loader
MaskImg

حوارات

حوار مع الفيلسوف ميشيل باستورو

breakLine

الكتاب الصغير للألوان

حوار وكالة نخيل عراقي / خاص

الفيلسوف / ميشيل باستورو

المحاور / دومنيك سميوني

ترجمة : د. محمد أيت لعميم

 

​من كثرة ما نرى الألوان، ينتهي بنا الأمر أن لا نراها. وبالجملة، فإننا لا نحملها على محمل الجد. خطأ ! فالألوان ليست بهذه البساطة، بل بالعكس. إنها تنقل شفرات، وتابوهات، وأحكاما مسبقة نخضع لها من دون أن ندري ذلك. إنها تمتلك معاني متنوعة تؤثر بعمق في محيطنا وتصرفاتنا ولغتنا ومتخيلنا.

​ليست الألوان ثابتة، بل لها تاريخ متحرك، يعود إلى فجر الأزمنة، وقد تركت آثارا إلى يومنا هذا في معجمنا: فليس من قبيل الصدفة، أن نرى بطريقة حمراء، وأن نضحك ضحكة صفراء، وأن نصير بيضا مثل غسيل، خضرا من الخوف، أو زرقا من الغضب ... في روما القديمة، كانت الأعين الزرق عارا وخزيا، إن لم نقل، بالنسبة إلى المرأة، علامة على الفسق والرذيلة. وفي العصر الوسيط، كانت العروس ترتدي الأحمر، ولكن أيضا كانت الغواني يرتدينه. إننا نخمن ذلك بطريقة قبلية: فالألوان تتحدث طويلا عن تناقضاتنا العاطفية: إنها من أروع الكاشفات لتطور ذهنياتنا.

​سنرى هنا كيف هيمن الدين عليها، كما فعل ذلك مع الحب والحياة الخاصة، وكيف اهتم بها العلم، متجاوزا الفلسفة أهو موجة أو جسيم ؟ ضوء أو مادة ؟ وكيف أن السياسة هي الأخرى سيطرت عليه ... فالحمر والزرق ليسوا دائما ما كنا نعرف. وكيف نحن اليوم دائما أكثر رشاقة بهذا الموروث الغريب.

​فالفن، والتشكيل، والتزيين، والهندسة المعمارية، والإشهار طبعا، وأيضا موادنا الاستهلاكية، ملابسنا، سياراتنا، الكل منظم بشفرة غير مكتوبة حيث الألوان هي السر.

​ما سنرويه هنا هو هذا التاريخ، على امتداد هذه المحادثة الطويلة مع المؤرخ الأنترلولوجي ميشيل باستورو. فهل نجرؤ على القول إنه هو أيضا شخصية سامية ملونة ؟ وإنه حين كان طفلا سقط في طنجرة صباغ، فثلاثة من أعمامه كانوا رسامين، وأبوه كان مجنونا باللوحات. إنه إرث ثقيل، منذ وقت مبكر وقع الشاب باستورو في شغف الألوان الخضراء للطبيعة (لونه المفضل، الذي أراد أن يرد إليه الاعتبار ويعيد تأهيله) هو أيضا رسام. وأصبح المتخصص العالمي لهذه المسألة. وهو كذلك مرشد أنيس وعلامة محقق وأحد النادرين الذين يعرفون كيف يتوجهون في المتاهة الرمزية للون.

​ولأن الألوان متقلبة، فإنها لا تستسلم بسهولة كي تحبس في مقولات. فكم هي، علاوة على ذلك ؟ الأطفال يذكرون بطريقة عفوية أربعة ألوان، أرسطو كان يقبل بستة، ومن خلال طرفة لنيوتون سنتحدث عنها فيما بعد، صدر أمر بأن هناك سبعة ألوان رسمية. بالنسبة إلى مشيل باستورو، القضية محسومة ومتفق عليها، هناك ستة ألوان وليس أكثر.

​أولا: هذا الأزرق المفزع، المفضل عند معاصرينا لأنه عرف كيف يصير توافقيا، ثم الأحمر الفخور، المتعطش للسلطة، الذي يميل بإفراط إلى الدم والنار، وإلى الفضيلة والرذيلة. ها هو الأبيض العذري، لون الملائكة والأشباح، والامتناع وليالي الأرق. ثم أصفر سنابل القمح، معقد ومركب، غير مرتاح في وضعيته (ينبغي مسامحته، فلمدة طويلة وسم بطابع الخزي). يأتي أيضا الأخضر ذو السمعة السيئة هو الآخر، مضلل ومراوغ، ملك الحظ والخيانات في الحب، وأخيرا الأسود الباذخ، الذي يلعب لعبة مزدوجة، نادم في التقشف، متغطرس في الأناقة.

​ثانيا: بالنسبة إلى مشيل باستورو هناك مستوى ثان.

​البنفسجي، الوردي، البرتقالي، البني، والرمادي مبعد شيئا ما، فمن ألوان نصفية تحمل أسماء الفواكه والزهور، نجحت في أن تنشأ لها رموزا خاصة بها، وأن تكتسب هوية، مثل هذا الوردي الوقح الذي يظن نفسه لونا متميزا فريدا، أو هذا البرتقالي الذي يظهر حيوية مجابهة – وراءه تأتي الكائنات الأليفة، فرقة الباليه، موكب الفروق الدقيقة الذي لا ينتهي، زهور الليلك. اللون الأرجواني، الرمل، العاج، وحرير آخر.

​لا جدوى من العد: فكل يوم نخترع ألوانا جديدة.

​تعلموا التفكير بالألوان وسترون العالم بطريقة أخرى ! هذا هو الدرس الجميل للأستاذ باستورو. في السابق، كنا نقول للأطفال بأن هناك كنزا مخفيا في سفح قوس قزح. إنها الحقيقة، هناك في بوتقة الألوان، مرآة سحرية، إذا عرفنا كيف نتودد إليها، فإنها ستكشف لنا عن أذواقنا، عن الأشياء المقرفة، وعن رغباتنا، وخوفنا وأفكارنا المعبأة، وتقول لنا أشياء جوهرية عن العالم وعن أنفسنا.

الأزرق

اللون الذي لا يحدث موجة

​كم هو مطواع، كم هو مؤدب ! فالأرزق لون حكيم جدا، يذوب في المشهد ولا يهتم بالظهور. فهل لهذه الخاصية التوافقية أصبح نجما. أصبح اللون المفضل عند الأوروبيين والفرنسيين ؟ لمدة طويلة، ظل في مستوى ثان. مزدرى، إن لم نقل، محتقرا في القديم. ثم، كجليس حاذق، عرف كيف يفرض نفسه بهدوء ومن دون اصطدام. ها هو منذ الآن مكرس وعليه إجماع، أصبح، في الغرب، ضامن الامتثاليات، يهيمن على سراويل الجينز والقمصان، عهدنا به لأوروبا وللأمم المتحدة يعني إذا قلنا بأنه يعجب ! فهذا المفزع مازال لديه الكثير من الموارد والأسرار.

دومنيك سميوني:

المؤرخون دائما يزدرون الألوان، كما لو أنها من دون تاريخ، كما لو أنها لم تتطور قط، إنه خطأ، أليس كذلك ؟

مشيل باستورو:.

​حين شرعت في الاشتغال حول هذا الموضوع، منذ عشرين سنة خلت، قام زملائي بمؤامرة ضدي. وإلى هذه الحدود، لم يكن المؤرخون، بمن فيهم مؤرخو الفن، يهتمون حقيقة بالألوان. فلماذا هذه الفجوة ؟ من المحتمل أنه ليس من السهل دراستها ! أولا، نراها كما غيرها الزمن، وليس في حالتها الأصلية، وبشروط إضاءة مختلفة جدا، فالضوء الكهربائي لا يجعل مثلا الألوان المضيئة/المعتمة للوحة، كما كانت تكشفها في السابق شمعة أو مصباح زيتي، ثانيا، كان لدى أسلافنا تصورات أخرى ونظرات أخرى للألوان غير تصوراتنا ونظراتنا. فليست آلتنا الإحساسية هي التي تغيرت، ولكن إدراكنا للواقع، الذي يجعل معارفنا وألفاظنا وخيالنا على المحك، وحتى أحاسيسنا. كل الأشياء التي تطورت على امتداد الزمن.

س: يجب علينا أن نقبل بهذه البداهة، الألوان لها تاريخ، لنبدأ إذن باللون النجم. ذلك اللون المفضل عند الأوربيين وعند الفرنسيين : الأزرق.

ج: منذ أن توفرنا على استطلاعات الرأي، عام 1890 تقريبا، تموقع الأزرق فعلا في الصف الأول في الغرب كله، في فرنسا كما في صقلية، في الولايات المتحدة كما في نيوزيلاندا، عند الرجال كما عند النساء، كيفما كان وسطهم الاجتماعي والمهني. فالحضارة الغربية كلها هي التي أعطت الأولوية للأزرق، الشيء المغاير في الثقافات الأخرى. فاليبانيون، مثلا، يجمعون على الأسود ومع ذلك، لم يكن الحال كذلك، فلمدة طويلة لم يكن الأزرق محبوبا. لم يكن موجودا لا في مغارات العصر الحجري القديم، ولا في العصر الحجري الحديث، حتى ظهرت التقنيات الأولى للصباغة. في القديم، لم يعتبر حقيقة لونا، وحده الأبيض والأحمر والأسود كان لهم هذا الوضع، باستثناء مصر الفرعونية، حيث افترض كفأل حسن في العالم الآخر، من هنا تلك الأشياء الجميلة الزرقاء والخضراء، المصنوعة حسب وصفة بالنحاس والتي فقدت بعد ذلك، فالأزرق كان موضوعا لإهمال حقيقي.

س: مع ذلك فهو مهيمن الحضور في الطبيعة، وخصوصا في حوض البحر الأبيض المتوسط ؟

ج: نعم، لكن اللون الأزرق من الصعب أن نصنعه ونتحكم فيه، وهذا من دون شك هو السبب الذي من أجله لم يضطلع بدوره في الحياة الاجتماعية أو الدينية أو الرمزية للعصر. في روما يعتبر لون البرابرة والغريب (أن شعوب الشمال، مثل الجرمان يحبون الأزرق) شهادات عديدة تؤكد ذلك. ان تكون هنا عيون زرقاء لامرأة، هي علامة على حياة سيئة، وبالنسبة إلى الرجال هي علامة على السخافة، نجد هذه الروح في المعجم، في اللاتينية الكلاسيكية، معجم الزرق غير مستقر، وغير محدد. وحينما نعتت اللغات الرومانية معجم الألوان، كان من اللازم أن يبحثوا عنها في الخارج، في الكلمات الجرمانية (blau) وفي العربية (أزرق)، نكتشف أيضا لدى اليونانيين خلطا معجميا بين الأزرق والرمادي والأخضر. فغياب الأزرق في النصوص القديمة علاوة على ذلك. حير بعض الفيلولوجيين في القرن 19، حتى اعتقدوا جديا أن عيون اليونانيين لم تكن قادرة على رؤيته !

س: كذلك لا وجود للأزرق في التوراة ؟

ج: النصوص التوراتية القديمة بالعبرية والارامية واليونانية تستعمل قليلا كلمات الألوان: فالترجمات اللاتينية ثم الترجمات باللغات المعاصرة هي التي ستضفيها، فحين تستعمل العبرية كلمة "غنى"، تستعمل الترجمة اللاتينية كلمة "أحمر"، وبالنسبة إلى كلمة "وسخ"، ستقول الترجمة كلمة "رمادي" أو "أسود"، وكلمة "لامع" تتحول إلى بنفسجي، لكن باستثناء ياقوت أزرق Saphir الحجر المفضل لدى شعوب التوراة، هناك مكان ضيق بالنسبة إلى الأزرق، استثمرت هذه الوضعية في العصر الوسيط الأعلى: فالألوان الطقوسية، مثلا، التي تشكلت في العصر الشارلماني تجهله (فإنها تشكلت حول الأبيض، والأحمر، والأسود، والأخضر). وذلك ترك آثارا إلى اليوم، فالأزرق دائما غائب في الطقس الكاثوليكي ... وثم، فجأة كل شيء يتغير، فالقرن 12 و 13 م سيعيدان الاعتبار للون الأزرق ويعززانه.

س: هل لأنهم عرفوا جيدا كيف يصنعونه ؟

ج: لا، لم يكن في هذه اللحظة تطور خاص في صناعة الأصباغ أو مواد الخضاب. ما حصل، هو تحول عميق في الأفكار الدينية، أصبح الله عند المسيحيين بالفعل إله النور، وصار النور ... أزرقا ! لأول مرة ترسم السماوات في الغرب باللون الأزرق – في السابق كانت سوداء أو حمراء أو بيضاء أو ذهبية. إضافة إلى ذلك، نحن إذن في اكتمال تمدد الطقس المريمي. لأن العذراء تسكن السماء. في الصور، بدءا من القرن 12، نلبسها معطفا أو فستانا أزرقا، صارت العذراء المساعد الأساس لترويج اللون الأزرق.

س: انقلاب غريب ! فاللون الذي ظل لمدة طويلة لون البرابرة صار لونا ألوهيا معظما.

ج: نعم، هناك سبب ثان لهذا الانقلاب، في هذا العصر، كانوا مأخوذين بعطش حقيقي للتصنيف، كانوا يريدون تراتبية للأفراد وإعطائهم علامات هوية، شفرات للتعرف، ظهرت أسماء العائلات، والأسلحة وشارات الوظائف، والحالة هذه، فمع الألوان الثلاثة التقليدية في الأساس (الأبيض والأحمر والأسود) كانت التوليفات محدودة. كانوا في حاجة إلى المزيد من أجل تجسيد تعددية المجتمع. فالأرزق وأيضا الأخضر والأصفر سيستفيدون. هكذا نمر من نسق ذي ثلاثة ألوان في الأساس إلى نسق آخر في ستة ألوان. من تم سيصبح الأزرق بصيغة ما نقيضا للأحمر. ولو قلنا هذا لأرسطو فإنه سيبتسم ! فحوالي 1130، حينما أعاد الأب Suger بناء كنيسة abbatiale لسان دوني، كان يريد وضع ألوان في كل مكان من أجل تبديد الظلام. وخصوصا اللون الأزرق، وسيستعمل بالنسبة إلى الزجاج مادة باهظة الثمن le cafre (الذي سنسميه فيما بعد بأزرق الكوبالت). سينتشر هذا الأزرق من سان دوني إلى Mans ثم في Vendôme و Chartes ، حيث سيصبح أزرق شارت الشهير.

س: إذن، أصبح اللون، وخصوصا اللون الأزرق، رهانا دينيا.

ج: تماما، فرجال الكنيسة هم أكبر الصباغين قبل الرسامين والصباغين. البعض منهم كانوا علماء، يبحثون في موضوع اللون، ويجرون تجارب بصرية. ويتساءلون حول ظاهرة قوس قزح. كانوا منقسمين بقوة حول هذه الأسئلة: هناك "رهبان" عشاق للون chromophile مثل Suger ، الذي يعتقد أن اللون نور، إذن فهو صادر عن الألوهية، والذي يريد أن يجعله في كل مكان، وهناك "رهبان" يخافون اللون chromophobe مثل القديس برنارد، والأب دوكليرفو، الذي يعتبر أن اللون مادة. إذن فهو سافل وبغيض، ويجب أن نحمي الكنيسة منه، لأنه يلوث العلاقة التي ينسجها الرهبان والمؤمنون مع الله.

س: تقول لنا الفيزياء المعاصرة أن الضوء هو في الآن نفسه موجة وجسيم. هذا تقريبا ما كان يقال في القرن 13م.

ج: ضوء أو مادة ... كانوا يستشعرونه فعلا. أول دافع حمله على نطاق واسع، وفجأة، الأزرق، المبجل، انتشر ليس فقط في الزجاج الملون والأعمال الفنية، بل أيضا في المجتمع كله: فمادامت العذراء ترتدي الأزرق، فكذلك ملك فرنسا يرتديه هو أيضا، فيليب أوغيست، ثم حفيده سان لويس سيصبحون من الأوائل الذين تبنوه (شارلمان لم يتخذه لإمبراطوريته !)، سيستعمله الأمراء طبعا في تقليدهم: على مدى ثلاثة أجيال أصبح الأزرق موضة الأرستقراطيين. بعد ذلك جاءت التقنية: فالصباغون، وقد حفزوا وطلب منهم ذلك، سيتنافسون حول مواد الإجراءات الجديدة ليتوصلوا إلى صناعة ألوان زرقاء رائعة.

س: على العموم، فالأزرق المبجل يحفز الاقتصاد.

ج: لقد قلتم ذلك بطريقة جيدة. فالنتائج الاقتصادية كانت ضخمة: لقد انفجر الطلب على النيلة (أو الباستيل) هذه النبتة نصف عشبية ونصف شجرة، التي نستعملها في القرى الصغيرة كملون في الصناعات اليدوية، زراعتها أصبحت فجأة صناعية وأغنت النواحي مثل تورينج، وطوسكان وبيكاردي، وأيضا ناحية تولوز، تزرع بكثافة من أجل إنتاج كرات تسمى "بالصدفات". من هنا جاء اسم بلد الخيرات Le pays de cocagne . إنه ذهب أزرق حقيقي ! فقد تم حساب 80% من بناء كاتدرائية أميان في القرن 13، كان قد سدده تجار النيلة ! وفي ستراسبورغ كان تجار الفوة garance تلك النبتة التي تعطي اللون الأحمر، غاضبين جدا.

س: إنها الحرب إذن بين الأزرق والأحمر بكل تأكيد !

ج: ستستمر إلى حدود القرن 18. ففي نهاية العصر الوسيط، ستركز الموجة الأخلاقية، التي ستثير الإصلاح، على الألوان، محددة الألوان المحترمة والأخرى التي ليست كذلك. حيث تمحورت لوحة الألوان البروتستانتية حول الأبيض والأسود والرمادي والبني ... والأزرق.

س: لقد نجا بأعجوبة !

ج: نعم. فلنقارن رامبرانت، هو رسام كالفيني لديه لوحة ألوان مقيدة جدا، مكونة من صور أحادية اللون، والأحمر ruben، مع رسام كاثوليكي صاحب لوحة ألوان غنية جدا، أنظروا إلى لوحات فيليب دوشامبنين، فهي ملونة باعتباره كاثوليكيا، وعارية من كل زينة وأكثر زرقة حينما يقترب من الجانسينيين ... هذا الخطاب الأخلاقي، الذي استعاد الإصلاح المضاد جزءا منه، يعزز أيضا مكانة الأسود والرمادي والأزرق في الملابس الذكورية، إنه مازال يطبق إلى أيامنا هذه. في هذا الصدد نحن نعيش دوما تحت نظام الإصلاح.

س: انطلاقا من هذه اللحظة، أزرقنا، الذي انطلق بطريقة سيئة في النشأة، ينتصر.

ج: في القرن 18، أصبح اللون المفضل عند الأوروبيين، وأضافت له التقنية طبقة لونية، في عام 1720 اخترع صيدلي من برلين من دون قصد منه، أزرق prusse الشهير، والذي سيمكن الرسامين والصباغين من تعديد مزيج الفروق الدقيقة الغامقة، زيادة على ذلك استوردوا بكثرة أزرق بلاد الأنتيل وأمريكا الوسطى، إذ قوته اللونية أقوى من الباستيل القديم، وسعر التكلفة ضعيف جدا لأن العبيد هم الذين يصنعونه. فكل قوانين الحماية تنهار. لقد أحدث الأزرق الأمريكي أزمة في المناطق القديمة cocagne، فقد تخربت تولوز وأميينس، واغتنت نانت وبوردو. لقد أصبح الأزرق موضة كل المجالات، وأكدت الرومانسية على هذا الميول مثل بطلهم فيرثر لغوته، فالشباب الأوروبي يرتدي الملابس الزرقاء والشعر الرومانسي الألماني احتفى بتبجيل هذا اللون الأكثر كآبة، وقد احتفظ بصداه في المعجم مع البلوز bleus، في عام 1850 سيمنحه لباس دفعة كبيرة : إنه الجينز الذي ابتكره خياط يهودي ليفي ستروس من سان فرانسيسكو، إنها السراويل المثالية بقماشه الغليظ المصبوغ بالأزرق النيلي indigo وهو أول أزرق للعمل.

س: كان من الممكن أن يكون بالأحمر.

ج: أمر غير وارد ! فالقيم البروتستانتية تشرع وجوب أن يكون اللباس وقورا وجديرا بالاحترام بعيدا عن الظهور، علاوة على ذلك فالصباغة بالأزرق النيلي سهلة ويمكن أن نقوم بها في المكان البارد، لأن اللون يتسلل جيدا إلى خيوط الثوب، من هنا ظهرت سراويل الجينز المغسولة. ينبغي أن ننتظر حتى سنة 1930، ليصير الجينز في الولايات المتحدة لباس الترفيه ثم علامة على التمرد في عام 1960 ولكن لمدة قصيرة فقط، لأن لباس الأزرق لا يمكن أن يكون متمردا على الحقيقة. واليوم أنظروا إلى جماعات المراهقين في الطريق في فرنسا : يشكلون كتلة موحدة وبالأزرق.

س: ونعلم كم هم امتثاليون ... وبطريقة تزامنية اكتسب الأزرق دلالة سياسية.

ج: التي تطورت هي الأخرى. ففي فرنسا كان الأزرق لون الجمهوريين متعارضا مع أبيض الملكيين، وأسود الحزب الكهنوتي، لكن، شيئا فشيئا، انزلق نحو المركز، وتجاوزه عن يساره الأحمر الاشتراكي ثم الشيوعي. لقد طرد نحو اليمين بشكل من الأشكال. بعد الحرب العالمية الأولى أصبح محافظا (غرفة الأفق الأزرق chambre bleu horizon تعني الأغلبية البرلمانية) ومازاله إلى اليوم.

س: بعد عصور من الاضطراب، ها هو قد اعتلى عرش الألوان، هل سيبقى كذلك ؟

ج: فيما يتعلق بالألوان تتغير الأشياء ببطء، فأنا مقتنع أنه بعد مضي ثلاثين سنة سيحتل الأزرق دائما المرتبة الأولى، اللون المفضل، لأنه بكل بساطة لون توافقي، بالنسبة إلى الأشخاص الماديين والأشخاص المعنويين: التنظيمات الدولية، الأمم المتحدة، اليونسكو، البرلمان الأوروبي، الاتحاد الأوروبي، فكلهم اختاروا شعارا بالأزرق. لقد تم انتخابه عن طريق الطرح، بعد أن أقصيت الألوان الأخرى. فهو لون لا يحدث موجة ولا يصدم وينخرط فيه الجميع، من هنا أيضا فقد قدرته الرمزية. حتى موسيقى الكلمة هادئة وخفيفة blue, blau بالانجليزية، و blu بالإيطالية، فبها سيولة وعذوبة ويمكننا استعمالها بإفراط.

س: يبدو أن هذا اللون يزعجك شيئا ما.

ج: بتاتا، ليس بالقوة ليفعل ذلك، اليوم حين يؤكد الناس أنهم يحبون الأزرق، هذا يعني ربما أنهم يريدون الاصطفاف ضمن الناس الحكماء، المحافظين، أولئك الذين لا يريدون أن يكشفوا شيئا عن ذواتهم. وبطريقة ما، فقد عدنا إلى حالة قريبة من العصر القديم، فبكثرة ما أصبح طاغي الحضور وتوافقيا ها هو الأزرق من جديد أصبح لونا متميزا، وأكثر معقولية من كل الألوان.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي