loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

الثلج

breakLine

 

الثلج

محمد عكاشة / كاتب مصري

 

الثلج، هذا التكوين الناصع الشفاف، كان يأسرني بريقه، وكنت شغوفًا به، أتحسسه متأملًا ما يرصده من خيالات ووجوه وأشياء تدور بداخله، هذا المتجمد الذي يسيل عندما تلفحه حرارة الشمس كان ملاذي صيفًا وشتاءً، عرفته عندما كان يحمله عمي فتّح على كتفه، يدس اللوح في جوال الخيش ليضعه في صندوق صاج عميق ليبرد زجاجات الساقع، وأنا أقف معه متحججًا برغبتي في الشراء، كي أرى وجهي متحركًا في داخله، أراه يسيل وتسيل معه ملامحي فأرى عينيَّ تتحوران كعينيّ سمكة قرش وتتراقصان وتتلويان كعيني فأر مذعور، وتسيلان جارفتين معهما الأنف، وتتداخل الأذنان مع الحاجب، ويتناثر شعرى على شكل قطرات تنزف على زجاجات الساقع، وأنا أميل برأسي في عمق الصندوق كي أتحدى هذا السيلان الذي بعزق ملامحي، وعمي فتح يعلم تمامًا أنني شغوف بالثلج، ولكن عندما يفيض به الكيل- يشدني من ياقتي لاعنًا الثلج والتجمد والسيلان، وكل أطفال القرية رافعًا الجاكوش الخشبي لأعلى محطمًا ألواح الثلج، ليفتته إلى مكعبات صغيرة تتناثر لأعلى ولأسفل، فأجرى لألحقها قبل أن تسيل وتتلاشى، أجمعها في كف يدي وألقفها في فمي مستمتعًا بروح الثلج الباردة التي تطفئ حر الصيف، ولكي لا ينهرني عمي فتح كنت أنتظر وصول سيارة الثلج التي تقف على مدخل البلدة كي أساعده أمسك له "جادول" الدراجة وهو يرص الألواح على الكرسي الخلفي ويربطها بحبل متين، يركبها مسرعًا وأنا أجرى خلفه متعلقًا بها وهي تسيل راسمةً خطًا متعرجًا كخريطةٍ لنهر طويل تقابله تضاريس وجبال، ويتفرع إلى سهول ووديان، وتبتل ملابسي وتلتصق بجسدي فأقف أمام لوح الثلج كتمثال رمسيس في عظمته، ولأرى جسدي متجمدًا كزجاجة الساقع، فيرفعني عمي فتح على كتفه مهددًا بوضعي داخل الثلاجة، وأنا أرفس بقدمي الهواء، وهو كعادته يسحبني من يدي ويجلسني على صندوق ساقع مقلوب، ماسكًا عصًا قصيرة راسمًا عدة خطوط متشابكة على الأرض، قائلًا: الأرواح التي تعيش سائلة في باطن الأرض، وما النواة إلا نقطة جذب وتجمع، تشد إليها الروح التي تنتمي إليها لتجمدها على شكل ثمرة، أو شجرة تنمو بروح سائلة لتثمر، والثلج أيضًا هكذا له دورته، وأن الحياة لا بد أن يوجد فيها الثلج، مبرهنًا كلامه بأعالي المحيطات المتجمدة، ودورها في عملية توازن الأرض، وحين رآني مندهشًا من كلامه، خلع طاقيته فبانت صلعته براقة في وهج الشمس، وقال: أبوك فتح شعر رأسه سقط من كثرة القراءة، واستفاض بأن الثلج هو في الأصل روح سائلة تجمدت بفعل تفاعل غازات أو بانخفاض درجة حرارة الجو، وروحه خفيفة هشة ناصعة البياض، تتخلل الأشياء وتخترقها بخفة رغمًا عنك، قام نازعًا زجاجة من بين ألواح الثلج وقال: أنظر، الثلج اخترقها بث روحه في المادة السائلة وجمدها، إن روح الثلج حين تتخلل الأشياء، تبقيها حية ناضجة، متحدثًا عن حفظ الأجساد والثمار، ووعدني بأنه سيصحبني مرة إلى وابور الثلج كي أرى بعيني ما يحدث، كنت لا أعبأ بكيف يتكون هذا الثلج، ولكن ما كان يشغلني هو كيف يتسلل إليَّ؟ ويأسرني تجمده وذوبانه فألح على عمي فتح كل يوم كي يعطيني قطعة كبيرة، وهو لم يستجب لرغبتي تلك إلا بعدما أدهشته بنحت وجهه على قطعة ثلج صغيرة ووضعتها أمامه على بنك الدكان، حينها وقف فاتحًا فاه، متعجبًا من شيطنتي وبراعتي في نحت ملامحه بسكين صغير على قطعة الثلج بسرعة فائقة، وحين أحس أنها ستسيل وستتوه ملامحه، وضعها داخل الصندوق بين الألواح، وصفق بيديه وقال: سأعقد معك اتفاقًا، وأنت تنحت الوجوه التي سأشير لك عليها، وسأعطيك كل ما تريد- فقط تجلس بجوارى، هو يغمز لي بطرف عينه وأنا ألتقط ملامح من يقف أمامه، نحتُّ وجوه عليوة وعيد الأعرج وعبده الغشيم وهنداوي وحسن الأعور، وكلما أتممت تفاصيل وجه يضحك ضاربًا كفًا بكف، وكلما مر عليه أحد ليشترى أو ليسلم عليه، يرفع غطاء صندوق الثلج ليريه وجها من الوجوه المنحوتة، حتى انتشرت سيرتنا في أرجاء البلدة، فوكزه عيد بعصاه، وشتمه حسن وشق جلبابه عبده الغشيم وسط صراخ النساء، وقامت معارك وأقيمت جلسات وتعهد عمي فتح بتحطيم تلك الوجوه التي جرت عليه مشاكل الدنيا، ولمت عليه طوب الأرض، ولكنه أصر أن ترص على بنك الدكان ليشاهدها الناس وهي تسيل وتتلاشى، وكان كلما تاهت ملامح لوجه، من هذه الوجوه يبصق عليه قائلًا: غار في داهية، وفي أحد الأيام ركبت على كرسي الدراجة خلفه لأرى ألواح الثلج الكبيرة وهي تتجمد في الوابور، وقفت متفحصًا الآلة الضخمة التي تحول الماء إلى ثلج في وقت قصير، متأملًا حركة المارة والسيارات، متخيلًا بأن الحياة بلا شك ستتجمد يومًا ما، لتتأمل ما يحدث فيها، فبدلًا من أن يكمل الطائر طيرانه سيتجمد معلقًا في الهواء، وسيتجمد الناس ولم تتحرك أجسامهم إلا بعدما تطال أجسامهم حرارة ما، أو ريح ساخن تهب لتعيد تشكيل الحياة من جديد، يسيحون ويتجمدون، وظل عمي فتح يشرح لي- كخبير في عالم الثلج- كيف تملأ الخزانات بالماء، والعملية الكيميائية التي تساعد في خلق تكوينات الثلج، وتحدث عن المادة والنواة والذرات، وبين الحين والآخر يضرب أمثله مبرهنًا عليها بحمورية عبده الغشيم وكيف تتحرك قوى الشر بداخله كحركة تجمع الذرات، وتفاعل الغازات كتفاعل عيد الأعرج مع الحدث عندما رأى ملامحه منحوتة على قطعة ثلج، وكيف يسيل الثلج كسيلان الشتائم من فم حسن الأعور خالقًا علاقة أصيلة بين الجماد ودورته وأهل البلدة الذين كانوا سيفتكون به، يحدثني عن سيرته الأولى عندما ترك مدرسته ليرعى أبواه في شيخوختهما، وأنه كان وحيدًا لا يملك سوى قوت يومه، فسرح بجردل ساقع في أتوبيسات بنها، حتى وقف بثلاجة صغيرة أمام مدخل الجراج، يوزع الزجاجات على الصبية، يدس الثلج وسط الساقع داخل جردل يحمله الولد على ذراعه، ولم يرجع إلى البلدة حتى فتح جدار غرفته المطلة على الشارع لتصبح دكانًا، لاعنًا البلدة وكل من يتصدى له، وعندما أحس أنني لا أرد عليه بأي إيماءة جذبني من يدي كي أنظر له، وحين نظرت لوجهه وجدتني محتلًا عدسة عينيه على شكل تمثال ناصع البياض، فانتابني رعشة قوية واصطكت أسناني ولم أفق إلا بعدما صدمتنا سيارة طائشة، طارت الدراجة وطار الثلج وسقط فوق رأس عمي فتح لتنزف رأسه قطرات حمراء سالت على الألواح البيضاء وتدحرج جسدي بعيدًا لأرى عمي فتح ممددًا ومحاطًا بقطع الثلج، وكان راقدًا كزجاجة المياه الغازية، يتغرغر رأسه وينفث ويفور كرغاوي الصودا، وظل الثلج وعمي فتح يشكلان العالم بداخلي، فكلما تكاثرت الغيوم وهطلت الأمطار وتناثرت حبات الثلج في الطرقات، أجرى ملهوفًا لألتقطها كطفل صغير، وظللت أنحت ملامح عمي فتح من قطع الثلج ولا تسيل، وبقيت أشترى ألواح الثلج لأرصها أمامي وذلك لأرى جسدي وملامح وجهي وهي تتكون وتتشكل وتتحور وتسيل، وأرى الحياة من خلفي وهي تتماهي وتتلاشى، فتسيح السماء مع الأرض والشجر مع النهر وتتشكل وتستقيم في لحظات من جديد.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي