loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

اسمي أحمر

breakLine

 

 


وفاء وسوف /كاتبة و مترجمة سورية

 

(بالإذن من أورهان باموق)
"يالله تنام ريما... يالله يجيها النوم..." 
لم تنمْ ريما، بل كانتْ مسحورةً باللون الأحمر الدافئ الذي أخذ يزحفُ كلصٍ متردد في اختيار وجهته، ذاك اللّون الطاغي الذي قصدَ منامتها البيضاء التي تحملُ زهورًا زرقاء بلون عينيها، العينين اللتين لم تُفرحا الأب الذي أرادها صبيًا يشبهه سُمرةً وربما قسوةً كان يحملها، لكنهما أفرحتا الأمّ التي لطالما تمنتها بنتًا مذ كانت تنمو هانئةً في رحمها. 
غمستْ ريما يدها البيضاء الصغيرة في قلب السائل الأحمر، الذي انسل من تحت جسد والدتها مشكلًا دمعةً كبيرة، تشهد على سرٍ تم دفنه في الليلة ذاتها، وأضاء في الليلة ذاتها أيضًا قنديل الوجع والقهر في قلب ريما.  كان جسد والدتها الدافئ مرتاحًا آمنًا بقرب قدميها الصغيرتين، تفوح منه رائحة صابون الغار المفضل لديها، وجديلتها الطويلة السوداء التي لا زالت تحملُ آثار بلل، مرمية بإهمالٍ قربها. أمسكتْ الطفلةُ طرف الجديلة وأخذتْ تبللها بالسائل الأحمر، كفنانٍ يمسكُ فرشاةً ويبدأ برسم لوحته اليتيمة. أكانت ترسمُ ملامح من ذبح فراخ الحمامة التي وعدتها بها أمّها في أغنية المهد اليومية "يالله تنام ريما... يالله يجيها النوم..." 
في تلك الليلة المظلمة ارتفعت الأصواتُ والصرخات، وتدافعتْ الأجساد في تناحر يشبه رقصة طيور العنقاء، امتدتْ يدٌ ضخمةٌ لتسحب الطفلة بخشونة، وترميها في غرفة أخرى، أو في عالمٍ آخر. همدتْ الأصوات، وأصبحتْ الأجساد كظلال أشباح تتنقل في العتمة، ترتب الغد الذي لن يشبه أمسه لا في حلم ولا في يقظة.  
في صباح اليوم التالي انتشر خبر وفاة الأمّ الصّادم، مع إضافةٍ صغيرة، سقطتْ الأمّ من على الدّرج، وارتطم رأسها بحافة درجة حجرية، وفارقت الحياة...بذاك السيناريو المشروخ سجيّ جثمان الأم بمهابة شرف مهدور ومغدور. كانوا يركضون بها إلى مثواها الأخير وكأن فيلقًا من الذئاب يطاردهم، أهالوا التراب بسرعة وتوتر، كأنهم يخشون أن تُطل القتيلةُ وتشير بسبابتها إلى الجاني، أو الجناة، انتهوا لاهثين وأسدلوا الستارة على المشهد الأخير.  
نظراتٌ كثيرة تساندُ البطل، الذي كان يشبه مسخًا منتفخ الصّدر، وهو يجلس على أريكةٍ في غرفة رمادية الجدران لا لون فيها إلا لون المنامة البيضاء لطفلته، التي لم يطل الوقت حتى أشار إليها: "خذوها من هنا، لا أريد رؤيتها بعد اليوم." امتثلتْ الأم الكبيرة لطلبه مسرورةً بنجاح فتنتها وتخلصها من الكنة التي تستحم يوميًا بصابون الغار. تخلصتْ من زرقاء العينين، المغوية. 
يا لله تنام ريما... يا لله يجيها النوم...
جافاها النّوم وهجرها، منذ أن تحطمتْ حروف أغنيتها الأثيرة. لم يعلق في ذاكرتها إلا أحاديث مبتورة تذّل الأم وتعظم البطل، الذي لم تعد تذكر منه إلا ندوبًا كثيرة تعلو وجهه فتزيده قبحًا وتزيدها خوفًا. تلاشى الأب من حياتها، أخذ فراخ الحمام البيضاء معه، ووأدها، ودفن أغنيتها: "يا لله تنام ريما... يا لله يجيها النوم..." 
-أتشتاقين والدك يا ريما؟؟ 
- لا، لا بل أشتاق أمي التي لا أتذكر. أيعقل أن لا صورة لأمي بأي مكان؟! كنتُ سأرضى بصورة البطاقة الشخصية، لكنهم دفنوا معها كل أثر وذكرى. أرسمها كل يوم، لكني أُفضل أن أرخي الجديلة وأحررها من قيدها، لأصنع منها دثارًا ناعمًا يشعرني بالحياة. 
- لكنهم يقولون أنك تحملين صورتها في صورتك. تحملين لون عينيها، وجديلتها الطويلة الناعمة. ولا بد وأنك تحملين طيبتها ونقاء سريرتها. 
- هل تواسيني بهذا الكلام، حلقتْ أمي إلى السّماء، وتبخر أبي تاركًا أثرًا يشوش صورة كل الذكريات. غشاوةً تشبه غشاوةً على كأس العرق الذي كان يتجرعه يوميًا بعربدة المنتصرين. 
- ريما! اتركي تلك الصور وتلك الذكريات، بناءُ حلم هو ما تحتاجين إليه ثم السير صوبه. 
ضحكتْ ريما بسخرية مرة، وقالت لصديقتها: "بماذا سأبني حلم؟ بعصا الراعي التي أحملها كل يوم لأقود بها قطيعي المرعوب أكثر مني؟ أم بتلك الاختلاجات العنيفة المذلة التي تصيبني مع نوبات الصرع؟ أنا لعنةٌ بحجم الغفلة التي أغرتْ الجميع بالصمت!"  
- بل بالألوان، بالخيال، بأي شيء، لكن أطلقي العنان ولا تبقي أسيرة السّواد، لا تبقي سادرةً في عماهم وعمامتهم.
كم كانت تتوق للحديث، للكلمات التي لا تفهم معظمها، كانت تنبشُ كل يوم في ذاكرتها عن الكلمات وتعلقها على أغصان الشّجر، تودّ نصب شِبَاكٍ على قمم الجبال لتصطاد فيها لونًا تحبّه. منتهى أمانيها كان رؤية زملاء مقاعد الدراسة الذين أمضت معهم سنوات قليلة، قبل أن تقتلعها يد الأم الكبيرة وترمي بها في البراري مع قطيع من الخراف، وتصفدها بأغلال كد وعنت.  
- أحبُّ الألوان. أحبُّ أن أرسم على وجهي بها.
- سأجلب لكِ بعضها. 
وفعلًا جلبْت لها صديقتها مجموعةً من الألوان مصفوفةً ببهاء في مربعات صغيرة، بجانبها فرشاةٌ صغيرة، تتوسد علبةً سوداء أنيقة، كانت ألوان مساحيق التجميل تنتظر دهشة من ينظر إليها من الصبايا. فتحت ريما العلبة بارتباك من يفتح كنزًا. قربتها من عينيها ومن أنفها وأخذتْ تشمُّ رائحتها العطرة. 
- ياه! رائحتها تشبه رائحة الجنة. 
- وما أدراكِ ما رائحةُ الجنة؟ 
- لا أعلم، لكنها أطيب رائحة شممتها. 
- ما رأيكِ أن نمزج الألوان ونظلل عينيكِ الجميلتين؟! 
- لا، لا أريد، أريد أن أشمها، وأنظر إليها. ستكون تميمتي التي لم أحظى بها يومًا، ورفيقة أحلامي من اليوم. 
- امضي إذن بجسارة إلى حيث يقودك العطر السماوي، إن كان ذلك سيهبك النجوم. 
- سأمضي، لأن القاع يضمُّ المصادفات الغامضة، وقوانين السقوط، وأنا أريد جناحين لأطير في أجواز الفضاء، فهناك لا آثار أقدام لصنوف البلايا والشقاء.  
قالت ريما ذلك وخبأت كنزها الثمين في ملابسها. كم من الأحلام تراءتْ لريما؟! وكم من الأمنيات رسمت بتلك الألوان التي أضفت غيومًا تبرد أيامها القاحلة؟! في أحد الأيام اقتربت صديقتها من حشد من الناس المتحلقين حول مشهد لا يتكرر إلا مع ريما. كانت ريما تختلج بجسدها على الأرض، وبياض عينيها يظهر بجلاء مرعب، ولسانها يخرج كهاربٍ يريد قول الحقيقة. 
انتهتْ النوبة، لملمتْ ريما نفسها، التقطتْ عصاها وتفادتْ كل النظرات المتعاطفة معها، والخائفة منها. تقدمتْ منها صديقتها حاولتْ مساندتها، أو مواساتها، تلك الأخرى اختلطتْ عليها الأمور بين رعب وتعاطف. 
قالت صديقتها: 
- ريما أتمنى أن تهربي!! 
- أهرب؟! إلى أين يا فالحة؟! 
- إلى أي مكان، خارج هذا الجحيم، والظلم. 
- سأهرب قريبًا جدًا. وسآخذ معي علبة الظلال الجميلة لأنّها تحملُ عطر الجنة! 
هل ستهرب ريما؟ هل ستتجرأ على تلك الخطوة؟ أسئلة كانت تنغص على صديقتها، وهذا ما كانت تتمناه لها. مرتْ أيام الشتاء الكئيبة الباردة، وأقبل الربيع، صادفتْ ريما صديقتها ذات يوم، اندفعتْ صوبها وعيناها تبرقان بوميض مختلف لم تره صديقتها من قبل فيهما. سارعتْ ريما لبدء الحديث، كانت الكلمات تخرج بانفعال مرتبك، يخفي ألمًا، وخوفًا عمره سنوات وسنوات: 
- أظن أنني سأهرب قريبًا! 
- إلى أين؟ لا، لن سألك هذه المرة! 
-  بل اسأليني! سأذهب للنوم، لكن لن أذهب قبل أن أبصق في وجه هذه الحياة، سأبصق في وجه الأمّ الكبيرة، ذات الوجه القبيح الظالم، سأبصق في وجه من كان أبي، ذاك الذي خصى نفسه بعد ولادتي، وأطلق شاربيه لتسندا الطربوش الأحمر المهيمن. 
- انتبهي، ربما سيمنعونكِ، هذا إن لم يلحقوا الأذيّة بك. 
- لا عليكِ، لن يتمكنوا من ذلك أبدًا. لقد تمكنوا في السابق، لكنهم لن ينالوا مني بعد اليوم. لقد مال ذاك السنا الباهي صوب الروح في ظلمها، سأذهبُ إليه حيث ضياء الحق الوهاج. 
أمسكتْ ريما بيد صديقتها، كانت ممتنةً لوجود شخص في هذه الدنيا سمع صوتها يومًا، واستمع لها. ما أفزع صديقتها تلك النظرة الجليدية التي غادرتها بها، لم تكن عينيها قلقتين ونظراتها متقافزة كالعادة، بل كانت مستكينة تحمل برودةً وتصميمًا غريبًا. كانت قد ضفرتْ شعرها بجديلة طويلة وربطتْ طرفها بمنديل أحمر. 
قالت لها صديقتها: 
- أراكِ تحبين الأحمر! 
- نعم، من اليوم صرتُ أحبّه، إنه لون أمي، وهذا منديل أمي، أو هذا كل ما بقي منها. 
- الجميع يقول أنكِ تشبهين أمكِ، جميلة وطيبة. 
- أحمد الله على ذلك، وإلا لكنت بساق خشبية كقرصان خارج من حكاية مرعبة، بيده سكين يقطرُ الأحمرُ منها فيما لو كنتُ أشبه والدي. 
ضحكتا معًا من وتودعتا على أمل لقاء أخير قبل الرحيل الذي نوت عليه ريما. أكملتْ ريما طريقها، وفي كل خطوة كانت تنظر للخلف ثم تجفل وتنظر إلى الأمام. لم تأسف على ما كانت عليه أيامها. 
وصلتْ ريما إلى أجمةٍ كثيفة الأشجار، من تلك الأجمة التي كانت تخفيها عن أعين الأم الكبيرة، كانت ترنو صوب ضريح والدتها المتهدم. فكت المنديل الأحمر الذي كانت تعقد بها شعرها الطويل، تسلقت إحدى الأشجار وربطت المنديل على شكل أنشوطة. فردت ضفيرتها وتناثر شعرها الطويل كشلال يزيد الظل ظلًا. أخرجت علبة الظلال وأخذت تحك المسحوق الملوّن ليتطاير ويتناثر على وريقات غضة، تنشقتْ رائحة الجنة، بعمق بعمق، بألم وبصوتٍ متهدج أطلقت حنجرتها بالغناء: 
يا لله تنام ريما... يا لله يجيها النوم...
وحلقتْ ريما، تأرجحتْ كنسمةٍ برية داعبتْ أطراف العشب الطويل المتسامق، تأرجحتْ كما كانت والدتها تؤرجح مهدها وتغني لها: 
يا لله تنام ريما... يا لله يجيها النوم... 
وقد جاء النّوم أخضر مزنرًا بالأحمر، يخفي عن ريما الألوان ولكنه لا يخفي الحقيقة.