loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

الدرس

breakLine

 

الدرس

فرج ياسين / كاتب عراقي

 

سحّ الهجير الذي ينصبّ دوّامات سرابية كالحة حول، الصبي وعبر المسافة التي تفصله عن ابيه؛ الذي ظل يتقدمه ببضعة أمتار على طول الطريق. لقد كان يصوب انظاره الى المثلث الصغير الأسود المثقّب بخيوط الشمس، وهي تخترقه فتتلاشى خلف نسيج العباءة الدقيق. وكان الرجل يضع العباءة فوق راسه، وهو يعتمر كوفيته وعقاله، ثم تنسرب العباءة مـتحّدرة حتى تشارف أطرافها السفلى أفخاذه وركبتيه . وكان الصبي ما يزال يُحدق في ذلك المثلث الصغير المتكون من مرور النسيج الأسود فوق الراس والكتف، منذ خروجه من البيت بصحبة أبيه؛ الذي كان يحمل رفشاً ..إن على الرجل أن يحفر ثقوبا صغيرة مستديرة في الارض الرملية على شاطئ النهر، ويودع فيها بذور اللوبياء وعباد الشمس الموضوعة الان في كيس من القماش يعلقه في حزامه . وامتد أمامها الطريق الضيّق المحاذي للجرف الصخري، يتلوى بين شجيرات العاقول الكثيفة الواطئة . وقد جعلت أشواكها المدببة الصلبة تمس ساقي الصبي من جانبي الطريق، الذي لا يتسع الا لمرور شخص واحد فقط، فتخلّف خطوطا بيضا متوازية او متقطاعة فوقها من دون ان تتوغل بعيدا فن لحمه . وعلى طول الطريق ظلت الحمائم والبواشق والشقراق والطيور المختلفة الاخرى تذعر طائرة لمجرد احساسها بوجود من يمشي على مقربة منها . وكان الصبي يأنس لأصوات اصطفاق أجنحتها وهي تقلع من أعشاشها ولأصوات السحالي والجنادب والزيزان؛ وهي تخشخش بين الحشائش الكثيفة اليابسة تحت شجيرات العاقول الشديدة الخضرة . وطفق يستمتع بكل ذلك ، وقد الهمه الصمت المطبق حوله اقتياد خيالاته الساذجة الى شواطئ ممتعة تزخر بالطيور والحشرات والحيوانات المختلفة؛ وصار يرى وهو يخوّض في مياه رائقة تشف عن ما تحتها من اشنات وأسماك وحصى بالوان تتكسر او تتسع او تمتزج تحت زجاجة الماء القلقة . وبدا له الطريق اقصر كثيرا مما الفه في المرات القليلة السابقة .حيث كان ابوه يتعمد اصطحابه دون ان يشعر بان ذلك سوف يستمر كقاعدة يومية ؛ مما جعله يزداد توترا في الساعات التي تسبق استعداد ابيه للخروج الى مزرعتهم الشاطئية الصغيرة ، لكنه لم يجرؤ ابدا على اختراق طبيعة ابيه الصامتة والطلب اليه القيام بمرافقته ولذلك فان تلك كانت فرصا ذهبية لمرحه تمتد من لحظة خروجه من البيت وحتى عودته في المساء بدون ان يتبادل مع ابيه اية كلمة ،عدا ما يتلقاه مستسلما راضيا . ومنذ اول الطريق ظل يشم رائحة الرمل المنبعثة من تحت اقدام ابيه الثقيلة وهي تتقدمه خلال مسام الغبرة الخفيفة ، التي جعلت تسقط رذاذها فوق راسه وصدره المفتوح ودشداشته الزرقاء المخططة ، بيد انه بقي يراقب عبر سحابة الغبار حركة الطيور وهي تتجول بين الأعشاش المنحوتة في أعالي الجرف الصخري، وما كان ليتوقع ابدا ان يثير ذلك اباه الذي ظل يركن الى صمته، ممسكا بالرفش من وسطه يؤرجحه مع حركة يده .. لكن حمامة نفرت من عشها وحومت قليلا أمام بصريهما، ثم عادت وحطت على الطريق . لا تبعد عنهما سوى عشرة امتار فقط ، فالتفت الاب الى الصبي؛ ولما رآه مستغرقا بالمراقبة عاد ينظر اليها هو الاخر ولما اصبح على مقربة بضع خطوات منها سمع أصوات اصطفاق جناحيها؛ وهي تحط في عشها الذي هو الان فوقهما تماما، وفزع الصبي بكل جارحة فيه الى مواكبة ما يجري ، وجعل يتمنى ان تعاود الحمامة لعبتها تلك بل ان تسمح له بالدنو منها أكثر من المرة السابقة . وفجأة بدأ الرجل يبطئ خطوه حتى كادت المسافة بينهما ان تتلاشى . وحين صار الصبي خلف ابيه مباشرة ، تمسّك بأطراف عباءته وهو ينظر الى فوق ، وهاله ان الحمامة لم تدخل العش، بل وقفت على فوهته واطلت على الطريق ، وكأنها قد استجابت لنداء روحه المأخوذة الان بسحر تلك اللحظات فتريث يتأمل لونها الرمادي المخطط بالأبيض . وقد أحس الرجل فتوقف وعاين مثله الى فوق ثم اومأ للصبي داعيا اياه ان يتم توقفه ، ويركن الى السكينة . ولأول مرة شاهد الصبي وجه ابيه ، وقد اخذت حبيبات العرق تلمع في الشمس ثم تفرقع فتسيل على عارضيه الأسفعين المغضنين ، وقد نقل الرفش الى يده اليسرى والقى العباءة عن راسه فعلقت اطرافها العليا فوق كتفيه، ثم راح ينقل خطوه داخل غابة العاقول وهو يتفحص الارض بين الشجيرات؛ مفتشا عن حجارة ، وما ان عثر على واحدة حتى اعد نفسه وتهيأ ثم التفت صوب الصبي وكأنه يدعوه الى استيعاب الدرس الذي سيؤديه امامه بعد قليل ، فبدأت اوصال الصبي ترتعد . لقد نطقت اسارير ابيه بشيء جديد لم يألفه من قبل . وبلمح البصر أردت الحجارة التي قذفها الرجل الحمامة . هوت ناشرة جناحيها دون حراك بين الشجيرات، ورأى الى ابيه وهو يستل خنجره ويخف اليها محاذرا ان تتغرز الاشواك في قدمه، ثم اقعى الى جانبها واحتز راسها فشاهد الصبي خيط الدم الاسود ، وهو يكسو احد حدي الخنجر، ثم شاهد ايضا الرأس الصغير المغمض العينين، وهو ينقذف في وسط المسافة الفاصلة بينهما . وبعد برهة نهض الرجل وقد علق الحمامة من رجليها بعد ان اغمد الخنجر في قرابه، ولما التقت ابصارهما من جديد كان الصبي يجهد في سبيل كتمان ما بات يقاسيه من رعب لكن اباه قال له باشا :
- هذا الصيد لك، خذ لقد فعلت ذلك لأجلك . ثم اعطاه الحمامة الذبيحة وعلمه كيفية الإمساك بها:
- هكذا اطبق على رجليها بأصابعك، واجعلها تتدلى سائبة في الهواء ولا تخش من ان تتسخ فقد جف دم العنق
لكن الصبي ظل صامتا فقال الرجل : هل انت خائف ؟
فأجاب الصبي : لا
ثم سار خلف ابيه الذي اعاد العباءة الى وضعها فوق راسه اتقاء حرارة الشمس وعلق الرفش في يمينه واندفع يخب اسرع من ذي قبل حتى وصلا الشاطئ ، ثم تفحص الرجل الارض الرملية التي انحسر عنها الماء حديثا بحيث اصبحت صالحة للبذار، فألقى بعباءته وكوفيته وعقاله بين الثقوب القديمة التي اطلعت سيقانا نحيفة ،كل واحد منها يحمل ورقتين او ثلاث . ا ووضع الصبي الحمامة على مقربة من لوازم ابيه؛ وكانه يؤكد بذلك اعادتها اليه، وقد تخلص من ثقلها الذي كان يشعره بالقرف والضيق ، ثم اندفع راكضا الى الماء وهو يرفع أطراف دشداشته ثم تبعه ابوه فخاض في الماء حتى ركبتيه وغسل يديه ووجهه وشرب الماء بكفه، ثم قلده الصبي فخرج الرجل وحمل رفشه ، وبدأ العمل ، وظل الصبي يراقب اباه الذي بات يتصبب عرقا وهو يرفس الرفش او ينحني ليخرج من كيسه بعض البذور ويلقيها في الحفرة المستديرة الصغيرة، او يهيل عليها قليلا من الرمل . ومع ان هذا مشهدا مألوفا بالنسبة للصبي لا انه جعل يطيل النظر الى ابيه وكانه يبحث عن شيء ما خلف حركاته الرتيبة . وعندما كان يلتفت اليه يصرف الصبي نظره الى جهة اخرى، او يتشاغل بمعالجة الاشكال التي كان يرسمها او التماثيل والنصب التي كان يبنيها من كرات الرمل التي اعدها على شكل خط مستقيم، وجعلها في متناول يده بمحاذاة الشاطئ ، بعد ان نزع دشداشته وجلس تحت الشمس نصفه في الماء ونصفه الاخر على الرمال المبتلة ..
وكانت طبيعة عمل الرجل تجعله ينأى عن موضع الحمامة تارة ويدنو تارة اخرى او تجعله يستقبلها بوجهه او يوليها ظهره ن وهو يصنع تلك الثقوب على هيأة أسطر طويلة موازية للشاطئ وكان كلما استقبلها بوجهه تقع أبصاره عليها، وشيئا فشيئا بدأ يحس بشيء من المرارة والكدر ليس بسبب انكفاء تلك الجثة البائسة فوق الرمال فحسب، بل لامتزاج صورة ولده الصغير في المشهد، وهو ماثل في حضرة رسومه وتماثيله ونصبه . ولعل الصبي فطن الى حرج ابيه وقلقه كلما اصبح بإزاء الحمامة لأنه ما ينفك يسدد الى الصبي نظرات فاحصة ،وكأنه ينوي اقتراف امر يخجله ان يؤديه امامه فتعمد الصبي ان يترك لأبيه فرصة القيام بذلك ، اذ انه كف عن الشخوص اليه، ومراقبته كلما شارف موضع الحمامة مخلّفا خلفه شريطا طويلا من الثقوب السوداء، فانتهز الاب ذلك والقى رفشه ثم جذب عباءته من مكانها وغطى بها الحمامة، ثم تنفس الصعداء وعاد الى العمل ولما شعر الصبي بان المهمة قد أنجزت . التفت الى المكان فلم يشاهد الحمامة بل العباءة السوداء وحدها، ثم جعل يعالج رسومه وتماثيله ونصبه الرملية كرّة اخرى. لكن الرجل دأب على مزاولة عمله اذ انه ماعتم يقترب او _يبتعد عن الحمامة المكفنة بعباءته الان . وفكر: يجب دفنها ثم انه انتهز فرصة انشغال الصبي بلعبه فاعمل رفشه في الأرض الرخوة بين قدميه ، حتى صنع حفرة اوسع واعمق من الثقوب الاخرى، ثم ازاح عباءته وزج بالحمامة الذبيحة في تلك الحفرة و اهال عليها الرمال . وما ان اتم ذلك حتى غرز رفشه في الأرض بعنف، أجفل له الصبي شاخصا نحو ابيه الذي جعل يخطو باتجاهه، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة .

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي