loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

البرواز

breakLine

 

البرواز

رائد سلامة - كاتب مصري


إنتهت الصلاة مُبكراً، غادر بعدما قَبَل يد "أبونا" ثم حَيَا رفاقه مُتَعَجلاً علي غير عادته. فيما يُشبِهُ الهرولة أسرع في مَسيرِه بالحارة الضيقة التي تربط باب الكاتدرائية الجانبي بالشارع الرئيسي، كانت الحارة مُكتظة، إضطُرَ كثيرًا للوقوف ثم الإنعطاف فالإنحراف بين البشر لكنه لم يفقد وجهته. حين وَصَل إلي بداية الشارع وَقَف علي الرصيف، أشار لأحدى سيارات الأجرة فلم يُجبه سائقها، أشار لأخري فلم يكن حظه معها بأفضل من سابقتها، تحسس جيب سرواله فشكر الرب علي عدم إستجابة أي من سيارات الأجرة لطلبه إذ لم يكن بجيبه سوي بعض الجنيهات القليلة التي لا تكفي سداد "البُنديرة". أشار لأحد الميكروباصات الذي توقف فوراً لكن علي مسافة أمتارٍ قليلة منه، تسابق مع بعض الساعين للحاق بالميكروباص فدفعه أحدهم، تَعَثَر فسقط، إصطدمت به دراجة نارية كان قائدها يتمايل بها في نَزَق، شَعَرَ بألَمٍ في رأسِه و سَاقِه، مَذاقٌ لاذعٍ كالمِلح بفمه، رأى وجوهاً تحيط به لم يستطع تمييز أي منها، مُجردُ وجوهٍ يصرخ أصحابها، "أطلبوا الإسعاف..أطلبوا الإسعاف"، غَاب.
هناك في الغرفة الضيقة كان وحده علي سريرٍ مُمَدَداً في الظلام، دخانٌ أبيضٌ كثيفٌ إنتشر من حوله فأضاء العتمة و إن ظلت الرؤية غائمة، تَزَايد الدخان، ملأ الغرفة، طيفُ أمرأة نحيلة تحمل طفلاً يخترق الدخان ناحيتَه، الطيف يقترب، صار لصيقًا، إنقَشَعَ الدُخان فرأى، إنهما صاحبي الوجهين بالصورة التي يضعها في البرواز الخشبي علي الكومودينو إلي جوار السرير بغرفته بالمنزل ليكونا آخر ما يطالعه قبل أن يغمض عينيه فيصير نومه مُباركٌ، صالحاً كان. تَمسَحُ السيدة علي رأسه، تطلب منه القيام، يستَجِب، ينزع جبيرةَ سَاقِه بأظافره فتُنتَزع دون عَناء، تأخذ السيدة بيده فيسير معها "تَعَالوا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لأَنِّي جُعْتُ فَأَطْعَمْتُمُونِي، عَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي، كُنْتُ غَرِيبًا فَآوَيْتُمُونِي، عُرْيَانًا فَكَسَوْتُمُونِي، مَرِيضًا فَزُرْتُمُونِي، مَحْبُوسًا فَأَتَيْتُمْ إِلَيَّ.  فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ غَرِيبًا فَآوَيْنَاكَ، أَوْ عُرْيَانًا فَكَسَوْنَاكَ؟ وَمَتَى رَأَيْنَاكَ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا فَأَتَيْنَا إِلَيْكَ؟  فَيُجِيبُ الْمَلِكُ وَيَقوُل لَهُمْ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ. ثُمَّ يَقُولُ أَيْضًا لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ، لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي، عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي، كُنْتُ غَرِيبًا فَلَمْ تَأْوُونِي، عُرْيَانًا فَلَمْ تَكْسُونِي، مَرِيضًا وَمَحْبُوسًا فَلَمْ تَزُورُونِي.  حِينَئِذٍ يُجِيبُونَهُ هُمْ أَيْضًا قَائِلِينَ: يَا رَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟  فَيُجِيبُهُمْ قِائِلًا: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا.  فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ"....فَتَحَ عيناه، رأى أم النور و رضيعها في مكانهما بالبرواز.