loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

التعددي الديمقراطي

breakLine

 

التعددي الديمقراطي

ضاري الغضبان - قاص عراقي     
 


طلقتُ الكياسة واحترفتُ الفضول لأيام وأنا أخوض بموضوعه، كل المعلومات التي توافرت لديَّ  تشيرُ كون الرجل قد سُجن لشهور في أقبية الدكتاتورية الغاربة بتهمة انتمائه لحزب معارض آنذاك، وتحصيل حاصل لاِختلاف القوم فبعضهم  لصق به تهمة الشيوعية وأخر الدينية  لكنه الآن ينعم بالديمقراطية كما أكدتْ لي مُطلقته والناشطة بترويج الإشاعات، وأكد نفس رواية الجنون زميله المجنون الآخر والساكن في زقاق قريب، لكنه أضاف له  لقب التعددي الديمقراطي.
التعددي هذا لا يسكنَ بعيداً عني، ففي الانعطافة نحو اليمين بنهاية الزقاق، يتواجد دائماً هناك، يجلسُ القرفصاء وهو يستظل بنخلة وحيدة، أغلب الأحيان  ألمحه  وأنا أقود السيارة عابراً، مرات عديدة بادرته بالسلام، لكنه لا يرد، سالت عنه الجيران فحذروني بشدة من الاقتراب منه كونه مجنوناً .
و تكاملاً مع روايات الجنون قررت أن أقترب منه ماشياً، لمحته عن بعد جالساً بجلسته نفسها وبموقعه المعهود وهو يعد على أصابعه بحسابات ذاتية، تقربت بهدوء ثم نظرتُ له مباشرة وقلت :
ــ السلام عليكم ...
رمقني بطرف عينه ثم استمر بالعد دون أن يرد ، كررت السلام بعدة صيغ مختلفة من قبيل { مرحبا ، صباح الخير ، هلو , بونـژور  , هولا ...}  
لكن  دون نتيجة، تلافتُ فلم أرَ أحداً،  فجلستُ بجانبه بحذر ، تفحصني بريبة وتوقف عن العد  وبحلق بي متعجباً، وكادَ أن يقولَ شيئا،ً لكنه تراجع، فهمست له بلطف وطلبت أن نكون صديقين، تفحصني بعمق،  ثم نهض ودخل البيت، نهضت بدوري وكدتُ ابتعد بيأس ، لكنه خرج وبيده طبقة بيض فارغة !
تلافت لجميع الجهات؛ وكأنه  يتأكد من عدم وجود الفضوليين  وجلس بنفس موقعه، رجعت وجلست بجانبه وأمسكتُ بالطبقة الفارغة فسحبها من يدي بعصبية و تشبث فيها، قلتُ بود ولطف :
ــ ما مشكلة طبقة البيض ؟
فرد بسرعة وضجر وعصبية.
ــ كم شكل مختلف ممكن أن يكون عليه البيض بالطبقة بغض النظر عن عدد البيض؟
نهضت بسرعة وجلبت طبقة بيض جديدة بثلاثين بيضة، وبدأنا نجرّب، رفعَ أولاً بيضة من الجديدة ووضعها في ركن الفارغة وقال : هذا شكل، ثم غيّر مكانها ثلاثين مرة وكل مرة يؤكد بأنه شكل جديد !
وجرّب الأمر على بيضتين  وبثلاثين تجربة، ثم على ثلاث وأربع وخمس حتى حل الظلام وهو يجرّب على تسع عشرة بيضة بعدة أشكال وأنا أدون الأرقام في حاسبة الموبايل ، لكن مع التجربة بعشرين بيضة أصبحنا لا نرى ،فرمى البيض ! ونهض وأمرني بالحضور مع بيض جديد غير مكسر في وضح النهار ! ثم غاب في بيته ..
نظفتُ الرصيف من البيض المُكسر ورجعت لبيتي ، وطوال الليل وعلى ضوء الكهرباء أولاً ثم ضوء الشموع لاحقاً ـ حين إجازة الكهرباء ـ جربت أشكالاً متعددة  للبيض ولا أعلم متى نمت، لكني صحوت الصبح على صوت طرق الباب وأنا ممدد وسط البيض المكسّر، لأنهض مسرعاً مع تكرار الطرق ...
وأفتح الباب  على عجل لأجد المجنون يضحك، بينما الجيران الذي حذروني من التعامل معه سابقاً، يجلسون القرفصاء و يكونون  أشكالاً مختلفة من البيض ورائحة نتنة تملأ الزقاق .
نظرتُ بوجهه مستعلماً فوضّح وسط نوبة الضحك،  بأنها تشكيلة وزارية من ثلاثين حقيبة وأن سبب الرائحة النتنة  ناتج عن هؤلاء العقلاء ـ قال عبارة العقلاء بشماتة ماكرة ـ ثم أردف  أنهم  فضلوا بيضاً رخيصاً وفاسداً لهذه العملية التعددية ثم بكى وابتعد ....
لحقته وأنا أحمل رزمة أسئلة، لأجده يحاول حرق النخلة الوحيدة التي تزين مدخل داره، وهو يدلق عليها نفطاً وطنياً غير مكرّر بلون السخام بينما سعفها يتشبث باللون الأخضر دون فائدة.