loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

آخر الرعاة

breakLine

 

آخر الرعاة

شاكر الأنباري / كاتب عراقي

 

مضى زمن طويل على جنون "عناد".
آنذاك، كانت القرية تفك أسار عزلتها بهدوء، وتنفض عنها غبار السنين المتراكم.
فالحافلات أخذت تسير يوميا من القرية إلى المدينة، والكهرباء أنارت عتم النخيل وأحراش الحقول، طاردة من الأذهان خيالات الجن والشياطين وأساطير الليل القديمة. إنه زمن تواري قطعان الغنم، وحمير الدراسة، وخيول المحاريث، وبيوت الشعر.
ورغم كل المستجدات، بقي اليوم الذي جن فيه عناد راسخا في الأذهان رسوخ حدث فاصل. لا أحد ينسى منظره وهو يدور بأغنامه في الطرقات وبين البيوت، غير عابئ بدهشة النساء المحدقات بلحيته الشعثاء وملابسه الرثة الملطخة بالوحل وأوراق العشب. هل جن بسبب عاصفة ذلك اليوم التي لم تشهد لها القرية مثيلا، أم بسبب حبه العنيف ل"جميلة" مع انقضاء سنوات على زواجها؟ هل كان يختزن جنونه ويراكمه على مر الزمن، الزمن الذي ما عاد يفهمه؟
ابتدأ يوم جنونه عند الفجر، والفجر قنطرة عناد التي تقوده إلى الحياة اليومية المعتادة، فلا يذكر أنه ظل في فراشه حتى شروق الشمس. يفيق كل يوم، ودون كلل، ما أن تتسلل إلى عينيه خيوط الضوء الأولى. فالضوء أول المستقبلين لعناد. سواء عبر فتحات بيت الشعر قبل عشرين سنة، أو خلل الشبابيك والأبواب حينما ابتنى أخوه بيتا جديدا يناسب مستجدات القرية ومقامه فيها.
بتسلل الضوء ويفتح عينيه الحمراوين على نداء الديكة فينخزه صوت داخلي مثل مسمار، في الساعة نفسها والدقيقة عينها، ليفكر، حتى قبل أن يستعيد أحلامه، بأغنامه المنتظرة داخل الزريبة. ما خطرت له يوما فكرة تشذيب لحيته ولا الاستحمام داخل البيت، ينسل إلى الخارج دون ضوضاء ككلب خائف، ويذهب إلى الزير المثبت جنب الباب فيغترف حفنة من المياه يرشقها على وجهه، عندئذ تدب في جسده حيوية يوم جديد تلازمه حتى رجوعه إلى البيت.
في فجره هذا، فجر جنونه الملبد بالغيوم، نسي عناد غسل وجهه واتجه مباشرة إلى المطبخ، فأحلام ليلته الفائتة كانت وكالعادة مبهمة مرعبة، اختلطت فيه أصوات دراويش وموّالات أعراس وأصوات دفوف وطبول ومزامير. أحلام بلا معنى تبددت من رأسه وخلفت غيمة من قلق. ومطبخ أخيه الكبير "ناظم" ككل مطابخ القرية يقوم في طرف البيت، حفرت وسطه حفرة عميقة تخلفت فيها بقلايا الخشب والرماد والجلّة، تحيط بالحفرة محامل من الخشب ركمت عليها خصّافات التمر وأكياس القمح وأواني الحليب وقدور الطبخ. جلس على قدر اللبن وأزاح هدمه العتيق وتناول غرفة من اللبن دلقها في إناء نحاسي مفلطح، فيما راحت العتمة تنقشع رويدا رويدا. تنسحب على مهل من حول زير الشرب، وبرميل المياه، وشجرة التوت القائمة وسط الساحة. أنهى فطوره عجلا، وألقى نظرة إلى السماء، غيوم كثيفة وهواء يشي بالمطر. الريح ساكنة والأشياء تبرز معالمها، فخطا إلى شجرة التوت وتناول عصاه الخيزران بخفة، وكان احمرار الأفق ظاهرا خلف غابات النخيل البعيدة. خطرت له فكرة غريبة راودته قبلئذ أكثر من مرة، ماذا لو يعود إلى فراشه وينام حتى الضحى مثل ناظم؟ يترك الغنم ويرمي عصا الراعي ويلتف بغطاء أحلامه التي تلقيه دوما إلى "جميلة"؟ لقد جعله ناظم يعيش على وعد الزواج منها طوال حياته لكنها تزوجت ورحلت عن القرية فهل كذب عليه؟ ما الذي تبقى له؟ عمره جاوز الأربعين وهو دون زوجة أو بيت خاص، هو وأغنامه. أكد له مرارا : إنها لك، وغدا سيكون لك بيتك الخاص وامرأتك التي تنتظر رجوعك. صحيح أنه يعد نفسه راعي القرية الوحيد، سليل أجدادها الحافظ لسر المهنة، إلا أنه وعى بمرارة بؤس زمنه، إذ أصبحت مهنة الرعي ذكرى غائمة يرويها فلاحو القرية بتندر.
خرج ناظم للوضوء فألفاه في حيرته فخاطبه بجفاء دون أن يلتفت إليه: طلعت الشمس وأنت لابث جنب الزريبة كالأخرق، ماذا تنتظر؟ إي إي، أنا ماش، رد عليه بعجلة وفتح الباب فتدفقت مخلوقاته الأليفة إلى الخارج وبالكاد كبح الألم الذي سببه ناظم.
لم تشرق الشمس هذا اليوم، وضوء النهار كاب مختنق والبروق تشعل بومضها البعيد ذرى النخيل وتسكب على طريق عناد لونا رمانيا غرابته لا تحد. كانت طريقه تتوغل بين الشوك والعاقول، تفترس خطاه ناحية به إلى أرض ليس في فضائها دوي محركات ولا روائح بنزين، أرض بكر. إلى الأمام. إلى الأمام. كان يهتف بأغنامه، سنرحل إلى أرض العشب والأرانب البرية. هناك إلى غابة " الأقرع" لاعب القمار. طارت بومة في السعف وشقشق غراب ذيله أبيض في قلب نخلة، نفثت التنانير دخانها الأزرق المشبع برائحة الخبز والنفط. دخان في الليمون والصفصاف، ورعود بعيدة تقرقع في فضاء صحراوي داكن.
استيقظت الحياة إذن وسيبدأ الشارع المؤدي إلى المدينة بضخ حافلاته، وناسه، وبضائعه، وعطن زيوته التي لا يطيقها أنف عناد. لنبتعد. لنبتعد. تلكأت أغنامه ملتقطة الثمار والعشب وتلكأ هو لشم رائحة المطر جلبتها رياح الربيع. نأت البيوت ممتزجة بالبساتين واختلط السعف مع البرتقال، الدخان بالغيوم، الخشب بالعروق، الناس بالكلاب البرية وأرانب الحقول، وأمامه امتدت الصحراء المرملة القاحلة التي يقطنها رعاة ميتون وفلاحون ولدوا كما تولد البراغيث. ليس أمامنا سوى الصحراء. لننعطف إلى الغابة.
دخل الغابة ونشر أغنامه في الحقل البري. كانت روائح البذور تدور في الهواء، والغيوم تشتعل بنار الشروق، والقرية في ركنها القصي. بيتهم صار كتلة من الطين تظلله أجنحة دخان سماوي، بيت ملعون ليس له، لا ذكريات، لا زوجة. بيت خال من الرحمة. ما الذي تفعله ايها البيت المجنون؟
جلس على كثيب ترابي وأرسل طرفه في البرية وكانت قطرات المطر تسقط على حذائه البلاستيكي وصوف أغنامه وعصاه الخيزران. من الغابة نعب غراب على حين غرة، فصاح مستوفزا: اخرس أيها الغراب ! لماذا تنعب، تهزأ بي؟ أعرف ذلك. لم يبق لي سواك يا لاقط الجيف وآكل الأموات. لكن صحيح؟ عندك حق فأنا رث الثياب ولا أطيق رائحة البنزين ولست أكثر من راع يعيش على ذكرى امرأة تزوجت. ولامس لحيته بوجه متجهم والتقط خيزرانه وراح يفتلها فوق السباب والإبهام فترنحت دائرة كناعور عتيق. من حوله كانت جذوع الغابة تتبعثر بهدوء رائع وكان الهدوء يعجبه فأطلق لصوته العنان ظانا أنه سيشتت العزلة ويكسر جدار السكون، وجاء صوته خشنا ليس كعادته، جاف النغمة بارد الترديد، انكرته الغربان والمطر المتساقط وأغنامه الراتعة وأوراق العشب. وها هي الأغنام تمسح الآفاق بنظراتها الفارغة وتندفع بثغاء جماعي أجش. صمت شامل، وعشرات العيون تغرز سهام أحداقها البلهاء في عينيه الحمراوين، عيني الراعي الذي لا ينام، حفيد تاريخ طويل يسير رويدا نحو الزوال. نظر الجهات كلها ولم يكن ثمة ما يريب، لم ير سوى العشب وجذوع النخيل والأحراش وغيوم السماء المتكاثفة كمستنقع أسود. إنها العاصفة، فكر عناد وبدأ البحث عن مخبأ يقيه المطر. أضاء الفضاء برق حاد روع الغنم وأطيار الحقول وقلبه الهلع، هل غضبت السماء على القرية لأنها استبدلت ثوبها القديم بحلة الكهرباء والنقود وأنابيب المياه الملوثة بالكلور؟ كان يسائل روحه ولا يجد جوابا شافيا. أضاء البرق ونزل المطر، بوقع صاخب كنس هدأة الحقول وسكينة النخيل فبادر إلى جمع أغنامه وقادها إلى "الغول". والغول كما عرفها نخلة عظيمة السعف متداخلة الخوص لم تشذبها يد الأقرع منذ عشرات السنين، وجدت في أغصانها الغربان والحمام ملاذا آمنا فحولتها إلى عش تفريخ واسع. تحت تاج الغول استظل عناد وأغنامه وكان يرتجف بهواجس الغضب الإلهي والعقاب الغامض المرسل من السماء. كان مشدوها بالبروق والرعود، ملتصقا بأمه النخلة يطلب الحماية من جذعها الغليظ. تحيط به أغنامه وكلاهما يرقبان الضباب والمطر وبلل التراب وصرامة الحياة البرية. بعد كل ضربة صاعقة يظن أن روحه ستخرج من جسده. وفي واحدة من تلك الصواعق المفرقعة سقط عناد في سبات عميق، سبات الدهشة والتباس الأزمان وعزلة أيامه التي عاشها منتبذا عن القرية. كم مرت على سباته من اللحظات؟ لا يدرك ذلك. فبعد يقظته تراءت له الكائنات شاذة وغريبة تعوم في عالم غير متماسك، غير محكوم بأية رابطة معقولة. عالم مبعثر كرمال الصحراء، ألوانه متداخلة مثل طعمه وتفاصيله، صوف ليلكي وثقوب سود تغطيها جلود ضئيلة متحركة، رقائق من الخضرة وثيّل في التراب. مواسير مائية تخترق الأرض كالديدان، أجراس ومزامير ودفوف ودراويش، وجوه مضيئة وذئاب تهاجم قبرة وتطير خلفها إلى السماء لتختفي في الغيوم. باص خشبي يسير على عجينة سوداء بأذرع من خشب علقت عليه أجساد بشر راحلين إلى المدينة. وفي لجة دهشته أورقت عصاه الخيزران ذكريات لها حلاوة التمور والنساء المعطرات بالقرنفل والشنان. عيناه الحمراوان رأتا كرة البحر الأزرق الملتهبة في السماء، والدودة المسافرة في طرقات التراب، والكائنات الصوفية المعلقة على أكرع أربع. كل شيء حوله مضحك، مضحك ويبعث على السخرية. كل شيء غير مفهوم ويدفع إلى الغثيان، إلى الركض بلا هدف. لا. ليس الكون هذا بكونه، كونه توارى إلى الأبد، ضربته الصاعقة، أخذته الغيوم إلى الأعلى كي يدخل تراب أرض سراب. هو الآن في عصور بعيدة لا رعوية، عصور دماره وخرابه. ضحك ضحكة عجفاء خلت من النفس الإنساني. ضحك طويلا للحد الذي تحول فيه ضحكه إلى نباح حاد ثم طفق من مكانه وراح يعدو على مهل. العصا بيده وحذاؤه عالق بإحدى قدميه، ثم تبعته أغنامه كعبيد طائعين. أي الأمكنة ستؤويه والطرق تقود دوما إلى القرية؟ إلى تلك العلب الرمادية بتبنها وحديدها، طابوقها وزيوتها، مواسيرها وأسلاكها المنيرة للعتمة. لقد رأته القرية بأطفالها ونسائها وشيوخها يعدو وأغنامه متوغلا بين البساتين، وأعمدة الكهرباء، وأشجار الصفصاف، يعدو إلى لا مكان. قال البعض إنه جن بسبب العاصفة، وقال آخرون حبه لجميلة قاده إلى مصيره ذاك. لكن السبب الحقيقي ظل غامضا عن القرية إلى يوم موته، أي بعد خمس سنوات من جنونه.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي