loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

أنا واليهودي إللاي...

breakLine

أنا واليهودي إللاي...

حسّان الحديثي / كاتب عراقي

"إللاي" بكسر همزة الألف وتفخيم اللام هكذا هو اسمه، شاب يهودي يقيم في ميامي بولاية فلوريدا الأمريكية كان يعمل بياعاً في شركة كبيرة اتعامل معها وكان شاطراً كلما حاولت أن أغلبه في الشراء أكتشف أنه غلبني بالبيع، غير أني ما اشتريت منه بضاعة إلا وربحت بها رغم أسعاره التي هي أعلى نسبياً من أسعار بقية الشركات.

قلت له يوماً : لا تكن "أبوكمال" معي فأنا خبير في عملي ثم رددت ذلك وأعدته على مسمعه اكثر من مره حتى سألني : من هو "ابوكمال"؟ وما قصته؟

فقلت له: كان ابوكمال خياطاً مصريّاً في مدينتي منتصف الثمانينات تربطني به صداقة لكثرة ما اتردد على دكانه لاخيط عنده بنطلوناتي وقمصاني وكانت تقليعة الخياطة يومها هي السائدة عند الشباب وليس الألبسة الجاهزة كاليوم، كان ابوكمال -بالإضافة الى مهارته في فن التفصيل والخياطة- يمتلك قدراً عالياً في فن الإقناع فيستطيع أن يُقنع زبونَه بأنواع وأسعار اقمشته وخاماتها ومناشئها، ولكنه كان لا يكاد أن يعبر الزبون عتبة دكانه مغادراً حتى يطلق قاعدته الغريبة قائلاً "الزبون حمار" وعندما كنت أسأله لماذا تنعت زبونك بالحمار يقول: هذا ليس من باب التحقير له وإنما هو بالنسبة لي بمعرفته أنواع الأقمشة ليس اكثر من حمار لأنه جاهل بها تماماً وحتى لو كانت لديه بعض الخبرة فخبرته لا تعني شيئاً امام خبرتي ودرايتي فأنا لست بزّازاً فقط انا خياط أيضاً اتلمس النسيج وأتحسس أكتانه وأصوافه وأقطانه وأقف على جودة الحياكة وأعلم سر الخيط الذي فيه، ثم يقول لي: إعلم أن ما يخفى على البزّاز يا صديقي لا يخفى على الخياط... فأخذتها مثلاً.

أُعجِب إللاي بالقصة وأعجب بالمثل أيضاً فصار يردده على زملائه في الشركة حتى قال لي مرة: أنت لا تحمل حذاقة مهنة البائع، انت تحمل روح المهنة. فتوطدت علاقتي به كثيراً سيما أنه يحمل بين جنبيه طموحاً وجرأةً أنضجت طبعه وشخصيته.

كان عمره يوم تعرفت عليه تسعةً وعشرين عاماً ولدية اربعة أبناء وقد بلغت ابنته البكر الرابعة فاليهود كالبدو عندنا يتزوجون بأعمار صغيرة ويحبون الإنجاب كثيراً ربما هو هاجس بثه فيهم عدم استقرار حالهم أو قلةُ عددهم قياساً ببقية الأديان والعقائد.

كان إللاي كريماً معي يدعوني على العشاء كل ليلة طيلة إقامتي في ميامي وكان قد تعلم بعض المفردات العربية من جدته ذات الاصول اليهودية الفلسطينية فقد ولدت جدته وعاشت جل حياتها في فلسطين ثم هربت بحفيدها الوحيد بعد ان مات والده بحروب اليهود مع العرب في فلسطين جراء إصابته برصاصة أقعدته بعدما انفجرت في الحبل الشوكي أسفل رقبته ولم يزد عمره حينها على الثلاث سنوات.

كان إللاي طويلاً نحيفاً لا تجد عنده زيادة في الوزن مع انه كان شرهاً يحب الأكل كثيراً ولا يكاد يُذكر أمامه اسم مطعم في ميامي كلها الا وعرفه ووصف طعامه وأسعاره بدقة ثم نصحني به او بعدم الذهاب اليه، حتى ان جدته تسميه في البيت الـ "فجعان" كما اخبرني. اي كثير الأكل.

هو رجل متدين أيضاً ولكن بدون تطرف ولم أره يوما بدون طاقيته الدائرية السوداء الصغيرة التي كان يثبتها بمشبكين صغيرين في أعلى موخرة رأسه ولم يكن يحب اسرائيل بقدر حبه للمال ويردد دائما "المال في الغربة وطن" كما تقول جدتي.

كان يحكى لي عن والده أشياء تدهشني ليس بغرابتها وتفاصيلها وحسب، بل بفطنته وحافظته في عمره المبكر جداً فقد كان يدرك ما أخبره أبوه بالحرف وقد سمع ما سمع منه وهو ابن ثلاث.

قال لي في معرض ما قاله عن ابيه: انه سأله يوماً -وهو قعيد الفراش وقد شُلتْ أطرافُه الأربعة ولم يبقَ له من جوارحه سوى رأسه ولسانه، لماذا لا تضحك يا أبي كبقية الآباء؟

يقول فأطرق أبي طويلاً ثم رفع رأسه وقال:

كانت الفجوة ضيقةً كالحياة تلك التي صنعها جنود الهندسة في الأسلاك الشائكة المحيطة بحقل الألغام التي زرعها الجيش الاسرائيلي أمام العرب، فكانت تلك الأسلاك تمسك بثيابنا فتمزق رؤوسُها المدببة ونهاياتُها المعقوفة أردانَنا وجيوبَنا حين نمر من خلالها للهجوم و الاقتحام، ولأن الموت كان يحيط بنا من كل جانب لم نبالِ حينها بالشقوق وما يتساقط منا كنا نعتقد ان الأرض أهم من الضحك، غير أني اكتشفت ان الضحكات قد تساقطت من شقوق جيبي على الأرض "الحرام" المليئة والتي كانت تفصل بيننا وبين العرب.

انتصرنا في نهاية المطاف وأخذنا الأرض ولكني حين انتبهت وجدتني في منتصف طريق إذا أكملتُه أكملتُه بلا ضحك وان عدت لألملم ما تساقط مني من ضحك خسرت حياتي وها انا الآن أمامك كما ترى لا أملك ضحكاً ولا حتى بقية ابتسامة، كما لم يبق عندي ما يغريني في الحياة.

ثم أردف -والكلام ما يزال لأبيه- : لست ادري اينا اكثر حظاً؛ مَنْ فقد حياته هناك وبقيتْ ضحكاتُه بجيبه، ام من عاد بالأرض بلا ضحك ولا حياة...

ثم مات بعدها بثلاثة أيام وقد رأيت جدتي بعد موته شديدة الاستعجال على الرحيل، ما ان مات ابي حتى لملمت اشيائي وباعت كل شيء هناك الا قلادة لأمي التي رحلت بعد ولادتي بساعات تلبسها الآن إبنتي البكر.

كان يتأسف كثيرا على أبيه الذي مات شاباً، ويقدّس جدته التي جاءت به الى الولايات المتحدة الأمريكية تاركة وراءها أرضها وذكرياتها هاربة ببقية ابنها الوحيد.

غير أنه كان شاباً مرحاً ما يكاد يدخلني في أجواء الحزن حتى يعود ليستلني منها استلالاً ويعيد الابتسامة لي وللفضاء الذي يجيط بنا.
كان يصف نساء فلوريدا فيقول: أطباع نساء المدن كاجوائها فحين تذهب غرباً الى كاليفورنيا تجد نساءهم اكثر هدوءاً واستقراراً لان جو كاليفورنيا هادئ ومتوقع، أما هنا في فلويدا أرضِ الأمطار الآنية والأعاصير المفاجئة فالنساء أكثر تقلباً من طقسها فتراهن بين أقصى الوداعة وأقصى الشراسة، النساء في فلوريدا كجغرافية فلوريدا وهي تشكل جيباً ناتئاً تخترق به اليابسةُ عرضَ المحيط.

لم يكد يُكمل حديثه ذاك ونحن في المطعم حتى أحضرت الشايَ لنا نادلةٌ بيضاء ثلاثينية ممتلئة عظيمة الصدر والأرداف قد اثخنت وجهها بالمكياج وأحمر الشفاه واطلقت شعرها الأشقر ملفلفاً بنهايات مدببة كمثقب النجار.

وضعت أمامنا أكواب الشاي وحين استدارت بجثتها العظيمة قالها لها إللاي: اين السُكّر؟

فالتفتت الينا بجسمها المكتنز بالشحم واللحم وانحنت نحونا قليلاً وهزت أمامنا بعنف صدراً مرتجّاً نصفَ عارٍ ثم قالت وهي تشير الى صدرها: السكّر هنا يا حبيبي....

ثم أطلقت ضحكةً مدويةً جعلت الجميع حولنا يصوبون الينا فضول نظراتهم ثم تركتنا وذهبت ونحن لا نلوي على شيء وشاينا بدون سكّر.

التفت الي إللاي وقال: هل رأيت فيها سُكّراً؟ أنا شخصياً لم ار الا كثيراً من الدهن.

ضحكنا على المشهد المسرحي الذي أدّته تلك النادلة الثقيلة الوزن الخفيفة الظل، ولكني لم أترك الحال يذهب سُداً فاستثمرته وأقنعته بشرب الشاي بلا سكّر احتجاجاً على تصرف النادلة، وعلّمته يومها ان لا يضيف السكر للشاي والقهوة لأنه يقتل طعومَها المذابة في حرارة الماء المغلي قلت له: بعض المرارة أطيب والذ يا صديقي من السكّر، مرارة الشاي والقهوة لها سحر عجيب فهي لا تحافظ على النكهة الاصيلة فيهما فقط، ولكنها تبعث فينا روح المغامرة والسفر في الطعوم واستكشاف النكهات فهي تزيد من رهافة حاسة التذوق عندنا لتساعدنا في استكشاف حلاوة الاشياء من حولنا، حلاوة الشاي ليس فيه يا صديقي بل فيما يحيطه من أشياء وشواخص فلا تجعل حلاوتَه تطغى فتقتل حلاوةَ ما يحيط بك من اشياء جميلة.

كنت اتكلم معه وهو ينظر الي بعين التوجس والريبة أول الأمر لعله كان يظنني أتهكم عليه أو أمارس عليه فن الإقناع تماماً كما يفعل الخياط ابوكمال مع زبائنه.

حينها قلت له: لا تنسَ اننا نحتاج الى الإقناع في اللامنطق من الأشياء فقط كأن اقنعك بدفء الطقس وانت تكاد تتجمد برداً أو أشعرك بالشبع وامعاؤك تتقطع جوعاً، أما في المنطق فالأشياء تقنعنا بحالها دون اي جهد منا بالإقناع كمرارة الشاي الذي يقنعما بحلاوة ما يحيط بنا.

سكتَ ثم بدأ يرتشف شايَه بلا سُكّر رشفةً بعد رشفة، كنت أنظر الى وجهه المصطك من مرارة الشاي وهو يحاول ان يقنع نفسه ويقول: انا أشربه بلا سكر لسببين: لأني أثق بك ولأن الأمر يستحق التجربة.

لقد آمن إللاي بما قلت وترك السكر وحاول ان يطبق قاعدتي في شرب الشاي، من يدري لعله حاول ان يمنحني قدراً من الإحترام ليشرب الشاي أمامي بلا سكر ثم يثخنه بمعالق السكر وهو بعيد عني، أو لعله نجح في الوصول إلى نتيجة تستحق التجربة كما قال، فبعض مرارات الحياة كفيلة بأن تجعل بعضها الآخر حلواً وان كانت بالنسبة لغيرنا طبيعية خالية من الحلاوة، فالجمال والسعادة والانشراح أمور متغيرة في الحياة نسبية بين البشر لعل التفاؤل هو زر تشغيلها واطفائها.

قبل يومين اتاني اتصال من رقم غريب وأنا لا اجيب على الأرقام الغريبة ولكن الإتصال تكرر حتى استفزني ففتحت التلفون لأسمع صوتاً يقول لي بعربية متكسرة: هلو هبيبي هسان، كيف هالك؟ أنا إللاي من ميامي...

وليخبرني أنه أصبح مديراً لواحدة من أكبر شركات الحاسوب التي اعرفها وأنه قادم الى لندن قريباً ليثبت لي أنه ما يزال يشرب الشاي بلا سكّر.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي