loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

السمسارة

breakLine

 

 

السمسارة


رائد سلامة - كاتب عراقي


أخرجت من حقيبة يدها السوداء دقيقة الحجم لفافة سجائر و ولاعة بلاستيكية حمراء وضعتهما برفق علي المائدة، عَقَدَتْ ساقًا بِسَاقٍ فإنتبه الجالسون إلي الجَمَالِ الذي إنبثقَ فجأة كشعاعِ شمسٍ هَزم غيمة سوداء في نهار شتوي بارد، كان عِطرها نافِذًا لدرجةٍ مبالغٍ بها فَمَن لَمْ يُنبِهُ عينيه شعاعُ شمسِ الساقين غَزا العِطر أنفه فدارت الرؤوس نحو طاولتها، أسعدتها نظراتهم الشَبِقَة، نادت عامل الكافيتيريا فغبطه أصحاب الرؤوس الدائرة، طلبت فنجانًا من القهوة رشفته بسرعة مصحوبًا بسيجارة رشيقة كَسَاقَيْهَا، كانت عيناها تتركزان علي بوابة الكافيتيريا في إنتظار حضوره رغم وجودها هناك قبل الميعاد بخمسة عشر دقيقة كاملة، أرادت بحضورها المُبكر أن تعتاد المكان و الأجواء فتهدأ و لا يصدر عنها أي إضطرابٍ أو توتر يجعلانه يَنْفَر فيُحجِم عن التعامل معها و قد عُرِفَ عنه إلتزامه بالمواعيد و قدرته علي تقييم الآخرين من أول لحظةِ لقاء، كان معلومًا عنه أيضًا أنه إن طلب كأسًا من البراندي ثم أشعل سِيجَارَهُ فإن هذا يكون علامة علي رضاه و بشارةُ طَمئنَةٍ لما هو آت. في تمام التاسعة ظَهَر بالباب مُتَوَجِهًا نحوها، كان الأمر غريبًا بالنسبة لها فهي لم تَلتَق به شخصيًا من قبل، هو معروفٌ لديها من خلال أخباره التي يتناقلها العاملين بالبورصة في ثرثراتهم بعد إنتهاء جلسات التداول كتاجر متمرس و سياسي واعد لكنه بالتأكيد لا يعرفها، كيف تَسَنى له إذن أن يعلم أنها مَن تنتظر لقاءه، تسبب هذا الخاطر في إضطرابٍ سرعان ما تجاوزته، تَوَقَفَ عند طاولتها، ألقَى التحية في إبتسامة ثلجية ثم جلس، تَعمَدَت ألا تُحركَ ساقيها المعقودتين لكنها إبتسمت في ترحاب حَرَصَت علي ألا يكون مفرطًا.
حَدَق في عينيها لثوانٍ و طلب من عامل الكافيتيريا كأس البراندي و أخرج سِيجَارَهُ الضخم من جيب جاكيتِهِ العلوي ثم قاطِعًا ذهبيًا و صندوق ثقاب خشبي صغير من جَيبِها الداخلي فتناول منه ثلاث أعواد وضعَهم علي الطاولة، قَطَع جزءًا صغيرًا من إحد طرفي السيجار بالقاطِعٍ الذهبي ثم بدأ في إشعال السيجار بطريقة أثارت إعجابها فلم ترفع عينيها عنه و تَعَمَدَ هو أن يرمقها بنظراتٍ حادة قصيرة أثناء أدائه لهذا الطقس المُقدس، عود الثقاب الأول لتسخين طرف السِيجَارِ ثم الثاني لتأكيد أن السِيجَارَ قد إشتَمَ النار أما الثالث فقد إستعمله بعدما وضع السِيجَارَ في فمه و شَرَع في التدخين بينما كان رأس السيجار يشتعل في صمت. شَعرت فجأة أن لا صوت من حولها، صمتٌ مُطبقٌ كأن دُخان سِيجَارِهِ قد أحاطها بجدار عازل للصوت شفاف، تَعَجَبت من أسلوب تدخينه فهو لا يبتلع دخان السِيجَار إلي رئتيه كما تفعل هي بسجائرها، لكنه يختزن دخانه في فمه قليلًا ثم يعود فيخرجه من أنفه، أتاهُ البراندي فإرتخت أعصابها إذ إطمأنت لإكتمال حالة رِضَاه، غَمَس في الكأس برفقٍ طرف السيجار من الناحية غير المشتعلة التي يسحب منها دخانه و جعل يُدَخِن مُحَدِقًا بعينيه اللوزيتين في وجهها، حَرَكَ رأس السِيجَار بأناقة في المنفضة الخاصة التي أحضرها له عامل الكافيتيريا بمجرد جلوسه فتخلص من الرماد الزائد ثم إرتَشَفَ من الكأس جرعة، طلب منها أن تغلق جهاز هاتفها المحمول ففعلت دون إعتراض و وضعت الجهاز علي الطاولة أمامها، أمسَكَ هو بالجهاز فتأكد من إغلاقه، "أعلم أن لَديكِ أوامر مُوَقَعَة من عملائك علي بياض لشراء و بيع أسهم علي حساباتهم، و أنا أرغب في إستخدام تلك الأوامر لقاء مليون جنيه ستكون في حسابك بالبنك في نهاية آخِر يوم عمل بهذا الأسبوع" هكذا تحدث ثم صَمَتَ مُحَدِقًا من جديد في وجهها، لم تفكر في العرض كثيرًا، أومأت برأسها علامةَ الموافقة، تَجَرَعَ هو ما تبقى من الكأس دفعةً واحدة، ألقى ببعض أوراق النقد علي الطاولة و هَبَ واقفًا ثم قال في حَسم "سأبلغكِ غدًا بالسهم المطلوب إستخدام تلك الأوامر لطلب شراءه في حدود عشرة ملايين جنيه يوميًا لمدة أسبوع كامل، إطمئني فلن يثير الأمر إنتباه أحد، كل شيئ تحت سيطرتنا، يمكنك الآن أن تفتحي هاتفك، طابت ليلتك" ثم غادر و بين سبابته و الوسطى سِيجَارَهُ الذي ملأ جو الكافيتيريا عَبَقًا ثريًا، عادت إلي منزلها و لم تتمكن من النوم.
في الصباح كانت علي مكتبها قبل ساعات العمل الرسمية، لم يكن هناك سوى حارس الأمن العجوز، أعدت لنفسها فنجانًا من القهوة حملته بيُمنَاهَا و باليُسرَى كان هاتفها المحمول و لفافة السجائر و ولاعتها البلاستيكية الحمراء ثم خرجت إلي الحديقة المحيطة بمبنى الشركة حيث التدخين محظورٌ بالمبنى، إنتهت من قهوتها مع ثلاث سجائر أشعلت كل واحدة من الأخرى دون توقف ثم عادت لمكتبها، بدأت في قراءة التقارير الاقتصادية إنتظارًا لميعاد بدء العمل بالبورصة عبر خطوط الوصل الألكترونية، أبلغها حارس الأمن بأن شخصًا ينتظرها بصالون العملاء، ذهبت إليه علي الفور، كان شابًا وسيمًا في العقد الثالث من العمر يرتدي حُلةً رسمية كاملة، لم يتحدث إليها بكلمة واحدة لكنه سَلَمَها مظروفًا ضخمًا مُغلَقًا بدا كما لو كان فارغًا ثم غَادر، عادت إلي مكتبها، فَتَحَت المظروف حيث وجدت به ورقة بحجم لفافة السجائر الصغيرة مطبوع عليها "الشركة الأمريكية المصرية للتطوير العقاري". بنهاية الأسبوع، كان حسابها البنكي قد صار دائنًا بمليون جنيه و كان سعر "الأمريكية المصرية للتطوير العقاري" قد بلغ عنان السماء، و كان ذو العينين اللوزيتين الذي حقق أرباحًا فلكية بعدما باع حصته بالشركة يعقد مؤتمرًا صحافيًا إثر إنتخابه عضوًا بمجلس النواب.