loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

الأب في المقبرة

breakLine

 

الأب في المقبرة

فراس جمعة / شاعر وكاتب عراقي

 

سرقت نظراته الواهنة تلك السّاعة القائمة أمام المكتبة، حيث انحلال الوقت الذي يترقبه بثقل، ليبزغ شعاعاً من ساعة الجدار ذاتها، ينذر باندثار الوقت، الذي اجتاح ما يكفي من تغيرات في المكان و الزمان على حدٍ سواء، فتغيرت الغرفة، البيت، الشارع، الأشخاص، وحتى العائلة، كما تتغير مادة في تحليل كيميائي. انفصل تماما عن ذلك كله، ليلمح غرفة واحدة تتسلسل بالرّقم واحد، في ما اذا نظرنا إلى البيت طولاً، أتّضح أمامه طفلٌ في العام الرّابع من عمره، اتّخذ من ركن سرير، مساحة لنتف ثلثي ريش حمامة رمادية ، ثم يطلقها للسقف، لكنها سرعان ما تسقط خائرة القوى، لم تجد ما يسعف جسدها للصعود في الهواء المحصور داخل الغرفة. كان والده يجيئه بحمامة عند كل ظهيرة. ثمة بناية مسقّفة تابعة لمصلحة الموانىء العامة، تعشش في اطرافها القائمة بعض الفواخت وحمام السقائف. في ظهيرة ما، كانت خالية من احداهن، كما فراغها من الأب أيضا. ولثلاثة أشهر وفي ساعات الصّباح الأولى، لمرة واحدة من كل اسبوع، تحديدا يوم الثلاثاء، تستعد الأم بصحبة الابن لزيارة زوجها الذي حبس في السجن. أثناء الفترة تلك، كان الطفل يطالب والدته بحمامة عند كل ظهيرة، شريطة حضور أبيه، آملا أن يجردها من الوسيلة التي من شأنها رفعها كلما ارادت ذلك، بما ينسجم مع المجريات المنطقية للطبيعة. كانت تراودة افكاراً في تبادل الادوار، أو ان يتعادل القدر، فيما بينه وبين المخلوقات المحلقة. تلك طبيعتة المتمخضة داخل الانسان الكثير النواقص والتي لا تطفوا على السطح دائما. وفي أولى الظهائر، بعد انقضاء فترة السجن رغم الالتباس والشبهة في التهمة المنسوبة إلى الأب، عاد مكوراً اصابعة على جسد حمامة، برفق شديد، وناولها الابن، فنتف ريشها كالعادة، على ذات السّرير، واطلقها للهواء، فهوت الى الارض كما المحاولات الاولى التي سبقت. انها لحظة انسلخت من الشكل الحقيقي للطبيعة، بسبب البحث عن جوهر حقيقي، يخيّل الى الطفل انه سيحيى كما شاء، أو انه يبحث عن اشباع الرغبات التي تنثر بذورها من جديد كلما اصبحت اولها متاحة، وتحت متناول النفس البشرية. تفاقمت غريزة الطفل شيئاً فشيئا طالباً من ابيه مشاهدة الاعشاش في مكان العمل، بعد ان عزم على موازنة المعادلة داخل قرارة نفسه. رفض الاب ذلك، لكن بكاء الطفل والحاحه ساهم في تدخل الام، فنادت ابنها لتغير ثيابه وتجهزه، بعد ان جهز الطفل، خرج لفناء المنزل، ولم يحفل بانتظار ابيه الذي بارح المكان، فتراجع الطفل، وقد ازداد نشيجه حتى عاد الاب ظهراً من ذلك اليوم، فارغاً هذه المرة من اية حمامة. ربت على كتف ولده يهدهده وقال، اننا نسلب حريتها يا بني، انما اجيئك بها لتمازحها وتلاعبها وتطلق سراحها لا ان تعذبها، كما تفعل دائما. كان الاب يعرف جيداً وخاصة بعدما سُجن، ان الحرية امر نسبي الى حد ما، الكثير من الاحيان يسجن الانسان بلا أدنى سبب أو مدعاة لتلك العقوبة، أو ان يسجن المرء داخل نفسه، شاعراً بالرتابة والملل والتكرار، خاصة عندما تصبح الحياة كما تعمل الآلة الميكانيكية. يالقذارة القدر، عندما تتلاشى الاشياء ونبدأ نتلاشى نحن كما الاشياء بالضبط. وبعد سبعة وعشرين عاما قتل الأب مشتبها به، الِّا ان صاحب الثلاثة والاربعين خريفاً، جاء بحمامة، مترقرق الوجه قبالة عينيها الخائفتين، فاطلق سراحها وأشاح بنظره نحو سماء المقبرة.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي