loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

البدعيون

breakLine

 

البدعيون

خضير فليح الزيدي / كاتب عراقي

 

ولد قدحة هذا في عام 1956 في قرية صغيرة على نهر دجلة. ولد في عام قحط ووباء يدعى بـ"عام الذيب"، لكثرة من مات من شبابها في ذلك العام المعروف بوباء "أبو ذريق" وكأن الذئب فتك بهم. ذلك الذئب المتخيل والذي أفترس معظم فتيانها وأطفالها من الذكور والإناث على حد سواء.
فتحت السلطة خندقا طويلا يحيط بكامل القرية، لدفن الجثث التي ينتشلها المتطوعون من البيوت أو الطرقات الترابية أو أماكن العزل الوبائي البدائية، فكانت تجمع بعربات تجرها الخيل وتودع في جوف الخندق. هذا الخندق الذي تحول إلى مدفن رهيب للأطفال حديثي الولادة، كل يوم ومن دون تغسيل أو تكفين بعدما تراكمت الجثث وأزكمت الأنوف بروائح الموت الزؤام. حدثت كارثة الوباء والناس مشغولة بترهات للتخلص من الوباء بالأدعية والسحر والكي على الجبين. حتى كادت الطفولة أن تنقرض وتتحول القرية إلى شريحة من الكهول والعجائز فقط.
في قرية ريفية تدعى " أم الوساوس" ليست بعيدة عن ضفاف نهر دجلة، وهي من القرى التابعة إلى ناحية اليوسفية جنوب بغداد بـ(25) كيلومتر. كانت تخضع إداريا إلى محافظة بابل فيما سبق وحاليا إلى العاصمة بغداد.
تمر موجات الوباء وينجو منه من أبعدته عائلته في الأقبية أو الغطس في أكواز الماء طيلة ساعات النهار، أو نجا من هرب من القرية مع أطفاله، أو من عاش تلك الفترة غاطسا في النهر. نجا قدحة الوليد في قبو مظلم تحت الأرض لمدة شهرين حتى يوم انحسار الوباء.
تنحدر عائلة قدحة الريفية الفقيرة هذه عبر ثمانية أجيال ولدوا في هذه القرية بالضبط، وهي ليست موجودة على الخريطة في الوقت الحاضر. يقال إن اللعنة حلت عليها منذ ذلك الزمن ولم ينج منها سوى قدحة وإخوانه بعد وفاة معظم أفراد العائلة.

يذكر كتاب تاريخ القرى العراقية بأن كل أهل قرية "أم الوساوس" من الملاحدة المشككين بالخالق بطريقة فطرية وليس تنظيرية، وهم لا يعلمون أنهم كذلك. تلك مفارقة كبرى بتاريخ القرى. لذلك يقول الملالي عن هذه القرية بأنها شبيهة بقوم لوط وصالحها هو قدحة.
تراهم يقيمون الصلاة ويؤدون الفرائض، لكنهم في أثناء سهرات الليل يتحدثون عن الوساوس التي تنخر في أدمعتهم، لذلك أبطلت الشكوك كل صلاتهم وقوّضت صيامهم وزكاتهم وحجّهم وبرهم وهم غير مباليين ولا خائفين من الخالق سادرين في غيهم، بكل بدعهم وبهلوانياتهم، ففي كل يوم بدعة وابتكار وخزعبلات. اكتشفوا الحياة بطريقة غريبة. ففي يوم ما جاء كبير البدعيين بعدستين محدبتين ووضع بمسافة معلومة أسطوانة سوداء وتجمع أهل القرية ليشاهدوا الكون المفتوح فوق تلة عالية. اكتشفوا ثمة تلال متحركة تحيط بقريتهم وتزحف لالتهامهم. هذه التلال غير موجودة أصلا في الأفق. من هذا آمنوا وفق طريقتهم بزوال الحياة قريبا عندما تطمرهم تلك التلال الزاحفة.
يقال والعهدة على مدون هذا الملف إنهم يشكّون حتى في أضافرهم كونها تنتمي لأصابع غيرهم. يقضمونها بأسنانهم خوفا من أن تطال وتلتف على رقابهم وتقتلهم في أثناء الليل. كل أبناء قرية "أم الوساوس" والناجين من وباء "أبو ذريق" ينخر بأدمغتهم "الوسواس الخناس"، ذلك الذي يوسوس في أدمغتهم أكثر من طرقاتها الترابية وبيوت الطين التي بنوها بطريقة منعرجة وفق مسارات النهر. فهم يشكّون بكل شيء، الذي يرونه أو لا يرونه. لذلك لم تفلح كل الزيجات التي قامت في القرية إلا ما ندر. هذا الشك المرعب جعلهم يتطلعون لاختراعات وبدع عظيمة حتى تحولوا إلى مادة لتندر القرى المجاورة لقريتهم. ففي أحد الأيام تجمهر الناس في ساحة ترابية ليشاهدوا آخر مخترعاتهم وكانت طائرة صنعت من سعف النخيل المسفوف تعمل بمحرك صغير. كانت مخصصة لحمل عشرة أفراد للتسوق من العاصمة بغداد كل يوم جمعة. لكن الطائرة حلقت في الساعة العاشرة ذات جمعة صباحا ولم تعد ليومنا هذا. لكنهم برروا الأمر بأنها ذهبت في مهمة فضائية إلى المريخ وطاب لأفرادها العشرة العيش هناك عندما قبلهم كلاجئين ملك حبشة المريخ، ومن المريخ بعثوا السلام لأولاد أم الوساوس كلهم من دون أن يعملوا على لم الشمل.
الشك الذي تضخم حتى وصل إلى درجة مرَضية عجيبة. حتى الإباء فهم من الممكن أن يكونوا ليس هم الإباء ذاتهم والمسجلين في هوياتهم الشخصية، كذلك يشكّون بالأمهات كونهن أمهاتهم التي أنجبتهم. لذلك تشققت جدران الأسيجة وغرف الطين لقوة فعل الشك وانعدام اليقين في رؤوسهم المتحجرة.

الشكّاكون الأجداد يورثون صفة الشك بأمانة للآباء كإرث يعتزون به ويحافظون عليه، ومن ثم ينتقل الشك إلى الأبناء. الأولاد يشكون بالقمر كونه غلام مريض حسن الوجه يحاول التجسس عليهم في غرف نومهم. يحاول الزوج التستر عنه في أثناء النوم، وإذا لم يفلح يصوب بندقيته على القمر في ليلة الزفاف ليصيبه. وعندما يتحول القمر إلى اللون الأحمر يؤمنون بدقة التصويب وجرح القمر المسكين فتزغرد نساء أم الوساوس لدقة الإصابة وإثبات الرجولة. اخترعوا أيضا المركبة البرمائية عبارة عن زورق من جذع النخيل وتحتها زلاقات لتنزلق فوق سطح الماء وتمشي في الطرقات الترابية ومن دون عجلات قط تجرها الكلاب المدربة، لكن لا أحد شاهدها بعينه سوى الأقاويل والحكايات التي تناقلها الأبناء عن الإباء، فيما الآباء نقلوها عن الأجداد. مثلما لا توجد متاحف أثرية لمخترعاتهم فانقرضت أو احترقت.
حتى الشمس كانوا يعتبرونها حورية مغتصبة قامت بحرق نفسها بعد اغتصابها، فرفعت إلى السماء لتنقذ من مخالب المغتصبين، فأصيبت بالحمى المرتفعة وبقيت على حالها هذا حتى تحين الساعة.
لكن هذه القرية لم تدم طويلا. انفجرت يوما عندما نخر الوسواس بعقولهم وحدثت معارك دامية فيما بينهم، إذ فعلت الشكوك التي تعاظمت فعلتها في أنفسهم إلى الحد الذي شكوا بوجود الخالق في السماء السابعة: " قالوا أن الله سبحانه وتعالى يعيش بيننا". هذا الاعتقاد المشوش هو من جعل قرى الشط تعلن مقاطعتها لأبناء أم الوساوس لكفرهم البائن. لا يشترون منهم القمح ولا يبيعونهم اللبن ولا يزوجونهم بناتهم ولا يتزوجون منهم قط.
حتى تفرق من بقي منهم. عمّ الحزن في عام "الذيب" على القرية، لكنهم لم يستكينوا للحزن، بل ابتعدوا عن هذا المكان المسحور والمنخور بالوساوس والشكوك العظمى. شيئا فشيئا انسجموا من جديد بعد تغيير مكان سكناهم، ثم ذابوا في قرى مجاورة جماعات جماعات. عندما أعلنوا اندثار أم الوساوس تحت الرماد بعد ليلة الحريق العظيم، هكذا غسلوا عارهم الأبدي منسجمين من جديد مع مجتمعات النهر الأخرى.
لقد جاء أيضا في "كتاب تاريخ القرى" أن المتعلمين من أبناء أم الوساوس أشاعوا خبر اصطدام كويكب ضخم في عام 1972، لكن يد رحيمة لرجل كبير من أم الوساوس هو من أزاح الكويكب وأنقذ كوكب الأرض في اللحظة الأخيرة. إذ نفخ دخان سيجارته إلى السماء وأبعد صخرة الكويكب العملاقة. يقال أيضا أن عاقبتهم الحكومة على إثر هذا التصريح الخطير بإزالة القرية أو حرقها. لم يتنازلوا عن معتقدهم، لذلك - كما يعتقد - تمّ حرق القرية بفعل فاعل. كان لمنظر الأدخنة المتصاعدة من القرية في يوم الحريق منظرا يشيب له رؤوس من شاهد حميرهم نصف المحترقة ودواجنهم من غير ريش وبقايا أفرشتهم المحترقة يتطاير منها القطن الأسود. كل هذا والتاريخ يشكك بحريق القرية المشبوهة التي أنجبت الطفل قدحة.
كما قيل إنهم انتقلوا إلى قرى بديلة ناسها أسوياء لا يؤمنون بما آمنوا به أهالي "أم الوساوس" الملعونة والتي احترقت وانمحت من الخريطة بشكل نهائي. تكاثروا من جديد كل رجل تزوج واحدة أو اثنتين أو ثلاث فأزاحوا أهل القرية الأصلاء عن الوجود. هكذا عادوا من جديد كالوباء بموجة جديدة.
قام رجل أمن مكلف من الحكومة آنذاك لحرق القرية بعد تعاظم أمرها. مرّ وبيده مشعل النار ودسّه بكل بيت طيني شاخصا بها، بينما كان أهل الوساوس يغطون في نومهم ونسائم الفجر ترفع دشاديشهم ويعب الهواء الحر والبارد في أعضائهم. حتى تحولت القرية إلى عصف محروق وهم لا يعلمون حتى مسّتهم نار القصب وجريد النخل المتدلي على بيوتهم. ثم خرج منها بعد أن حرقها وولى هاربا. بينما دخان الحرائق وصل إلى السماء السابعة وتفتت إشاعاتهم وهلوساتهم في الأصقاع.
قيل أيضا إنها محض رواية مؤلفة من معارضي السلطة آنذاك. لم تعد أم الوساوس كما كانت مادة للتندر، بل أصبحت قرية عادية بعدما دخلها المرشدون الدينيون ومارسوا الوعظ والإرشاد عن تاركي الصلاة والمتلبسين بالخبائث وأهل البدع. كان الأبناء يحاولون التطهر من ذنوب اقترفها الأجداد وكان عليهم البكاء الحاد على مصائرهم.
((بعد قراءة هذا الصفحات من الملف، تحركت قوة من أفراد الخلية للتحري الدقيق عن قرية "أم الوساوس" للحصول عن مكان محتمل لوجود المدعو قدحة فيه، لكن الخيبة عمّت على أفراد الخلية عندما سألت كبارها ومشايخها عن القرية فضحكوا وقالوا:" إن القرية لا وجود لها على الأرض، بالرغم من سماعهم بها في كتب التاريخ. بل أن الأشخاص الذين تمّ استجوابهم عن قدحة أنكروا معرفتهم بقدحة)).

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي