loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

أصابع العروس

breakLine

 

أصابع العروس

 

ضياء الخالدي - قاص عراقي

 

متى شعرتُ بالعطب؟ لا أتذكّر، فمثل تلك الحالات تتكسر بداياتها مع أولى استكشافنا للعالم، وتنمو مع وعينا البسيط حتى ندركها تماماً عند ملاحظة الأهل والآخرين. في النهاية أدركت أن حركتي ليست كحركة أفراد عائلتي والبنات والصبيان في الزقاق، والحركة هنا لا تعني إطلاقاً المشي بصعوبة، بل عدم الخطو دون العكّاز، فالساق التي بدت غريبة عني كانت صغيرة ومقرفة، كأن أشراراً الصقوها في غفلة بجسدي.  

ارتباك دفعني مبكراً إلى التفكير فيها، وكيف اتجهت إلى الداخل بتقوّسات مقزّزة، وكثيراً ما قارنت هيئتها بالأخرى السليمة الطويلة المشابهة لسيقان أبي وأمي وأختي دلال، فتبدو كأنها لعنة، ولن تذهب إلا بقطعها ورميها في صندوق القمامة. هذا ما حلمت فيه قبل وبعد بلوغي، أن أكون بساق واحدة خير من امتلاك اثنتين إحداهما معطوبة، أو لأكن صادقة وأقول، لقد كرهتها، وحقدت عليها، وسعيت إلى الخلاص منها حتى ولو كان الثمن حياتي.

كانت لعنتي الأكيدة، ضعفي الدائم الذي يجعل عائلتي وكل من التقي به في الحي والمدرسة ينظر لي من خلالها. لا ترى الصديقات أو المدرّسات موهبتي الحقيقية، فأنا خارقة الموهبة كما يقولون، والسبب أن تلك القدم الشيطانية تجبرهم على الدوام في تضخيم أرائهم عني، حتى أفرح، وأعيش الغبطة كما يظنون بعيداً عن المأساة التي أحملها أينما ذهبت. ربما يكون ما أضرب بفرشاة الرسم على القماش من ألوان مجرد خربشة بنت معاق لا تفقه شيئاً. تختلط الألوان الزيتية بصورة فجّة حتى تجد الأصداء من الأهل والأصدقاء باستمرار. لم يقل أحد أبداً أن تلك اللوحة ستكون أجمل لو قمتي بتقليل الاحمرار هنا، أو جعلّتي العين المغلقة التي أخترقها شعاع من الضوء برموش منسدلة وليست نافرة، حتى أبي أراه ينفّذ ما أطلب بسرعة، كوقت نفاد علبة الأصباغ أو دستة الأوراق أو لفات الأقمشة، فتراه يسألني بإلحاح لا ينقطع عما أحتاج، كأنه يتوسل بي. يذهب إلى السوق لجلب أجود الأصباغ ومهما ارتفع ثمنها، بينما أختي الصغيرة دلال تلح دائماً وتنتظر حتى يلبى طلبها حول حاجيات أخرى بعد أيام، وربما أسابيع لشراء ما تريد.

تحملني العكّاز إلى باب الحديقة فأشاهد الزقاق، وأحدق بالبنات وخفتهن بالقفز على الحبل، والأولاد حين يلعبون الكرة ويتسابقون في ركلها، وحتى لو اصطدموا فيما بينهم فأنهم سرعان ما ينهضون ضاحكين، بينما المراهقات أمثالي يضعن العباءة السوداء على أجسادهن لشراء حاجة من الدكان ويعدن إلى بيوتهن بخطوات واثقة. أقف عند الباب فتتبعني دلال فرحة لأنها ستقف خلفي وترى الخارج بمعية أختها الكبيرة. سيسكت أبي ولن يعنفها كما لو وقفت بمفردها. لن يغضب مني والدي العزيز، ولن تطلق أمي الحنون صيحاتها المتكررة كما يحدث مع دلال. أسم أختي ينطبق عليّ بالتمام، فأنا المدللة المعاق التي يمكن لها أن تطلب ما تشاء وسيأتي عاجلاً. أريد لبن العصفور! سأطلب من أبي أن يجلبه لي لأسكبه على قدمي الخبيثة الملعونة الفاسدة، لعلها تكبر وتغادر اعوجاجها، وعندها سأقذف العكّاز وراء السياج.

أمكنني التحديق كما أشاء بشباب الزقاق وأتفرس في ملامحهم، كان هذا قبل أن يتعلق القلب بأحدهم، وعندها تركتُ تلك العادة التي كنتُ أحاول من خلالها التأكيد بأني فتاة كاملة العواطف. عشقت شاباً جميلاً، لم يكن خياراً بل أشبه بالسقوط دون إرادة في حوض مليء بمياه باردة. بدا الأمر مجازفة غير مأمونة، فالجدران عالية والبسمات المتبادلة ما بيننا لا تعني أبداً القدرة على العبور نحو الضفة الأخرى. هل سيحبني وليد حقاً؟ يخطف باستمرار من زقاقنا ويعود لأكثر من مرّة، أراه يحدق بملامحي دون أن ينظر إلى قسمي السفلي. تبتسم عيناه قبل شفتيه فأغرق مجدداً في ذلك الحوض اللذيذ. لكني تمعنت بحالي وفكرت كثيراً، ليلاً ونهاراً، بأن كل تلك الابتسامات سوى فعل لإسعاد فتاة كئيب ومعاق، قد يفكّر بذلك وهو طالب الكلية الأنيق، وليس مثل بعض شباب الزقاق الآخرين حين يبصروني فيشيحون النظر سريعاً كأنني موبوءة.

أراد أبي ذات مرة إقناعي بشراء عربة لذوي الاحتياجات الخاصة حتى انتهي من مشقة العكّاز الذي يرهقني. لكني رفضت، فالعكاز يقربني أكثر من الناس. أقف بجسدي ككائن حي، وأكون مع مستوى نظر الجميع حين يبصرون الأشياء. أُشابههم في ذلك. أستطيع أن أقطف عنقود عنب متدلياً من عريشة حديقتنا ومشاهدة البيضة المقلية وهي تنتفخ في المقلاة، وأفتح باب الثلاجة لأشرب جرعة ماء باردة ثم أغلقه بهدوء. تلك انتصارات لا بأس فيها، قد يراها الجميع أفعالاً بسيطة لا تعني شيئاً لكنها تطرد الخسائر، فأقترب عبرها من نسيان مصيبتي للحظات. يسندني العكّاز المعدني اللامع بود وحنان، ويشعر فيّ عكس تلك اللعينة المقوّسة التي تجعلني أعاني كثيراً عند ارتدائي البيجاما أو بنطلون الجينز. العكاز يخرج عني فيرتمي بجانبي على السرير وكأنه حبيب، بينما تلك، تختلس النظر إلينا بخبث أو حسد، ولا تفارقنا أبداً.

رفضتُ العربة، كما رفضت الكثير من الدعوات لزيارة الأقارب والجيران، وانكفأت مع الألوان والفرشاة، ورسمتُ أهم لوحة عندي كنت أخفيها بالأوراق البيض كلما انتهت جولة من الرسم، صورة وليد وهو يحمل بيديه قدمي اليمنى المعوجّة الساقطة، وعلى وشك إحراقها بشعلة نار متأججة. رسمت له قسمات وجه مليء بالتصميم والقوّة. كأنه يقول لي: مشكلتك ستنتهي قريباً أيتها الجميلة!

نعم، الجميع يقول إنني جميلة، وكذلك أنا، لكن حتى هذا الأمر شككتُ فيه ببعض الأحيان، فالباب واسع للعطف، والحقيقة لم تعد حقيقة ينبغي الأيمان فيها. تلوّن الصدق مع كل نبرة مرتخية لإنسان أتحدث معه، وكأنهم يودون تنميق العبارات وإسقاطها بعناية في أذني. أمي تكرر لي سراً إنني أحلى من دلال، ربما تكون صادقة، ولكن هذا ليس مهماً ما دامت دلال تملك ما لا أملك، وسيأتي لها الفارس الذي سيُركبها في سيارة بجانبه في يوم صاخب بالزغاريد والدبكات.

فكرتُ بالهرب من البيت بعد عامين من تكوّر نهديّ، واكتست الفكرة لحماً في ساعات الليلة الأخيرة، وكان يمكن للفجر أن يكون موعداً للتغيير، وكأن الخروج من البيت والعائلة سيستبدل ساقي التالفة بأخرى سليمة. كان انفعالاً لفتاة يائس، بنت مراهقة تود أن تصنع حدثاً جديداً في عالم ساكن. الأهم لديها وقتئذ أن تغادر المكان الذي أدركت فيه ضعفها وانكسارها، وترك الأشياء التي تذكّرها بكل المواقف التي كانت تتحدث فيها مع نفسها، فقد ملت الحوارات الصامتة التي تتجاوز أحياناً النفس إلى شتم الساق اللعينة، وتقرصها بقوة حتى تنشب أظافرها الطويلة المطلية بلون الزهر فتحدث آثاراً غائرة في بشرتها البيضاء المشرّبة بالحمرّة. كان القرص يتمحور عند مناطق الاعوجاج ويبتعد عما هو سليم فيها، في المناطق الخربة التي لن تستعيد عافيتها ورونقها أبداً كالساق الأخرى الممتدة بأناقة وفخر حتى قدمها النازلة على بلاط الأرض بخيلاء. من حظي الحسن أن تلك الفكرة انهارت بالجبن أو هبات العقل الثمينة التي سربت فيّ مشاعر العطف المؤثّرة حول والديّ وأختي دلال. كيف سيتلقون الخبر؟ ما ذنبهم؟ إحساس أخذ ينمو فأراحني كثيراً وبدد كل رياح الجنون التي كانت تحملني وتطيّرني نحو البعيد المجهول طيلة أيام. أبصرت جنون الفعل صباح اليوم التالي بالكامل، حتى لم أفكر بالمكان الذي كنتُ سألجأ إليه. لم تكن ثمة نجاة أبداً. انكشفت تلك الهواجس وظهرت كالانتحار، والضياع، وزيادة في ترسيخ الضعف. لماذا أجعل من ساق فاسدة تطيح بالجسد والنفس والعائلة؟ صدمة لأمي قد تُدمرها، وهي لا تنفك تزورني في حجرتي عندما أرسم وبيدها فنجان قهوة أو كوب حليب أو طبق بسكويت عملته بالفرن، تسبقها البسمة ذاتها التي انطبعت تأثيراتها في قلبي منذ الصغر، ثم تخطو إلى الخارج وشفتاها تدعوان الله أن يحفظني، وأن يبعد الشيطان عني، ذلك الشيطان الذي لن تتجرأ على القول له أمامي: ابتعد عنها، يكفي ما هي عليه!

في ظهيرة أحد الأيام ارتفع العويل والندب من بيت جارتنا أم سلوى، فجذب أهالي الزقاق من رجال ونساء وأطفال حتى ملأوا حديقتهم وواجهة البيت. ذهب أبي إليهم على وجه السرعة بعدما أيقظناه من نوم القيلولة، وكذلك أمي، بينما دلال هرولت نحو سلم بيتنا الداخلي للصعود إلى السطح والتحديق من علو. بقيتُ وحدي في الباحة الخارجية التقطُ هرج الأصوات ونثار الكلمات التي فشلت في تحديد معنى مؤكد، حتى وصلني الخبر من دلال التي نزلت مسرعة ما أن توصلت إلى الحقيقة. لم تنس أختها المعاق في الأسفل، وقالت إن أبا سلوى أصيب بانفجار سيارة مفخخة وسط المدينة لكنه لم يمت. لم تصدق زوجته أم سلوى بالأمر وظنت إن رجال الزقاق الذين أطلقوا العنان لهواتفهم النقالة بالاتصال هنا وهناك غير صادقين بنجاته، ولا ينوون إخبارها بخبر الوفاة. مر الوقت عصيباً في ذلك النهار على عائلته وعلينا وكل الجيران حتى تأكدت النجاة فعلاً، عبر معرفة المستشفى الذي نُقل إليه جميع المصابين والضحايا. لقد تمسّك أبو سلوى بالحياة، وعندها فرحت أم سلوى بالرغم من دموعها وفداحة الإصابة في كلتا ساقيه اللتين بترتا فيما بعد.  

كانت العربة لأبي سلوى وليست لي. رأيته يخرج في أوقات العصر في الزقاق بملامح كسيرة وأسئلة حبيسة في صدره أدرك سخونتها، بل تجاوزني العم أبو سلوى بما كان يعتمل في داخله، فحتى العكّاز لم يعد بالنافع له، ولن يستطيع الوقوف مثلي والنظر بمستوى نظر الآخرين. وقتها أدركت إن أزمتي ليست سوى تفاهة صغيرة بين أزمات كثيرة تطوقنا بالموت وشي الأجساد في لحظات مفاجئة. ما معنى أن تسر أم سلوى لأمي بعد أسابيع أنها أطلقت زغرودة صغيرة خفية وسط دموعها وشهقاتها سوى لأنه لم يمت؟ كانت تتوقع زواله عنهم، يغادر إلى الأبد بمعية الساقين والذراعين والرأس وباقي الجسد.

ربما حدث انفجار في بطن أمي فأعطبت ساقي، لذا فإنني أكثر حظاً من أصحاب العكازات والعربات في زمننا الذين احترقوا وصدموا بالنار والدوي. خرجتُ دون ألم وصدمة فتفتت الرهبة وتوزعت تدريجياً على مدار سنوات العمر، فكان أثاث البيت وملامح أسرتي وأصوات الطيور ومشاهد أفلام الكارتون تقف بموازاة ارتباك وددتُ تحديد مصدره! ما سبب العطب الذي يبقيني أسيرة الباحة الخارجية والباب بينما من هن في عمري يلعبن في الشارع لعبة "الثعلب فات وفي ذيله سبع لفات"؟ أردتُ الذهاب والركض صوب الدكان لأشتري "أصابع العروس" وأعود بمفردي. لا أُريد الحلوى من أمي التي تختزنها في الثلاجة صيفاً وفي دولاب الملابس شتاءً، وتنهر دلال كلما طلبتْ المزيد منها.

لا حلول لإصلاح العطب في ساقي اللعينة كما قال أطباء كُثر، كما لا حلول لإيقاف أطراف وأجساد الناس المتطايرة بدمائها بعصف الشوارع، وأعترف إنني عجزت عن الابتعاد عن ساقي، لكنني اقتربت من وليد الذي راح يزيد من ابتساماته ومروره في الزقاق كي يراني. لم يعد الأمر يخضع للظنون أو دوافع العطف، كأن ساقي اللعينة فشلت في فرض شخصيتها وتنازلت أمام لهفتي بالوقوف عند الباب عصراً ومشاهدة الولد الجميل وهو ينثر الورود من عينيه فوقي. أخبرت دلال بذلك، فطارت من الفرح لأجلي، وبدأت تستثمر علاقاتها الوطيدة بالصديقات لكي تزودني بالتفاصيل عنه، فأنا منطوية منذ الصغر، وعلمت منها أن وليد يهوى الرسم أيضاً، ولديه من اللوحات التي شارك فيها بمعارض الكلية. لم يكن ذلك وهماً أو كذباً، فساقي السليمة راسخة برفقة العكّاز على الأرض، وتسريحة شعري صففت وفق أحدث موضة، وشفتاي تزدادان حمرة شيئاً فشيئاً بقلم الروج كلما كثرت أكاليل البسمات الخاطفة منه. لم تعد تهمني الساق المعطوبة ولتبق شاهدة على كرنفالات الفرح التي تُحييني.  

لكن، ما يحدث للناس خارج بيتنا هو ما يحزنني الآن؟ في الشوارع والمدن، في الحافلات والأسواق. لن تتغير الحالة تلك بهبات الشفاه الباسمة والقلوب الخافقة. ستبقى ثمة أسئلة معاقة تخطو بالعكّاز في مدن البلاد كلها، ولا أريد أبداً أن تجلس أحلامنا جميعاً في عربة بإطارين كبيرين ثم يدفعها الآخرون نحو الهاوية.