loader
MaskImg

حوارات

كلما طالت غربة الكاتب كلّما ضعفت الآصرة المخيالاتية التي تربطه بالوطن

breakLine

الروائي العراقي محمد حيّاوي

"كلما طالت غربة الكاتب كلّما ضعفت الآصرة المخيالاتية التي تربطه بالوطن"

حاوره الشاعر حسين المخزومي

وكالة نخيل عراقي / خاص

 

محمد حيّاوي عبد شذر، المولود سنة 1956 في محافظة الناصرية، تخرج من معهد الإدارة ـ إدارة عامّة في العام 1984. عمل في مجال الصحافة الثقافية كمحرر في القسم الثقافي لجريدة (الجمهورية)، ثم سكرتيراً للتحرير. نشر روايته الأولى “ثغور الماء” في العام 1983. غادر العراق في العام 1992 وأقام في الأردن للفترة من 1992 حتى 1995 وعمل في المجال الصحفي. أسس بالتعاون مع دار شيحان للصحافة في عمّان مجلة (لونا) للأطفال ورأس تحريرها في العام 1994. غادر الأردن إلى هولندا كلاجئ سياسي في العام 1996 ودرس اللغة الهولندية وتخصص فيها. درس التصميم الطباعي والجرافيك، ونال الدبلوم العالي والماجستير في البنية المعمارية للحرف اللاتيني. عمل مصممًا ومحررًا في جريدة هولندية من العام 2000 حتى العام 2010. أختير عضوًا في لجان التحكيم في مهرجان الفيلم الإيراني في أمستردام، ومهرجان الفيلم العربي في روتردام. رأس تحرير مجلة (سينما عالمية) الصادرة باللغتين الهولندية والعربية حتى عام 2010. أسس بالتعاون مع جريدة (طريق الشعب) جريدة (الطريق الثقافي)، وأدار تحريرها حتّى العام 2014. و هو عضو اتحاد الكتّاب الهولنديين، ويعمل أستاذًا لمادة الجرافيك والصحافة الجديدة في معهد جرافيك ليزيوم أمسترادم منذ العام 2010 وحتى الآن، ومدربًا للتصميم والصحافة الجديدة “الكروس ميديا” في الأكاديمية الألمانية للتطوير الإعلامي. تُرجمت مجموعته القصصية “غرفة مُضاءة لفاطمة”Lightened Room for Fatimah إلى الأنجليزية في العام 1996 ونشرت في أسبانيا.

من أعماله الروائية رواية ثغور الماء، طواف متصل، خان الشابندر، و له مجموعتان قصصيتان، غرفة مضاءة لفاطمة، نصوص المرقاة.

 التنقلات و الأسفار التي أثرت في تجربة حيّاوي الروائية و ساهمت في إثراء مخيلته ، إذ كان هذا الأثر منذ بواكير حياته الأولى حيث مسقط رأسه الناصرية، هذه البيئة التي كان لها الدور الكبير في تعزيز ارتباطه بالمكان و أثرها علي شخصيته إذ ولد حيّاوي في مجتمعٍ يتسم بالصرامة و الإلتزام بالعادات و التقاليد الإجتماعية، كذلك كانت عائلته متأثرة بالنمط الاجتماعي السائد فكان والده صارمًا محافظًا مما جعل حيّاوي منطويًا على ذاته خجولًا، و لكن بحكم عمل والده انتقلت الأسرة إلى بغداد، فشكل ذلك انعطافة كبيرة في حياته، إذ بدأ بالقراءة بشكلٍ مكثف فتعرف إلى أشهر الكتاب العالميين و تأثر على الوجه التحديد بالأدب الروسي و اللاتيني و بالفلسفة الوجودية ، فقد فُتحت له هذه النافذة من خلال اخواله اليساريين إذا كانوا يمتلكون مكتبة غنية بمؤلفات أشهر الكتاب العالميين آنذاك.

وجد حيّاوي الجرأة و كسر حاجز الخجل بأولى تجاربه الكتابية، و استعاض بكل مالم يفعله أو يقوله بكتابة القصص القصيرة و الروايات، لكنه لم يكتفِ بزيارة الأماكن البعيدة بخياله، فقطع أول تذكرة سفر إلى الأردن و منها إلى بلدان أخرى ليستقر أخيرًا في هولندا :-

 

كيف يختار محمد حياوي شخصيات رواياته؟

- من وجهة نظري، فأن تجربة الكاتب في الحياة وغناها هي ما يوفر له خزيناً ثرّاً لا ينضب من الشخصيات والأمكنة، يقول راي برادبيري "إذا أردت ان تنجح أكتب عما تعرفه"، وأنا أصدّقه في الحقيقة، لا يستطيع أي كاتب الكتابة عن أشياء لم يختبرها من قبل أو لم يعشها، وهذه قضية مهمة للغاية، ولا يمكنني ان اتخيل كاتباً يكتب عن المرأة وعوالمها وأسرارها من دون ان يختبر تلك العوالم في حياته الواقعية، كما لا يمكننا أن نكتب عن الحرب بطريقة صادقة وحقيقية ما لم نعشها ونخوض غمارها ونكتوي بنارها، هكذا هو الأمر ببساطة، أما ما يلي ذلك فهو اشتغال المخيّلة وطرقها الغامضة بالمزج بين صور الماضي والواقع المراد تخيّله، وبقدر تعلّق الأمر بي فان أيّة صورة خاطفة أو ومضة ما كافية لأن تلهب مخيلتي وتجعل الصور الارتدادية تنهال في الكتابة. على سبيل المثال شابّة متسوّلة تُظهر عيناً واحدة من فتحة في العباءة اخترقت المتنبي فألهمتني باختلاق شخصية "إخلاص" أو "لوصة" في روايتي "خان الشّابندر"، ممكن أن يراها المئات أو الآلاف يومياً، لكن نظرتي الخاطفة لها وتمكني من رصد خيط الحسن في نظرتها العميقة اختلف عن الآخرين، هكذا هي عين الكاتب وهي في المحصلة مَلَكة خاصّة جدّاً، وهذا الأمر لا يقتصر على شخصيات رواياتي وحسب، بل يتجاوزه للأمكنة أيضاً، فصورة مكان ما تعلق بمخيَّلتي وتتمازج مع صور أمكنة رأيتها في الماضي. وما لم أحب شخصياتي أو أكرهها لا يمكن أن أجسدها بطريقة مقنعة وصادقة، خذ شخصيتي "هند" و"مجر" في رواية "خان الشّابندر" على سبيل المثال، فالأولى عشقتها بعمق واثرت في وجداني وتلاعبت بعواطفي وتركت في نفسي أثراً كبيراً كما لو كانت حيّة تعيش في مخيَّلتي وتوجعني، ولا أعتقد انّها ستفارقني ما حييت، ولا بدّ ان تظهر ثانية بطريقة أو بأخرى في رواية لاحقة، أما شخصية "مجر" فقد أحببتها واعجبت بغموضه وعمقه ونظرته للحياة وفلسفته وحكمته وزهده وأسطوريته وهو الآخر أثر فيّ كثيراً.

 

ما أثر الغربة على الكاتب وهل تشفي الغربة جرح الوطن؟

- لعل فائدة الغربة تتجسد بفسحة الحريَّة والاستقرار النسبي وحسب، لأن آلية اشتغال المخيّلة واحدة في الحالتين، ربّما الكاتب في الداخل على تماس مباشر ودائم مع المتناقضات المجتمعية ومراقبة تأثيرها على الناس، لكن الإبداع بصفة عامّة والرواية على وجه الخصوص تعتمد على صور الماضي والذكريات والتجارب التي خاضها الكاتب، وما يلزم الكاتب في الخارج هو الومضة التي يستمدها في الغالب من زياراته المتكررة لوطنه، بين الحين والآخر، وكلما طالت غربته وانقطاعه كلّما ضعفت الآصرة المخيالاتية التي يستمد منها أفكاره. ربّما يعتقد الكثيرون بأن الحياة في الغرب من شانها توفير بيئة مناسبة ومستقرة للكتابة، لكنّني وفي ضوء تجربتي، اختلف مع هذا الرأي في الواقع، فأنا على الرغم من تحقيقي لبعض النجاحات على صعيد تعلّم اللغات والدراسة المتخصّصة بالغرافيك ونيلي شهادة عليا فيه، إلّا انّني فقدت حاضنتي ومفردات مخيّلتي في الغربة، ولم أشأ ان أكتب عن العلاقات بين المغتربين العرب والمجتمعات الغريبة التي تحتضنهم كمجتمعات بديلة، الأمر بدا لي سطحياً ويفتقر إلى العمق والحرارة والوجع، حققت في المنفى أو الاغتراب بعض النجاح الشخصي ربما، لكنّني على صعيد الكتابة الإبداعية أُعطبت تماماً، حتّى عودتي إلى وطني الأم بعد غربة امتدت لأكثر من عشرين عامًا، لتلتهب مخيلتي من جديد وتمتلئ بالحكايا والسحر، وتبقى المجتمعات الغربية من وجهة نظري مجتمعات لا روائية من فرط استقرارها، لهذا لم تخرج منها روايات عظيمة بمستوى روايات أميركا اللاتينية المليئة بالتناقضات المجتمعية، في الغرب يمكنك ان تحصل على السعادة الشخصية والأمان والكرامة، لكنّك لن تحصل أبداً على صعقة الإبداع اللازمة لكتابة رواية، هذه هي المعضلة في الواقع.

 

هل هناك خريطة يرسمها محمد حياوي قبل كتابة الرواية ثم يشرع بالكتابة بعدها، أم أن آفاق الرواية تتسع وترتفع أحداث الرواية وتتبلور الشخصيات خلال الكتابة دون فكرة مسبقة؟

- الخريطة أو المخطط المسبّق هو غير الفكرة المسبّقة في الحقيقة. وبقدر تعلق الأمر بي، فأنا لا اعتمد أيّة مخططات وخرائط معقدة مسبّقًا، واكتب بشكل عفوي مطلق، لكن بالتأكيد يجب ان تكون في مخيلتي فكرة مسبّقة عن موضوعة الرواية واجوائها وعوالمها وشخصياتها. نعم هناك الكثير من الروائيين يعتمدون المخططات والخرائط المسبّقة قبل الشروع في الكتابة وهي طريقة تخصهم، لكن بقدر تعلق الأمر بي، فأنا اضع مثل تلك المخططات والخرائط في رأسي بطريقة عشوائية غير منضبة أو صارمة، وأدعها هناك حتى تنضج وتبدا بالضغط عليّ لكتابتها، وفي الغالب تأخذ الأحداث مجراها المتعرج والشخصيات ملامحها المكتسبة بالتدريج أثناء الكتابة، وأحيانا، حتى انا أندهش من كيفية خروج تلك الأحداث والشخصيات بهذه الطريقة العفوية غير المخطط لها. ومن وجهة نظري، تمثل العفويَّة في الكتابة عندي أحد اهم المبادئ التي تستند إليها تجربتي السردية المتواضعة، وهي طريقة خاصة بي وغير ملزمة للآخرين بالتأكيد، لأنها تُعد تكنيكًا خاصًا طالما أعتمدته بالاستناد إلى شظايا متفرقة من الذاكرة أو الصور القديمة المخزنة لشخصيات وأمكنة معينة تكون بمثابة النوات عندي لأبدأ بالنسج حولها حتى تتحول إلى ثمرة ناضجة، وأحيانًا تخرج بعض هذه الثمار بطعم باهت وشكل غريب لا يعجبني، فأنحيها جانبًا، وفي احيان أخرى اقتنع بطعمها وشكلها وتسحرني نكهتها، حتى أتخيل وقع ذلك السحر على القارئ فأدفعها للنشر، وهكذا، ذلك لأن الكتابة الحقيقية عملية مضنية في الواقع، ومؤذية وندفع ثمنها من سلامنا الروحي نحن الكتّاب، لكن في النهاية الأمر يستحق تلك المعاناة، طالما ثمة الآلاف من اجيال القرّاء ستستمتع بها وتذكرنا حتى بعد موتنا.

 

لماذا أخترت كتابة الرواية والقصص القصيرة بالتحديد بمعزل عن أجناس وأشكال الكتابة الأخرى للتعبير عن أفكارك ورؤاك؟

- في البدء لم يكن في نيتي دخول عالم الرواية من فرط اخلاصي لفن القصة القصيرة التي كنت قد نشرت الكثير من نماذجها في جريدة الجمهورية والأقلام وذاع صيتها، حتى حدثت معي حادثة طريفة عندما كنت في الخدمة العسكرية، إذ صودف وجود ضابط مثقف في التوجيه السياسي وكان يتابع ما أنشر من قصص قصيرة آنذاك، فارسل بطلبي وسألني لماذا لم اكتب رواية حتى الآن، علمًا انني امتلك اللغة والخيال الذي يؤهلني لذلك من وجهة نظره، فوعدته بأنني ساكتب رواية قريبًا، وبعد مرور اكثر من ستة أشهر على هذا الوعد، أرسل بطلبي ثانية وكان منزعجًا ثم امر بحجزي في مكتب التوجيه السياسي وعدم السماح لي بالنزول إلى البيت حتى أنجز رواية، بعد أن وفر لي كافة المستلزمات المطلوبة وكلف زملائي باحضار وجبات طعام لي من بيوتهم دوريًا، فأسقط الأمر بيدي ورحت أكتب في الليالي عندما ينزل الجنود إلى بيوتهم ويهدأ المعسكر، وكان يطّلع يوميًا على ما أكتب، فاعجب كثيرًا بالفكرة ومسار الأحداث في الرواية، حتى أنجزتها بعد مرور شهرين من الحجز والكتابة المكثفة، وكانت روايتي الأولى "ثغور الماء" التي منحني إجازة طويلة عندما انجزتها للنزول وتقديمها إلى دار الشؤون الثقافية، وهكذا صدرت مطلع العام 1983 وجرى الاحتفاء بها وتوزيعها على اوسع نطاق في المعسكر، تلك الحادثة الطريفة والبعيدة كان بطلها المطلق نقيب من اهالي الفلوجة يدعى طالب مناجد، استشهد لاحقًا في الحرب العراقية ـ الإيرانية، ومن يومها قررت اقتحام عالم الرواية الآسر الذي وجدت فيه مساحة أوسع للخيال من القصة القصيرة على الرغم من حبي للأخيرة، لكن مع هذا ثمَّة كتّاب ولدوا ليكونوا روائيين، كما ان تكنيك القصة القصيرة مختلف كليّاً عن التكنيك الروائي، وغالباً ما يحول دون انفتاح الكاتب روائياً إذا كان معتاداً على التكثيف، لكن من جانب آخر ثمَّة الكثير من الكتّاب من يجيد الفنين في آن واحد، شخصياً كانت بدايتي مع الرواية عندما أصدرت أول كتبي رواية "ثغور الماء"، لكنّني بعد ذلك كتبت مجموعة كبيرة من القصص القصيرة التي اعتمدت من خلالها اللغة والأفكار المكثفّة، وهي في غالبها تصلح منطلقات لروايات، أقصد لو كنت آنذاك بوعيي الحالي، أو نَفسي الروائي الذي أكتب به الآن، وفي المجمل يبقى فن القصة القصيرة فنّاً جميلاً ومستقلاً عن الفن الروائي، لكنّه ليس شرطاً ينبغي للروائي المرور من خلاله بالضرورة وصولاً إلى الفن الروائي لأن الفنين مختلفان كليّاً، ناهيك عن ما بات يطلقه البعض على عصرنا كعصر للرواية بامتياز.

 

كيف كانت طفولة محمد حياوي؟ وهل ذاكرة المكان الذي نشأت به كان له أثرٌ في كتاباتك؟

- ولدت في مدينة الناصرية جنوب العراق مطلع الستينيات، وكنت الطفل الأوّل لعائلتي، ونظرًا لكون أبي وامي هما الأكبر في عائلتيهما أيضًا، فقد كان لولادتي صدى مدويًا على ما يبدو، إذ كان جدي لأمي، وهو تاجر حبوب كبيرًا آنذاك، يقيم الحفلات والولائم على مدى عشرة أيّام، جدي هذا الذي لا أتذكره، إذ مات وانا في الثانية أو الثالثة من العمر، قد شكل مرتكزًا مخيلاتيًا كبيرًا لدي، نتيجة للقصص التي سمعتها عنه وعن الخان أو السِيف الذ كان يمتلكه كموقع لتجارته في بيع الحبوب واستيرادها وطبيعة العمال الذين يفرغون سفنه الراسية في الفرات، لقد تسببت تلك الحكايا بارتباطي في مدينة الناصرية، وعندما قرر والدلي الانتقال مع اسرتي الصغيرة إلى بغداد، اصررت على البقاء لدى أخوالي، فعشت منفصلاً عن امي وأبي وأخوتي، بينما تولى أخوالي وخالاتي المثقفين تنشأتي، فقضيت في كنههم طفولة مليئة بمجلدات بساط الريح وسوبر مان ومن ثم ألف ليلة وليلة والأم لغوركي وغيرها من الكتب المدهشة، إذا كانوا يمتلكون مكتبة كبيرة وثرية جدًا وقتها، لقد كان هذا المفصل المهم من طفولتي بمثابة التأسيسات الأولى لشخصيتي التي جبلت على التمرد المبكر والاكتشافات وتكون الوعي وإثراء المخيلة، سواء بالقصص التي كنت أقرؤها أو حكايات الحب العاصف والتمرد التي كان يجسدها من هم حولي من أعمام وأخوال وعمّات وخالات. اما والدتي فقد كانت متعلمة وقارئة ممتازة شأنها بذلك شأن عائلتها كلها، وكانت تدعم ميلي للقراءة والكتابة وتفخر بما أكتبه، لكنني لم أتمتع كثيرًا بفيض عاطفتها وحنانها نتيجة لبعدي عنها بعد ان أصررت على العيش مع أخوالي، ولعل الشخصية المثقفة الأولى التي لعبت دورًا في حياتي كانت شخصية خالي الأوسط وداد عبد الكريم الذي كان مثقفًا عميقًا ويساريًا مخلصًا وانسانًا نبيلًا نذر الجزء الأكبر من حياته لتنشأتي وتوجيهي والسهر على تنمية مواهبي في الرسم والكتابة والنحت، كما كانت مكتبته الكبيرة ملاذي الدائم وصومعتي التي اسفح ظهيرات الأصياف فيها. لم يكن خالي كاتبًا بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه كان قارئًا مدهشًا ومثقفًا عميقًا وموسوعيًا ومناضلًا مخلصًا لقضيته.

 

كيف ترى الإقبال على قراءة الرواية بعد عشر سنوات؟

- أعتقد أن المستقبل سيكون موحشًا، نتيجة لتقدم التكنولوجيا وتدخلها المتسارع في طبيعة ونمط عيش البشر، ولعل الفنون الجميلة كلها، أقصد تلك التي تستند إلى الخيال والجمال، ستكون أولى الضحايا لهذا التغول الموحش، ومع ذلك لا أتخيل ان البشر سيكفون عن القراءة يومًا، أي نعم سيكون وقتهم مزحومًا والفسحة المخصصة للترفيه في حياتهم ضيقة، إلّا أنّهم سيواصلون القراءة، لكن سيكونون ميالين لقراءة الروايات القصيرة نسبيًا، وسينحسر عصر الروايات الطويلة، وسيستنجد الأدب بمستندات أخرى لتسويقه، كتحويله إلى أفلام او إدخال بعض المؤثرات التقنية عليه وفق ما بات يعرف الآن بالأدب الرقمي أو الرواية التفاعلية، أي أن تزود النسخ الرقمية بصور ومواد فلمية وخلفيات موسيقية وثنيات معلوماتية وغيرها، الأمر الذي قد يفقد القارئ متعة التخيّل ويحد من إسهامه الفعال في إدامة الخيال، ولعل الرواية ستكون من أكثر الأجناس الأدبية طلبًا في المستقبل، على حساب الشعر والقصة القصيرة، بينما ستختفي كتب الدراسات والنقد والعلوم والمعارف الأخرى نتيجة لتوفرها بكثرة في الإنترنت وتطور برامج الترجمة ودقتها، حتى أن طبيعة الدراسة الأكاديمية الكلاسيكية التي نعرفها ستتغير كليًا في المستقبل بسبب التطور التقني كما ذكرت. لكن هل يعني هذا أن الرواية ستشهد انتشارًا كالذي شهدته منتصف القرن العشرين؟ من وجهة نظري، لن يعود الانتشار كسابق عهده أبدًا، نتيجة للمنافسة الشديدة في مجال الترفيه، وستشهد النسخ الرقمية من الروايات رواجًا أوسع من النسخ الورقية بسبب تكاليف الطباعة وصعوبة التوزيع. لكن في جميع الأحوال، ستبقى الرواية فنًّا محضًا ونبيلًا يأسر البشر مهما أدلهم المستقبل.

 

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي