loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

السَّهم

breakLine

 

 


 

محمد خضير /كاتب عراقي

 ليس مثل "السَّهم" علامة ذات رأس مدبب، متّجه الى جهة ثابتة، بعزيمة كامنة في الشكل المرسوم على حائط أو المعلق في هواء ساكن، أو المدفون في حلكة نفق تحت الارض. سيكون هذا "السَّهم" مدارَ تفكير كائنٍ بشريّ، طارئ على عصره، يومِهِ المأزوم بالثآليل التاريخية والسياسية.
 الشخص/ الكائن الطارئ نفسُه وشَمَ على ذراعه شكلاً لسهم مدبب، غائر في الجلد، يتجه باتجاه قدميه اللتين تطاردان أخيلةَ الذروة الثورية في سنوات خلَت، كإضراب عمال الموانئ في يوم حار من آب ١٩٥٢. إنّه يحار في توطين حركة السَّهم في عمق المسيرة التي يشترك فيها اليوم بمزاج رماديّ تخلّف من معركة خاطفة مع الشرطة على جسر الوثبة في ٢٧ كانون الثاني ١٩٤٨. السَّهم على ساعده يعبُر فضاءات ملبّدة بالغيوم الكثيفة تارة، وبصهير الشمس والتراب تارة ثانية، ثم يعود فيستقر مكانه على الذراع باهتزاز غير ملحوظ.
 يلتفت الشخصُ حوله: وجوهُ فِتيةٍ مبعثرة الشَّعر، أو مشدودة الرأس، سمراء بلون ساعده، صارخة أو ساخرة، هاتفة بأهزوجة عشائرية، تتجه مثل سهمهِ نحو ساحة التحرير. يقول لنفسه: الحرارة ذاتها، ٤٥ مئوية، مع كتمة بُخارٍ تهبّ من دجلة. هل سيستقر "النصُّ" كما قرأه في قصة فؤاد التكرلي "الآخرون" على إيقاع لا يتزحزح من وضعه المصلوب في حرارة الظهيرة؟ انسحاب المتظاهر مع رفيقته الى بيت في الدربونة لتطمين جأشِها الجريح، المصدوعِ كثمرة مشمش كربلائية؟
 السَّهم يرسم له منعطفات مسيرات قديمة، ثم يقوده أمامه فيضعه في صميم مشاهد جديدة لكتابة قصةٍ تواقِتُ إحدى تظاهرات أيار ٢٠٢١ المطالبة بالانتصاف من قتلة المتظاهرين. السَّهم علامتُه للانبعاث وتجدّد السَّير مع جموع متبدلة السحنات والعلامات. وقد يحمل شخصٌ يجاوره _هذه اللحظة في المسير علامةً كعلامته: سهمَ الوقت الهضيم!
 يتمدد "السَّهم" ويخترع شارعاً افتراضياً كشارع الرشيد يسير فيه الشخصُ المبعوث ذهاباً وإياباً، ساعةَ يخلو من حركة الأقدام المتظاهرة، المتفرقة في أفرعه الجانبية الضيقة. المشهد يصوّره وحيداً يسير بين الشُرفات المتصلة من باب الشارع الشرقيّ الى بابه العظيم المقابل. وجوه القتلى من وثبة ١٩٤٨، تمتزج بوجوه الانتفاضات الشعبية اللاحقة، المصعوقة رعباً من مداهمة ليلية مرتقبة، أو اغتيالٍ يحدث على حين غفلة. وجوه الصراع المتكرر تتناوب مع رقدة الصيف على السطوح، أو أيام اللجوء إلى سراديب الكاظمية. 
 السَّهم يحدّث صاحبَه الموشوم بعجلة الزمن المتسارع على ساعة حائط كبيرة: "دوماً، يا عزيزي، ثمة تاريخ منسيّ، وقلب محطم، ودفتر مفتوح على سطر مخطوط بحبر "باركر كوينك". اخترع شارعَك. مسيرتَك مع الأقدام بمزاج كتيم، وحيرة صامتة!"
 ارتفعت البنايات والأبراج في طرفي الشارع "العثماني"؛ لكن ما أدّخره الرجلُ "المسهوم" من أصوات، قصائد وقصص، لوحات ومتاحف، مطاعم ومراقص وحانات، مكتبات ودور سينما ومقاه، تأخذه إلى موعد مع لحظة قدرية، حاسمة: "حسنا" يقول السَّهم لصاحبه: "لديك هويات مشكوكة في حبل رفيع، كالأسماك، صعد بها صيادُ النهر، جانب الكرخ، مهموماً بمولد ابنةٍ له".
يسأل رجلُ السَّهم: "أهذه بداية قصة خمسينية، أيتها العلامة الموشومة بحبر "باركر كوينك" الأصلي؟"
 "أترى ما حولك من جموع صاخبة، مبعثرة، كأسماك النهر؟ قد تنتهي فترة انبعاثك الجديدة كأسماك النهر.. فكّر بالمواصلة"
 "لا. لا أريد. لن أواصل المسير"
 "ومن أين يأتي التنظيم والعزيمة كي يمشيا معك على نسق قصة خمسينية مطبوعة على آلات منتصف الليل؟ اقنع بما لديك، أيها الصديق. فالثورة لها مياهها العكرة أيضاً. والوجوه ليست كلّها بريئة كفتاة تظاهرة التكرلي!".
 مَن للسَّهم بحُجّة تُفحِم صاحبَه الموسوس، المبعوث من رماد السِّهام المحتوتة على الجدران! 
 إنها أمنية وحسب. شارع واتجاه ومصير. مشهد خلا من أعمدته الصلبة ومناضليه الأقوياء!
 هكذا، يهتف "السَّهم" بصاحبه، وهو يجرّه وراءه!