loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

الرجل الذي بلا أصدقاء

breakLine

 

الرجل الذي بلا أصدقاء

عبد القادر شرابة /  قاص وروائي جزائري


ليس هناك من لا يعرفه؛ فقد كان كل مساء خميس؛  يتوجه إلى مقبرة صغيرة ابتدعها  على ضفة الوادي. كانت مقبرة بشواهد وأسماء وتواريخ ميلاد ووفاة، وبعض كلمات مميزة أو رسومات. يأتي ليدخن سيجارتين، وعلى الأكثر ثلاثة، ويكمل ارتشاف كوب الشاي الكبير الذي يحضره معه من البيت. وفي كل مرة يجلس بالقرب من قبر  ويسترسل في الحكي عن الكتاب الذي قرأه مؤخرا،  أو الفيلم الذي شاهده،  أو  المرأة التي حلم بها، أو الطبق الذي حضٌره بعناية، لكنه احترق. أو القصة التي كتبها مؤخرا ونشرها على صفحته في الفيسبوك، ولم تعجب صديقته المصرية التي كان يظن أنها سورية. أو السردين الذي يريد أن يتناوله مع جارته على السطح؛ لكنها لا تحب السردين، وتتقزز من منظره، وتهرب كلما سمعته يتلفظ به. لكنه كلما تذكر شيئا من الماضي؛ يصمت، ويفرغ كل حزنه بالبكاء. ثم ينهض ويودعهم جميعا، ويعود إلى بيته المعزول.
كانت النساء تعرٌجن مبتعدات كلما مررن من هناك، وحتى الرعاة؛ كانوا يقرأون الفاتحة كلما جاءوا بقطعانهم كي ترد الماء.  والصيادين، والأطفال، كانوا كلهم  يبتعدون عنها.
في الحقيقة لم تكن مقبرة؛ فقد كان  الرجل الذي بلا أصدقاء؛  كلما حظر شخصا من قائمة أصدقائه، على الفيسبوك أو الواقع، يأتي بشيء من متعلقاته؛ كتابا مثلا، أو قلما أو سيال حبر، أو هدية أو صورة له، ويدفنها في قبر  بها، كان قد حفره سلفا. ثم يكتب على شاهدته اسم صاحبها المقصود وتاريخ ميلاده  ووفاته وعبارة خاصة به أو رمزا . 
هكذا قضى الرجل الذي بلا أصدقاء  أيامه بين الحظر والدفن، وزيارة القبور، والاسترسال في الحكي لها، والبكاء.  وقبل وفاته بثلاثة أيام؛ رأوه يتوسد طوبة في مقبرته تلك، ويبكي. 
وحين مات؛ حضر كل أصدقائه المحظورين، وهناك دفنوه، وصار جارا  لمتعلقاتهم، وبكوه، ثم غابوا من جديد.