loader
MaskImg

حوارات

حوار مع الشاعر و الناقد المصري شريف رزق

breakLine

حوار مع الشاعر و الناقد المصري شريف رزق

وكالة نخيل عراقي / خاص

حاوره / عبد النبي فرج - شاعر مصري

 

شريف رزق شاعر وناقد مثابر يعمل فى تفاني وإخلاص قل أن نجده مثيل له, قدم تجربة شعرية شديدة التميز بدأها بــ :

1- بعزلة الأنقاض– مطبوعات إيقاعات- عام 1994ثم .
2- لا تطفئ العتمة– سلسلة أصوات أدبية – الهيئة العامة لقصور الثقافة– عام 1996 .
3- مجرة النهايات– إصدار خاص– عام 1999 .
4- الجثة الأولى– الهيئة العامة لقصور الثقافة– عام 2001 .
5- حيوات مفقودة.
ثم عكف على تتبع قصيدة النثر المصرية تاريخيا حتى المشهد الحالي بموضوعية ونزاهة واستقصاء عنيد حتى أنجز مهمته من خلال ثلاث كتب :
1- شعر النثر العربي في القرن العشرين– دار أرابيسك وملتقى قصيدة النثر – عام 2010.
2- قصيدة النثر – مركز الحضارة العربية - عام 2010.
3- آفاق الشعرية العربية الجديدة في قصيدة النثر – مركز الحضارة العربية - عام 2011.
مركز الحضارة العربية– عام 2003 .
حتى نضع الأمور فى نصابها, هذا الحوار تم أجراؤه بعد ثورة 25 يناير بفترة قصيرة, وفضلت ان يظل كما هو دون مراجعات .

س/ كيف يروي لنا الناقد شريف رزق تجربته مع الثورة؟

- سمعت مثل غيري من المصريين الدعوات لإسقاط نظام الاستبداد والظلم , نظام حسنى مبارك فخرجت للتضامن مع الشباب فى دعوتهم , مع إنني فى الحقيقة لم أكن أتصور فى يوم من الأيام أن يسقط هذا النظام المجرم ,أن يستسلم أمام جموع الشعب ولكن فعلها المصريين , وكانت فرحتنا مذهلها خاصة فى يوم سقوطه واستسلامه وأستمر كفاح المصريين لاستكمال الثورة وبناء نظام سياسي مدنى محترم , يحقق العدالة والديمقراطية والحرية للمصريين

س/ كيف ترى المشهد الشعري المصري الراهن , في ظل الثورة المصرية الجديدة ؟

, س/ وهل ترى أن المشهد الإبداعي سيظل كما هو , لأن الإبداع لا يتأثر بالأحداث السياسية المباشرة عليه ؟

-المشهد الشعري المصري الراهن , بعد ( الثورة ) كما هو قبلها , ومن السابق للأوان رصد تحولات فنية فارقة بين مرحلتين , نحن الآن علي الأعراف بين مرحلتين : سقط نظام , ولم يقم - بعد – نظام ( آخر ) , لم يحدث أي تغيير حقيقي , في النظام , سوى إزاحة مجموعة مبارك , أما النظام نفسه فلم يتغير , الثورة ليست ممثلةًَََ ً, على الإطلاق , في المشهد الراهن , فمنْ المجلس العسكري – الذي حولها إلى إنقلاب عسكري , إلى الإخوان المسلمين والسلفيين – الذين تدهورت الامور على أيديهم أكثر – أصبح خراب المشهد لا يخفى على أحد , كما كشفت الثورة عن أسوأمافي المصريين ,كما أن مايحدث الآن لا علاقة له بالثورة ,حتى المليونيات الحالية غير مليونيات بداية الثورة , فقد سرقت الثورة بالكامل , ويتنازع عليها حالياً مجموعة اللصوص والقتلة والانتهازيون , قيل أن آل مبارك كانوا ينهبون البلد , فلماذا انهار الوضع أكثر بعد عام ونصف على انهيار نظام مبارك ؟ , إن بقاء العسكر أو صعود الإخوان , إلى الحكم لهو كارثة أخري , تتجاوز كارثة المرحلة المباركية , وسيكون علينا أن نقطع شوطاً طويلاً , جديداً ,مريراً من النضال , للتخلص من السرطان الجديد ...
ولكن هذه التحولات ألن تغير جمالياً من مفهوم الكتابة
إذا كانت التحولات المجتمعية الكبري , تقودُ – لا محالة – إلى تحوّلاتٍ جماليةٍ , فإنٌ هذه التحوّلات الأخيرة , لم تحدث – بكل تأكيد – بعد , لانٌ التحوّلات المجتمعية لم تكتمل بعد’, وتسّّّّّّرع البعض لاستباق هذه التحوّلات ليس له أي قيمة , بل هو انتهازية , لا تختلف عن انتهازية الإخوان والسّلفيين وفلول النظام السابق ..
وعلى كثرة ماظهر من نتاج أدبي , يواكب الثّورة , قد غلبت عليه الحماسة , فإنه لا يمثّل هذه المرحلة ( إبداعياً ) على أي نحو من الأنحاء , ويفضحه أمران : انتكاسة الثورة , وتهافته الجمالي ! , وهو في مجمله هشّ جمالياً ,أو رجعّي فنياًّ , السَّمة العامة , في هذا النتاج , هي الطابع الإحتفالي ّ السّريع

س/ كيف تنظر الى ألاشعار الذي تولدت من رحم الثورة

, -إنّ متابعة الهرولة – المبالغ فيها – لكتابة أشعار عن ثورة 25 يناير يكشف – بشكلٍ عام , أنها أشعار تحمل في أبدانها كل أمراض الشّعرية السّتينية الثّائرة : الخطابية والمباشرة والتقريرية والنّثرية , بل هىَ ترتدّ إلى ما قبل ذلك , حيث كان الشّعر ديوان العرب , أي حامل أخبارهم , وبقياس هذه التجارب على مثيلاتها , منذ السّتينيات, سترجح - بسرعة - كفّة أمل دنقل ومحمود درويش وتوفيق زياّد وسميح القاسم ومظفّر النّواب وأحمد مطر وسواهم : إنّ القيمة الوحيدة لهذا الشّعر الراهن , قيمة’ صحافية , تاريخية, ترتبط بأهمية الحدث , لكنّها – فى ذاتها – ليست مهّمة , إنّ النوايا , فيها , أعلى من الإنجازات , والحماسة’ – التي لم ينج’ منها أكثر العقلاء – زائفة ولا ينفصل هذا الأداء عن أدوار الأحزاب الانتهازية , والسّلفيين المهرولين من جحورهم , وأعجب كثيراً : كيف يكتب أحمد عبد المعطي حجازي وعبد الرحمن الأبنودي الدواوين فى تمجيد الثورة على نظام مبارك ؟ وكيف يظهر جابر عصفور بين الحين والآخر؟ وكيف يتحدّث صلاح عيسي بالحماسة ذاتها ؟ ..وقد أعقبت الحالة الجديدة , بعد 25 يناير 2011 , انتفاضة المثقفين , كغيرهم , لإحداث تحوّلات حقيقية , في المشهد الثّقافي , وكان من أبرزها : المطالبة بتغيير السياسات الثّقافية والرّموز السّابقة , والإعلان عن نشأة كيان نقابّي بديل عن اتحاد الكتّاب , وائتلافات متعددة للمثقفين المستقلين , غير أن ثورة المثّقفين المستقلّين قد بدأت قبل ذلك بكثير, ففي بداية التسعينّيات توالت انفجارات’ ثقافية , تمثّلتْ - في البداية – في إصدار مجلّات أدبية خاصة , ترفض الثّقافة الرسمية الخربة , المدعومة بآليات الدولة البوليسيّة وعملائها , كما تمثَّلتْ في انتشار دور النشر الخاصة , التي تقَّدم ثقافةً أخرى , تواجه الثقافة الرسمية , ثم تمثَّلتْ , منذ سنوات قلائل , في انعقاد ملتقى قصيدة النثّر , ككيانٍ شعريّ مختلفٍ , وبديلٍ , يواجه مؤسّسة الدولة الشَّعرية المتمثَّلة في لجنة الشَّعر, وتمثَّلتْ في ظهور صيحات المطالبة بإقالة وزير الثّقافة فاروق حسني , ومحاكمته , وحلّ لجنة الشّعر ..

س/ في ديوانك ( حيوات مفقودة ) , تحديداً , يبدو اهتمامَ واضحٌ بالشّكل والأبعاد البصرية فما المبّرر – من وجهة نظرك – لهذا الاهتمام بالشكل , في هذا العمل الشّعري , وغيره , لديك , خاصة أن البعض نظر بسلبيةٍ لتجربة السّبعينيات الشّعرية , التي اقترحت كثيراً من الأشكال التي لم تضُف كثيراً للحداثة الشّعرية ..؟

- المبَّرر الأساسّي لهذا الاهتمام بالشكل , هو أنني تجاوزت شكل القصيدة إلي بناء النّص الشّعريّ الجامع , تجد ذلك في مختلف أعمالي الشّعرية , وهو ما أتاح لي الانفتاح على أصواتٍ متعدّدة وعوالم متداخلة , منها اللغوي , ومنها غير اللغوي , وبالتالي تعدّدت أشكال الكتابة الشّعرية , وتعّدد – بالتالي – حضورها البَصَرىّ , وتجاور الإيقاع الصّوتي مع الإيقاع البَصَري , كما تجاورت الصّورة اللغوية مع الصورة البصرية , وتجاورت الأشكال الشّعرية المختلفة والأشكال غير اللغوية , كالخطوط والمربّعات , وظهر توزيع أشكال الكتابة , في فضاء الصّفحة ,في أبنية خٍاصة , دالةٍ , تُجسَّدُ حضور أصواتٍ شعريةٍ متجاورةٍ , في اللحظة الشَّعرية نفسها لتصنع بوليفونيةً شعريةً خاصة . إن شكل النّصّ هو حضوره الفيزيقّي الممّيز له ,وهو , عندي , منذ ( عُزلة الأنقاض ) : 1994 , يرتبط بحركة النّصّ الداخلية , وبمستويات بنائية , تخص التجربة وحدها . وبالطّبع هناك شعراء سبقوني – ببضع سنوات ٍ – اهتموا بالشّكل , ومنهم : رفعت سلاّم , ومحمد بنّيس , أما لدى رفعت رفعت سلام – مثلاً - فإن الشّكل واحدُ , وما داخله من آليات وإجراءاتٍ ظلت واحدةٍ , بدايةً من " إشراقات رفعت سلاّم " , ونهاية بـ
" كأنّها نهاية الأرض " أما بنيس ,فإن اهتمامه بالشّكل لا يرتبط بجوهر التًّجربة , فالتًّجربة –" في ورقة البهاء " مثلاَ – تتدفّق تدفّقاً كاملاً , أما شكلها ,فإن الشاعر هو الذي يُوّزعه , في أشكال ٍ هندسة ٍ أفقية ٍ ورأسية , أما عن رفض البعض لهذه الأشكال , التي لم تُضف كثيراً لدى بعض شعراء السبعينيات , فإن هذا عائد إلى هؤلاء الشّعراء أنفسهم , وليس إلي هذه الأشكال , إنّ مشكلتهم الأكبر كانت في تغلُّب الدافع الشكلاني المحض وذهنية المجاز , وخلو أغلب نصوصهم من تجارب حقيقية , ولهذا فقد ولدت ميتة , لا روح فيها , ولا نبض , ولا توهّج , وهو ما يذكّرنا بقول ستيفن سنبدر ( 1909 – 1995 ) :" يجب أن تتوفّر لدى الشاعر قبل أيّ اعتبار آخر , الشجاعة الكافية للمحافظة علي وجوده الذاتيّ "

س/ هل تتَّفق معي على أنّ العالم الصُّّوفيًّ هو الجوهر الفاعل في شعر شريف رزق ؟

- الجوهر الصّوفي , بشكلٍ عامٍ , وحرائق التّجربة الصّوفية , جزء أساسيًّ من مكونات الرؤيا الشّعرية لديَّ , وعموماً , فعلى مدار التّاريخ الشًّعري , كان ثمّة اهتمام بالجزئي أو بالكُليّ , وليس لهذا أو ذاك , قيمةُ في حدّ ذاته , وفي الغالب يُلاحَظ أن أغلب من اهتموا بالرؤى الكُلية , درسوا الفلسفة والتصّوف الإسلامي , ومن الثَّابت أن الإبداع الصَّوفيَّ الحقَّ يُمثَّلُ أدباً خاصَّا ’ وموازياً للأدب الرسميّ , عبر العصور , المهم أن يكون لدى الشاعر الذي يلج هذا المشهد , ويعتمد آلياته الإبداعية , الشّجاعَة أن يكون ذاته , وألا تتماهى حقيقتهُ الإنسانية الخاصة في غيره , غير أنك لابد أن تلاحظ اهتمامي بالشَّخصي , والمعيشي , كذلك , واهتمامي – على مستوى الإجراء - بالأداء السّرياليّ الخلاّق - الذي قد يتجاور مع الشّطح الصّوفى - وبتشكيلاتِ السّرد الشّعريّ .

س/ التفَّتَ للتَّأريخ لقصيدة النَّثر المصرية والعربية مبكراً , وقَّدمت للمكتبة العربية الكثير من الكتب التي أصحبت مرجعاً لكثيرٍ من الدراسات , ما الدوافع التي . جعلتك تُراهن علي قصيدة النّثر ؟

- في أواخر الثمانينيات وصل الخطابُ الشَّعريُّ في مصر إلى أقصى استحكاماته اللغوية والمجازية , في الوقت الذي حدثت فيه تحوُّلاتَُ دولية وعربية مُتزامنة , عميقة , بدأت بانهيار الكتلة السُّوفيتية الضُّخمة , وانهيار حائط برلين , وبداية الهيمنة الأمريكية على المنطقة , في أعقاب غزو العراق الكويت , وانتشار شعارات الهيمنة : " العولمة " , " نهاية التاريخ " , " الكوكبية " , ممّا كان له أشدّ التَّهديد على الخصوصية الإنسانية , والملامح المحلية البسيطة .
وفي هذه الظّروف ثمّ استعادة شكل القصيد النَّثريَّ , في مصر , بآلياتٍ جديدةٍ , تُركّز على الشخصي , والجزئي , والمعيشي , وما حدث في مصر حدث في غيرها من بقاع الخريطة الشِّعرية العربية , ورغم الملامح الجديدة لهذا القصيد فإنَّ المعيار النظريَّ ظلِّ مرتبطاً بمقولات سوزان برنار , في أطروحتها عن قصيدة النثّر الفرنسية , إما استناداً إلي برنار , أو نَقَلتها إلى المشهد الشعري العربيَّ , أدونيس وأنسي الحاج . كان التأكيد المتكرر على أن هذه القصيدة جديدة تماماً , وأحياناً على إنها التطور الطبيعيَّ , لتحولات الحداثة الشَّعرية , بما يعني أنها إفراز لقصيدة الوزن الجديدة . وكان لابدَّ من العودة إلى أصولها الأولى , التي توالتْ , في حلقات مختلفة الحساسية , منذ بداية القرن الماضي , وأنجزتُ في ذلك عدة كتب , تكشف عن شعرية هذا المشروع في كتب منجزة لدى , وأخرى شرعتُ فيها .

س/ هل تتفق معي على أن قصيدة النثر الراهنة لا تدين بالمطلق في مرجعيتها للرعيل الأول من المؤسسين , الذين قدموا تجارب حداثية , وقيمتهم تظل تاريخية , دون فاعلية تذكر في المشهد الشعري الحالي ؟

- يصح أن تقول هذا على شتى الشعريات , ففي الشعرية الأنجلو أمريكية لا تستطيع أن تربط قصيدة النثر الراهنة , بما أنجزه والت وايتمان في منتصف القرن التاسع عشر , ربطاً تاماَ , كذلك في الشعرية الفرنسية لن تجد ربطاً مباشراً بين ما ينجز حاليّاً وما أنجزه شارل بودلير في أواخر القرن التاسع عشر , قد تستطيع أن تربط جماليات شعراء المرحلة التاريخية الواحدة أكثر من قياس حلقة تاريخية علي غيرها , أي أفقيا لا رأسيا. إن الحلقات توالت وقاد بعضها إلي بعض , وتباينت فيما بينها , بينما انسجمت كل حلقة مع مثيلتها الغربية , فعلى سبيل المثال ارتبطت الشعرية النثرية العربية الأولى , بالشعرية الأنجلو أمريكية , حين أنجز أمين الريحاني وجبران خليل جبران علي مقربةٍ تاريخية ومكانية من والت وايتمان , مؤسس الشعر الحر Free verse , كما أنجز شعراء السريالية المصريين , في أواخر الثلاثينيات , وعلي مدار الأربعينيات , مُتزامنين مع الحدث السريالي المركزيّ في فرنسا , كما أنجز شعراء مجلة " شعر" اللبنانية في ستينيات القرن الماضي نصوصهم الشَّعر نثرية استناداً علي مرجعية فرنسية , كما لدي أدونيس وأنسى الحاج وشوقي أبي شقرا , أو أنجلو سكسونية ’ كما لدي توفيق صايغ وإبراهيم شكر الله وجبرا إبراهيم جبرا , إن قياس أدونيس علي سان جون بيرس جائز , غير أن قياس بسام حجار على جبران خليل جبران ’ غير جائز .

س/ كيف تري المشهد النقدي الراهن ؟

- أراه خالياً تماماً من أي دور لـ ( الكبار) , وأرى أن خلاصه من مأزقه الراهن , أن يتحرر من آلياته التي لم تعد مقبولةً , وأن يقترب أكثر من الحالة الإبداعية الجديدة , بأداءٍ يُلائمها , وأن يُصبح تأملاً حقيقياً في آليات الإبداع , وأن يتحرر من مقولاتٍ وإجراءاتٍ فقدت مصداقيتها حالياً , المشهد النقدي الراهن يرهص بتحول ما , ولكنه لا يزال خالياً , ولا يناظر المشهد الشعري أو المشهد السردي .

س/ وكيف ترى القتال باسم قصيدة النثر؟

أري البعض ليس لهم في الشعر إلا البحث عن أدوار , وهم يفعلون هذا بكل إخلاصٍ , أما رصيدهم الفعلي فمن الهجوم علي غيرهم , لا من إنجازهم .

- الجوهر الصّوفي , بشكلٍ عامٍ , وحرائق التّجربة الصّوفية , جزء أساسيًّ من مكونات الرؤيا الشّعرية لديَّ , وعموماً , فعلى مدار التّاريخ الشًّعري , كان ثمّة اهتمام بالجزئي أو بالكُليّ , وليس لهذا أو ذاك , قيمةُ في حدّ ذاته , وفي الغالب يُلاحَظ أن أغلب من اهتموا بالرؤى الكُلية , درسوا الفلسفة والتصّوف الإسلامي , ومن الثَّابت أن الإبداع الصَّوفيَّ الحقَّ يُمثَّلُ أدباً خاصَّا ’ وموازياً للأدب الرسميّ , عبر العصور , المهم أن يكون لدى الشاعر الذي يلج هذا المشهد , ويعتمد آلياته الإبداعية , الشّجاعَة أن يكون ذاته , وألا تتماهى حقيقتهُ الإنسانية الخاصة في غيره , غير أنك لابد أن تلاحظ اهتمامي بالشَّخصي , والمعيشي , كذلك , واهتمامي – على مستوى الإجراء - بالأداء السّرياليّ الخلاّق - الذي قد يتجاور مع الشّطح الصّوفى - وبتشكيلاتِ السّرد الشّعريّ .

س/ التفَّتَ للتَّأريخ لقصيدة النَّثر المصرية والعربية مبكراً , وقَّدمت للمكتبة العربية الكثير من الكتب التي أصحبت مرجعاً لكثيرٍ من الدراسات , ما الدوافع التي . جعلتك تُراهن علي قصيدة النّثر ؟

- في أواخر الثمانينيات وصل الخطابُ الشَّعريُّ في مصر إلى أقصى استحكاماته اللغوية والمجازية , في الوقت الذي حدثت فيه تحوُّلاتَُ دولية وعربية مُتزامنة , عميقة , بدأت بانهيار الكتلة السُّوفيتية الضُّخمة , وانهيار حائط برلين , وبداية الهيمنة الأمريكية على المنطقة , في أعقاب غزو العراق الكويت , وانتشار شعارات الهيمنة : " العولمة " , " نهاية التاريخ " , " الكوكبية " , ممّا كان له أشدّ التَّهديد على الخصوصية الإنسانية , والملامح المحلية البسيطة .
وفي هذه الظّروف ثمّ استعادة شكل القصيد النَّثريَّ , في مصر , بآلياتٍ جديدةٍ , تُركّز على الشخصي , والجزئي , والمعيشي , وما حدث في مصر حدث في غيرها من بقاع الخريطة الشِّعرية العربية , ورغم الملامح الجديدة لهذا القصيد فإنَّ المعيار النظريَّ ظلِّ مرتبطاً بمقولات سوزان برنار , في أطروحتها عن قصيدة النثّر الفرنسية , إما استناداً إلي برنار , أو نَقَلتها إلى المشهد الشعري العربيَّ , أدونيس وأنسي الحاج . كان التأكيد المتكرر على أن هذه القصيدة جديدة تماماً , وأحياناً على إنها التطور الطبيعيَّ , لتحولات الحداثة الشَّعرية , بما يعني أنها إفراز لقصيدة الوزن الجديدة . وكان لابدَّ من العودة إلى أصولها الأولى , التي توالتْ , في حلقات مختلفة الحساسية , منذ بداية القرن الماضي , وأنجزتُ في ذلك عدة كتب , تكشف عن شعرية هذا المشروع في كتب منجزة لدى , وأخرى شرعتُ فيها .

س/ هل تتفق معي على أن قصيدة النثر الراهنة لا تدين بالمطلق في مرجعيتها للرعيل الأول من المؤسسين , الذين قدموا تجارب حداثية , وقيمتهم تظل تاريخية , دون فاعلية تذكر في المشهد الشعري الحالي ؟

- يصح أن تقول هذا على شتى الشعريات , ففي الشعرية الأنجلو أمريكية لا تستطيع أن تربط قصيدة النثر الراهنة , بما أنجزه والت وايتمان في منتصف القرن التاسع عشر , ربطاً تاماَ , كذلك في الشعرية الفرنسية لن تجد ربطاً مباشراً بين ما ينجز حاليّاً وما أنجزه شارل بودلير في أواخر القرن التاسع عشر , قد تستطيع أن تربط جماليات شعراء المرحلة التاريخية الواحدة أكثر من قياس حلقة تاريخية علي غيرها , أي أفقيا لا رأسيا. إن الحلقات توالت وقاد بعضها إلي بعض , وتباينت فيما بينها , بينما انسجمت كل حلقة مع مثيلتها الغربية , فعلى سبيل المثال ارتبطت الشعرية النثرية العربية الأولى , بالشعرية الأنجلو أمريكية , حين أنجز أمين الريحاني وجبران خليل جبران علي مقربةٍ تاريخية ومكانية من والت وايتمان , مؤسس الشعر الحر Free verse , كما أنجز شعراء السريالية المصريين , في أواخر الثلاثينيات , وعلي مدار الأربعينيات , مُتزامنين مع الحدث السريالي المركزيّ في فرنسا , كما أنجز شعراء مجلة " شعر" اللبنانية في ستينيات القرن الماضي نصوصهم الشَّعر نثرية استناداً علي مرجعية فرنسية , كما لدي أدونيس وأنسى الحاج وشوقي أبي شقرا , أو أنجلو سكسونية ’ كما لدي توفيق صايغ وإبراهيم شكر الله وجبرا إبراهيم جبرا , إن قياس أدونيس علي سان جون بيرس جائز , غير أن قياس بسام حجار على جبران خليل جبران ’ غير جائز .

س/ كيف تري المشهد النقدي الراهن ؟

- أراه خالياً تماماً من أي دور لـ ( الكبار) , وأرى أن خلاصه من مأزقه الراهن , أن يتحرر من آلياته التي لم تعد مقبولةً , وأن يقترب أكثر من الحالة الإبداعية الجديدة , بأداءٍ يُلائمها , وأن يُصبح تأملاً حقيقياً في آليات الإبداع , وأن يتحرر من مقولاتٍ وإجراءاتٍ فقدت مصداقيتها حالياً , المشهد النقدي الراهن يرهص بتحول ما , ولكنه لا يزال خالياً , ولا يناظر المشهد الشعري أو المشهد السردي .

س/ وكيف ترى القتال باسم قصيدة النثر؟

أري البعض ليس لهم في الشعر إلا البحث عن أدوار , وهم يفعلون هذا بكل إخلاصٍ , أما رصيدهم الفعلي فمن الهجوم علي غيرهم , لا من إنجازهم .
وأحمد الله , أنني لم أتورط في الانقلاب علي زملاء كما حدث من زملائي ممن كانوا معي في اللجنة التحضيرية لملتقي قصيدة النثر ..
وكيف ترى المغامرة الشعرية لشعراء التسعينيات الآن ؟

- أراها بلا أي تأثير حالياً , بل هي تحاول التواجد في ( العصر الشعري ) الجديد دون إنجاز متحقق , والواقع أن هذه التجربة لم تترك تراثا شعريا كبيرا , إنجازها الحقيقي هو تبنيها قضية تثوير الخطاب الشعري , لكن شعراء السبعينيات في مصر , ظاهرة سياسية أكثر من كونها ظاهرة شعرية , هي – حتى الآن - لم تقدم تجربة كبيرة , أو تجربة خاصة , شعراء السبعينيات في لبنان أكثر تطورا منهم , لكنهم تطوروا بتأثير الشعرية الفرنسية الجديدة , كما قد تطور – من قبل – شعراء الستينيات هناك بالشعرية الفرنسية المتزامنة معهم , غير أن مشهد قصيدة النثر العربية الحالي يكشف عن استقلالها عن المرجعيات المختلفة وعربيتها ومصريتها وآلياتها ووعيها ..

س/ كيف تقيم المشهد الثقافي منذ عهد الوزير السابق فاروق حسني حتى الآن ؟ وهل بوجهة نظرك تأمل الكثير من الوزير الحالي ؟

- هو مشهد لا يزال يمتلئ بالفساد , وكنت قد رفضت الكثير من السياسات الثقافية , في عهد فاروق حسني , ورغم ذلك لم أقاطع وزارة الثقافة , وشاركت في مؤتمرات عديدة لها , لأنها وزارة ثقافة مصر , وليست وزارة فاروق حسني , كذلك كان لي موقف من ( تركيبة ) لجنة الشعر , ومن إمبراطورية حجازي , ولكنني لم أقاطعها , ولبيت عدة دعوات بالمشاركة , ولم أغير قناعاتي . وكنت ممن طالبوا بإقالة فاروق حسني ومحاكمته , قبيل سقوط النظام , ووقعت في بيان المثقفين المستقلين مع د/ علاء عبد الهادي وصنع الله إبراهيم أصلان وعلاء الأسواني , وغيرهم , قبل أن تقوم الثورة , أو تكون في بال أحد .أما الوزير عماد أبو غازي , فهو وقيادته من نفس المشهد السابق , ودعنا نتساءل في صراحة : ما مؤهلات عماد أبو غازي ليكون وزيراً لثقافة مصر ؟ وما قيمة أحمد مجاهد ليرأس الهيئة المصرية العامة للكتاب ؟.. أما شاكر عبد الحميد , فرغم كونه من قلب المشهد الثقافي المصري فهو لا يزال يدير الوزارة كما كانت تدار , والثورة لم تصل إلي مؤسسات وزارة الثقافة , فلا زالت هناك مؤسسة ثقافية , وواقع ثقافي مختلف , وكلاهما متصادمان , ورغم هذا قبلت عضوية لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة , وإذا لم أفلح مع المجموعة الجديدة – أو بعضها – في إحداث تحول حقيقي للجنة , سأعتذر عنها فوراً , فلازلت أري مكاني الحقيقي في جانب الثقافة المستقلة الحرة , والحمد لله لم أزل في غني عن أي مغريات لدى المؤسسة الثقافية الرسمية ..