر بنيامين، كوليت، جان سيناك، جسِي، إيميلي ديكنسون، ليلي بريك، لويز بورجوا، شارلز بوكوفسكي، لوركا، ماياكوفسكي، كاتب يسين، دالي، أنطونان آرتو، پيكاسو، جيل دولوز،
نڤرتيتي...
والقائمة مثقلة مثقلة بالأسماء والأرواح يا صديقي.
سألتني لماذا، ببساطة سنقيم حفلة مغلقة.
11 ماذا كنتِ ستغيّرين في حياتك لو أتيحت لك فرصة البدء من جديد ولماذا؟
▪ إن قلت لا شيء فهذا يعني أنّي راضية، وهذا غير صحيح. لأن من أسرار تأقلمي مع ما/ من يحيط بي هو عدم الرضا، في سياق آخر،
أن يكون لي توأم لا يهمّ جنسه وشكله حتى إن كان مسخا، وأنا على ثقة أنه عالق في بُعد زماني ما، وسنعثر على بعضنا البعض في نهاية المطاف.
12 ماذا يبقى حين نفقد الأشياء؟ الذكريات أم الفراغ!
▪ فلنفقدها. أين الاِشكال!
كبشر عليكم التعوّد على الفقد.
نحن علب ذكريات يا صديقي.
يكفي أن يُدير أحدهم المفتاح لتقفز الذكريات من أعيننا، أفواهنا، وتتسلّل من بين أصابعنا..
أمّا الفراغ فعوالمه مشحونة بحياة غير مرئية ليس كما نعتقد.
والحياة خابية عسل وألم
اِستعد إذن لقرصات الزمن
كي تتعرّف على نكهة الأمل.
13 إلى ماذا تحتاج المرأة في أوطاننا لتصل إلى مرحلة المساواة مع الرجل في مجتمعاتنا الذكورية بامتياز،
إلى دهاء وحكمة بلقيس أم إلى جرأة وشجاعة نوال السعداوي؟
▪ المساواة المساواة المساواة!
بأيّ مسطرة تقيسون المفاهيم وتفصّلونها؟
المساواة كمفهوم يتمدّد ويتقلّص حسب الحاجة لا الغاية.
من لديها نقص داخلها تتحجّج بالمساواة، لأنها في هذه الحالة، ستعتبر كل من لا يشبهها أو يفوقها نِدًا لها، ستبحث ساعتها عن كل السبل لإزاحته من طريقها..
عن نفسي، أحتاج للمساواة مع نون النسوة وليس الرجل. أو على الأقل المساواة مع الإنسان الغربي في حقوقه الكاملة كإنسان يستحق العيش بكرامة.
14 ماجدوى هذه الكتابات الإبداعية وما علاقتها بالواقع الذي نعيشه؟ وهل يحتاج الإنسان إلى الكتابات الشِعرية ليسكن الأرض؟
▪ هذا تجنّي على الكتابة وفيه تجاوز على الشِعر.
وُجد الشِعر قبلنا ولسنا نحن من أوجد الشِعر.
ويستدعي الشِعر، أن تصنع لهبًا طويل الذيل من حطب المخيلة.
الطبيعة في حدّ ذاتها مطبعة وجودية، تُصدر لنا قصائد كونية كل هنهية، فسقوط ريشة عصفور قصيدة بصرية،
حفيف ورق الشجر قصيدة صوتية،
الشروق والغروب قصائد لا تُشبه بعضها البعض.
اللغة فخّ الشِعر،
هي القفص الذي يحتجزه ونحن نشاهده
إلاّ أنّه لم يستسلم ولن..
لهذا نستمتع بعذابه وعناده.
وكتاباتنا ماهي إلا محاولات لإبقائه يتخبّط لأطول مدّة ممكنة. تكمن ساديتنا في سماع تخبّطه محاولاً الفِرار، إلاّ أنّنا توارثنا المكيدة الأولى للإيقاع به داخلنا.
15 ما الذي يريده الناس، تحديدًا، من الشاعر؟ وهل الشِعر مهنة؟
▪ يعتقد الناس جازمين أن الشعراء حفدة الشياطين، وأكبر دليل هو اِتهام الأوائل الذين يقضون الليل في (واد عبقر) كي تتلبسهم العفاريت التي توحي لهم بالشِعر الخالص. إلا أن بنات الأفكار التي تركض وتعبث بدواخلهم من طينة شِعرية أخرى. ولست معنية بكلا التهمتين.
الشاعر ليس بالرجل الخارق (Uن سوپيرءهéروس)
ربما تأشيرة (Cهانعينع) الوحيدة التي بحوزة الشاعر هي قصائده، إذ تمنحه فرصة السفر والتنقل كما يشاء ومتى شاء.
لكن لو يحدث أن يتخذ الشاعر الشِعر مهنة له، لا تحترمه. بل توقف عن القراءة له أو التعامل مع كتاباته.
16 من هو قارئك؟ وهل تعتبرين نفسك شاعرة مقروءة؟
▪ قارئي بالمرتبة الأولى هو كل ما يتحرك داخل القبو الذي أقطن فيه.
أمّا فيما يخصّ قائمة القرّاء من هنا وهناك، هم مجموعة من الجواسيس ولصوص النصوص. الدخلاء على عوالم الشِعر والكتابة.
كما أعتبرني كاتبة تُقرأ كتاباتها من تحت لتحت،
وحتى أولئك الذين لديهم حساسية ومواقف سلبية اِتجاهي يقرأونني في الخفاء هذا بشهادة أصدقاء لهم.
17 كيف ترين تجربة النشر على مواقع التواصل الاجتماعي؟
▪ تجربة النشر عبر مواقع التواصل الاِجتماعي شرّ لا بد منه.
أي كاتب يكتب لإيصال فكرة، مشاطرة الآخر، تحقيق متعة ما، لإرضاء الدودة التي تُلح وتُلح عليه كي تخرج من شرنقة اسمها الجمجمة. نحنُ عالقون في فخّ، إلا أننا لا نسعى للخلاص منه. بالعكس، نوسّع من الهوّة لتبتلع المزيد منا. مثل الطائر الواقع في فخ لا يصيح لإبعاد سِرب الطيور بل ليوقع بهم في شِباك الصياد. جميعنا يتفق على أن التوثيق مهم، ودور النشر لا تمنحك الأمان لتقصد أبوابها، بل تمتحن صبرك ومدى صمودك في عالم الكتابة. عدد لا بأس به من الكُتّاب كانوا ضحايا ﻷلاعيب دور نشر، وهذا ما دفعهم إلى الاِستسلام أو منح كتاباتهم لقرّاء الفيس كي تُصبح في متناول كل من هبّ وانتشل.
كما توجد فئة أخرى من الكتّاب الذين اِستغلوا هذه الوسيلة لجمع كتاباتهم في ملفات پدف ومنحها للقارئ بالمجان وأكبر مثال على ذلك
الشاعر والمترجم المصريّ (محمد عيد إبراهيم)، الشاعر العراقيّ (صلاح فائق)، الشاعر الليبيّ (محيي الدين محجوب)، المترجم الليبيّ (مأمون الزائدي)، الكاتب الليبيّ (محمد عبدالله الترهوني) ...إلخ من الأسماء التي منحت أعمالها مجانا للقراء فقط كي لا ترضخ إلى سمسرة ونصب دور النشر ووعودها الكاذبة.
18 أجمل وأسوء ذكرى في حياتك؟
▪ لا يمكنني تحديد الأسوأ لأنها لو اِستمرت لما كنت هنا اليوم، ولا الأجمل لأنها أيضًا لو بقيتْ لاكتفيت وما خطوت خطوة وبقيت عالقة في ذلك الفرح.
يكمن سرّ الحياة في أمرين: أن لا نكتفي بما يجده غيرنا الأجمل، ولا ننبذ ما يراه غيرنا الأسوأ.
مثلاً هذا الحوار بعد أن يصبح في متناول القرّاء، يمكنني أن أعتبره أجمل وأسوأ ما حدث.
19 كلمة أخيرة أو شيء ترغبين الحديث عنه؟
▪ أعرف أنه تمّ توريطي، لكن لا بأس.
شكرًا لك رضوان، شكرًا للشِعر الذي شدّنا من نواصي عزلتنا ثم أخذنا إلى مساحات أخرى، شكراً لكل من يحبّ الشِعر ويعتني به،
شكرًا لكل من تجاوز نفسه وقبض على ريشة من جناح الشِعر.
والكلمة الأخيرة دومًا وأبدًا للشِعر:
فلا بدّ من مستمعٍ
ٍجيّد للصمت.