loader
MaskImg

حوارات

حوار مع الكاتبة الصربية ياسمينا ميخائيلوفيتش

breakLine

حوار نخيل

حوار مع الكاتبة الصربية ياسمينا ميخائيلوفيتش

المحاور د. تحسين رزاق عزيز

 

ياسمينا ميخائيلوفيتش: « ميلوراد بافيتش على قناعة بأن وحدة المبدأين الذكوري والأنثوي ملازمة لتطور الأدب العالمي منذ نشأته.  

لا يتناسب شهر كانون الثاني البارد في بلغراد مع الأجواء الدافئة والبهيجة والبوهيمية بعض الشيء في مقهى «نوشيتش» الواقع في شارع براتسلاف نوشيتش، الذي تحدثت فيه مع الكاتبة الشهيرة ياسمينا ميخائيلوفيتش ارملة ميلوراد بافيتش. تساعدنا في الترجمة من اللغة الصربية يكاتيرينا غلوشايفا القادمة من كييف وكذلك الجو المحيط بنا.

- الناس في أوكرانيا يحبون إبداع ميلوراد بافيتش، وخادمك المطيع واحد من الكثيرين من قراء رواياته وقصصه. أود أن أعرف، هل كان هذا الحب متبادلاً، وما هي المكانة التي تحتلها أوكرانيا في حياة مؤلف "معجم الخزر"؟

- يطيب لي جداً الحديث عن صلات زوجي ميلوراد التاريخية والأدبية والعلمية مع أوكرانيا. كان ميلوراد واحداً من مؤسسي جمعية الصداقة الصربية الأوكرانية وأول رئيس لها، وقد أولى أهمية كبيرة للعلاقات الثقافية بين شعبينا. وجرت ترجمة جميع نتاجاته تقريباً الى اللغتين الأوكرانية  والروسية وصدرت في أوكرانيا عن دار نشر «فيليو». واشغل الكثير من الباحثين في بلادكم على ترجمات ودراسات إبداع بافيتش. وأود أن اذكر أولاً وقبل كل شيء في هذا المجال آللا تاتارينكو وبافيل روداكوف. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن الموقع الرسمي لميلوراد بافيتش فيه قسم خاص مكرس للمنشورات الأوكرانية عنه بما في ذلك مقالتك عن ذكراه التي نشرت في «مرآة الأسبوع».  

جرى قبل حوالي خمس سنوات التخطيط لزيارة ميلوراد بافيتش الى كييف وإلقاء سلسلة محاضرات في جامعة تاراس شيفتشينكو الوطنية في كييف. وكان ميلوراد سعيداً جداً لإمكانية القيام بزيارة اوكرانيا وكان بانتظارها لكن الزيارة ألغيت في اللحظة الأخيرة بسبب حالته الصحية. وبوصفي وصيته ووارثة حقوق النشر الخاصة به، أراني ملزمة بتحقيق رغبته والذهاب الى أوكرانيا.

•-       ياسمينا، أود أن أسالك سؤالاً شخصياً: كيف تعرفت إلى ميلوراد بافيتش؟

- كنت معجبة جداً بإبداع بافيتش واكتشافاته الأدبية، وخصصت أطروحتي لنصوصه وعرضت لي ذات يوم فكرة أن أخيط بدلة اعتماداً على موضوع احد قصصه القصيرة. وكانت تلك القصة القصيرة مكرسة لخارطة بلغراد. فنقلت الخريطة على القماش وخيطت البدلة بمساعدة إحدى صديقاتي. وبهذا الشكل ذهبت إلى لقاء ميلوراد وأنا مستعدة جداً ومرتدية نَصَّه بالمعنى الحرفي للكلمة. أي كنت نصه.

لكن منذ لقاءنا الأول وحتى بداية علاقتنا جرت خمس سنوات كاملة. وبدت هذه العلاقة مستحيلة بسبب الفارق الكبير بالسن. وعشنا تلك السنوات الخمس بنوع من الفراغ. وهنا  تدخلت في مصيرنا العلاقات الأوكرانية - الصربية التي صارت بالنسبة إليّ علاقة حب، وبالمناسبة هذه في المرة الأولى التي أتحدت فيها عن ذلك علانية! فقد أدركنا، عند العشاء بعد جلسة جمعية الصداقة الأوكرانية - الصربية التي ترأسها ميلوراد، اننا يجب أن نعيش سوية. ثم عشنا في سعادة زوجية لمدة 17 عاماً.

- قلت أنكِ في البداية أحببت نصوص ميلوراد بافيتش ثم ظهرت في حياتك شخصية ميلوراد بافيتش. فهل كان الرجل يختلف عن نصوصه؟

- هذا السؤال طريف جداً. عندما عشت مع ميلوراد كان عمري 32 عاماً وعمره 62 عاماً. إضافة الى أنه كان كاتباً صربياً شهيراً ومحبوباً للكثيرين من عشاق الأدب. والحقيقة، هناك في كثير من الأحيان فجوة معينة بين تصور المعجبين بالشخص وبين أصدقاءه والمقربين منه، وغالباً ما يبدو الشخص المشهور في الحياة اليومية ليس تماماً كما على شاشة التلفاز. وهذا ينطبق ليس على الكتّاب فقط بل كذلك على الممثلين والرياضيين وجميع المشهورين، وفي حالتنا أنا وميلود هناك شيء مميز وحب حقيقي كبير نادر الحدوث جداً. وهذا الحب تواصل أيضاً في الأعمال الأدبية المشتركة. ورغم الفارق في الأسلوب الأدبي لدينا فقد ألّفنا كتابين ونشرناهما سوية.        

      ألا تلاحظ أن أبطال بافيتش الرئيسين- هم من النساء؟ فقد كان يبحث في أعماله الأدبية عن انسجام معيَّن بين الجنسين. وأراد أن يخلق شخصية مزدوجة الجنس تجسد كلية الطبيعة البشرية. وبعد وفاة ميلوراد بقيت دون نصفي الأخر، وأن ميلوراد حلَّ فيَّ بشكل ما. لكني لست متأكدة بعد إن كنت أنا حللت فيه أيضاً. الآن وبعد عامين من رحيل بافيتش، التقي به كل يوم تقريباً بوصفي وريثته في حقوق الطبع والنشر. وحتى من الناحية القانونية لديّ شخصيتان. إضافة الى أني، ياسمينا ميخائيلوفيتش لا استطيع وفق القوانين الصربية أن احصل على أجور على نشر نتاجاتي  الأدبية لكوني وريثة حقوق الطبع والنشر الخاصة بميلوراد بافيتش. لا أحصل على أجور إلا على تشر أعمال بافيتش. ولديَّ على جهاز الكمبيوتر في المنزل خيار فريد من نوعه - أن أعيد تغيير شخصيتي. وبهذا الشكل ستتعايش فيّ بالمعنى الميتافيزيقي شخصيتان وإنسانان وجنسان.

- أتذكر جيداً بعد نشر مقالة ذكرى ميلوراد بافيتش تلقيت رسالة.. من ميلوراد بافيتش شخصياً، كانت الرسالة منك، ولكن آنذاك لم استطع حتى أن أتخيل هذا الأساس الميتافيزيقي العميق!.

 

         

 

-نعم، هو كذلك. دُفن ميلوراد في مقبرة العظماء في بلغراد. وحين أثيرت مسألة النصب على قبره منعتُ كتابة تاريخ الولادة والوفاة. وكان لي الحق بذلك. لأن ميلوراد كان يعتقد أن الحياة، كالرواية والقصة،لا ينبغي أن يكون لها نهاية. ويجسد هذه اللانهاية عدم وجود التاريخ التقليدي على شاهد قبره.

- إن إبداع ميلوراد بافيتش الفني أصيل ومنوع. فهل لدى ياسمينا ميخائيلوفيتش كتاب مفضل من كتب بافيتش؟

- سؤالك هذا صعب. كما قلت لك في البداية عشقت كلمات بافيتش. ولكن بعد أن بدأنا نعيش سوية، لم أعد استطيع أن اقرأ نصوص ميلوراد مثل القارئ العادي. والآن بوصفي وصيته أيضاً لا يمكنني أن أكون قارئة عادية. كرس ميلوراد لي رواية «جثة أخرى» ومسرحية «الخلود ويوم أخر» وعدد من القصص القصيرة. إننا نتشابك في جميع الكتب التي ألّفها بافيتش في السنوات السبعة عشر الأخيرة من حياته تقريبا. لهذا لم أتجرأ مرة بعد وفاته على قراءة هذه الكتب. لكن سؤالك كان حول الكتب المفضلة - أقول بصراحة، أحب قصصه القصيرة أكثر من غيرها. وميلوراد برأيي واحد من أكثر كتّاب القصة القصية إثارة للاهتمام في الأدب العالمي!

 

- الكتاب الذي جلب الشهرة لميلوراد بافيتش في العالم كله هو رواية «معجم الخزر» التي صدرت في عام 1984. قلتِ ذات مرة انكِ تشعرين في بعض الأحيان انك الأميرة الخزرية اتيخ. لماذا يا ترى؟

- تعيش الأميرة أتيج تقريباً في كل بطلة من بطلات بافيتش، وكان يبحث عنها طول العمر، قبل أن نلتقي. واستطيع أن اثبت بضرس قاطع أن الأميرة أتيخ هي- أنا.

     إذا تتذكر، الأميرة أتيخ كانت تترأس طائفة صائدي الأحلام. اني استلم الآن من الناس الكثير من الرسائل (في الغالب عن طريق البريد الالكتروني) يقولون فيها انهم يرون ميلوراد في المنام. وفي هذه الأحلام، بغض النظر عمنّ يرونها، أجد ميلوراد الحي الحقيقي. وسوف تُدرَج هذه الأحلام في كتاب جديد سيتم قريباً نشره. أي اني في هذه الحالة اقوم بصفة الجامع والمحرر لمنامات الآخرين حول بافيتش. والمسألة التي تقلقني في هذا الشأن - مَن سيكون مؤلف هذا الكتاب؟ إذ أن ميلوراد ما زال يواصل الكتابة الى حد ما- والآن من خلال صائدي الأحلام حوله!

- ياسمينا، تحدثنا كثيراً عنك بوصفك الأقنوم النسوي لميلوراد بافيتش. ولكن بقدر ما أعرف، من بين الأمور الأخرى، أنت مؤلف أصيل ومثير للاهتمام أرجو أن تتحدثي لنا عن أعمالك الأدبية. 

- دائماً ما يوجه إليّ هذا السؤال: ليس دائماً ما يعيش كاتبتن ويبدعان سوية. أن تكتب -ي عني أن تكون في عزلة رهيبة. وطالما أن ميلوراد كان يغادر من وقت الى آخر في هذه العزلة إلى أبطاله الأدبيين، أنا كذلك بدأت اكتب روايات الخيال. لقد كتبنا معاً كتابين والقارئ الذي يقرأهن يفهم بالتأكيد أن الكلام يدور عن أسلوبين أدبيين مختلفين تماماً. وقارئكم قد يشعر أيضاً بهذه الاختلافات إذ أن روايتي «قبلة باريس» قد تُرجمت الى اللغة الروسية. والآن عندما أقرأ في المحافل الأدبية  تعليقات مثل: «هذا الكتاب قطعاً لا يشبه نصوص بافيتش!» يراودني الشعور بالضحك. يتوقع القراء لسبب ما أني سأقلد أسلوبه. وأعتقد لهذا السبب استقبل النقد الروسي روايتي بنوع من الحذر. إذا أردتُ أن ألخص الفروق بين أسلوبينا - أقول أني شخص أصنع أدباً من الواقع وميلوراد كان شخصاً يصنع من الأدب واقعاً. ولعل هذا هو السبب الذي جعل ميلوراد بافيتش بطلاً أدبياً متكرراً في أعمالي الأدبية تحت اسمه الحقيقي.

- من هم كتّابكِ المفضلين، عدا ميلوراد بافيتش؟

- لقد قلت مراراً وتكراراً وكتبت أن لدي معشوقَين أدبيَين اثنين: هما بافيتش وبولغاكوف. إذ أني كثيراً ما أحب أن أعيد قراءة «المعلم ومارغريتا». بالإضافة إلى ذلك أحب ما يسمى بالرواية المملة لأمبرتو ايكو (بالمناسبة كان هو وميلوراد معارفاً ويتراسلون بشكل دوري)، وكذلك تعجبني مؤلفات دان براون. وإني أشاطر الأخير فكرته عن وجود المبدأ الذكري والأنثوي في المسيحية. وقريبة مني كذلك نتاجات الكاتبات الصربيات وأَحَبَهم إليَّ - يلينا دميتريتش. ربما هذا الاسم لا يعني لك شيئاً، لكن كتابها «رسائل من نيش» كان اكتشافاً بالنسبة لي (ربما لأنني شخصياً ولدت في هذه المدينة).

- كما قال ميلوراد بافيتش، يمكن للنص أن يُتَرجَم من لغة الذكور الى لغة النساء، وبالعكس. لكن لا تقل صعوبة مسألة ترجمة النص الى لغات أجنبية. فما هي المشاعر التي تنتابك عندما ترن الترجمات العديدة لمؤلفات بافيتش؟     

- تُرجمت مؤلفات ميلوراد إلى معظم لغات العالم. وكثيراً ما تُرسَل لنا كتب لا نعرف حتى عناوينها، على سبيل المثال في حالات الترجمات بالكتابات الهيروغليفية. وفيما يتعلق بنوعية الترجمة كان ميلوراد نفسه يقول أن النص الجيد يمكن أن يتحمل حتى الترجمة من لغة وسيطة لأنه يحمل معنى كبيراً. وقد أشرف بعناية على ترجمات كتبه الى اللغات الانكليزية والروسية والفرنسية والألمانية، إذ أنه كان يتقنها بشكل ممتاز. وبالمناسبة، فإن معظم مترجمي مؤلفات بافيتش هم من النساء وهذا كان يسعد ميلوراد كثيراً. وكان يرى أن المبدأ الأنثوي الحساس ينبغي أن يكون حاضراً في الأدب ليعطيه كمالاً.

 

كان ميلوراد على قناعة بأن  وحدة المبدأين الذكوري والأنثوي ملازمة لتطور الأدب العالمي منذ نشأته. وكان مقتنعاً بوجود هوميروسين اثنين: مذكراً ومؤنثاً. الأول كتب «الإلياذة» والثاني كتب «الأوذيسة». هذان الكتابان يختلفان للغاية من ناحية الأسلوب والخلفية العاطفية، ولا يمكن أن يكونا من إبداع مؤلف واحد. وهذا - واحد فقط من أسرار الجنس المشترك التي تكشفت لميلوراد بافيتش في تاريخ الأدب العالمي.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي