loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

الصرخة

breakLine

الصرخة

عماد صارم/ كاتب سوري

لم يستطع "صفوان" مدرّس الرياضيات أن يغفو طوال تلك الليلة.. وكان تقلبه المستمر في الفراش يقض مضجع زوجته أيضاً، و يسرق الرقاد من عينيها ..
-قالت الزوجة بحزن : ( إذا بقيت على هذه الحال لا شك أنك ستمرض أو يصيبك مسٌّ من جنون )
- رد صفوان : ( لن أهدأ حتى أجد حلاً لتلك المعادلة المجنونة)
ثم نهض من فراشه و بدأ بارتداء ملابسه ..
-( سأذهب لمنزل الشيخ عبد القادر عسى أن يعطيني جوابا شافيا..)
- (في هذا الوقت المتأخر ؟! ) سألت الزوجة
فهز رأسه دون أن ينطق بكلمة واحدة...

لقد ضاق صفوان صبرا بهواجسه، وما عاد يطيق الانتظار ، فأصابع الشك تقبض على تلابيب روحه ، وتدفعه للبحث عن جواب حاسم يعيد إليه سكينته.. بعدما عانى كثيراً من تلك الفكرة المجنونة. التي تحفر في رأسه كخلد أعمى لا يعرف الهدوء أو الاستقرار.
وكقدرٍ مكتوب لا مفر منه ،تدثر بمعطفه السميك و مضى يحث خطاه في زواريب القرية ودروبها المعتمة قاصداً منزل الشيخ عبد القادر... كان البرد شديداً قاسياً يخترق اللحم والعظم معا. طوال حياته لم يختبر بردا كهذا. حتى أنه في بعض اللحظات كان يشعر أن الصقيع ينبعث من أعماق جسدة وليس من خارجه ، فزاده هذا الشعور خوفا و رهبة...
و مع أن الجميع نيام في القرية و الدروب مقفرة مظلمة، لكن "صفوان" أحس أن شبحاً خفياً يلحق به و يترصده عند كل زاوية وأجمة.. وخيّل إليه أن أقداما تخطو خلفه وتلاحقه على امتداد مسيره.. فجعله ذلك يكثر من التلفت حوله.. وكان في بعض الأحيان يتوقف بشكل مفاجئ ويصرخ بأعلى صوته ( من هناك ؟؟ من يتبعني؟؟ ) و لكن لا جواب لصوته سوى الصدى و الظلام ..
مشى صفوان بثبات وحزم وهو يشد معطفه إلى جسده متجاهلاً مخاوفه . وبعد مسافة من السير -بدت أطول مما يتوقع - وصل الى أطراف القرية. ومن هناك رأى صومعة الشيخ عبد القادر مضاءة في أعلى التلة، فعلم أن الشيخ مازال ساهرا متعبدا كعادته، حيث يقضي الهزيع الأخير من الليل في الدعاء والصلاة لخير العباد...
أسرع صفوان في سيره نحو الضوء البعيد، وعندما وصل الى الصومعة طرق على الباب دون توقف.. إلى أن سمع مقبض الباب يتحرك و يُفتحُ ببطئ مطلقاً صريراً حاداً ..
كان الشيخ ملتفاً بعباءته الشتوية ويحمل بيده مصباحا شاحبا بالكاد يضيء.. وقد دهش عندما رأى الاستاذ صفوان واقفاً على بابه في هذه الساعة المتأخرة..

أفسح الشيخ الطريق لزائر الليل ، و دخلا معاً إلى الصومعة بصمت، و هناك جلسا متقابلين وجها لوجه... ولم يطل صمتهما كثيرا حتى بادر صفوان بالكلام طالباً من الشيخ أن يصبر عليه حتى ينهي كلامه ، فوافق الشيخ بإيماءة من رأسه لا تخلو من تعجبٍ وحيرة...

- قال صفوان : ( يا شيخ .. هل تعلم كم هو متوسط عمر الإنسان في الحياة الدنيا ؟)

ابتسم الشيخ ابتسامة أضاءت وجهه السمح
-( يا بني.. أنا رجل دين ولست عالم أحياء !!)

لكن صفوان أصر على سؤاله.. فأجابه الشيخ :

- (متوسط عمر الإنسان كما هو متعارف عليه ستون عاما تقريبا..!)

قال صفوان :
- (وكم هو متوسط عمر الإنسان في الآخرة ؟؟)

قال الشيخ متعجبا وقد قطب جبينه :
- (في الآخرة ليس هناك متوسط عمر يا بني ..! بل هي حياة أبدية لا تنتهي )

-( أوافقك الرأي يا شيخ... هذا يعني أن حياتنا في الآخرة قد تعادل خمسمئة مليار سنة ؟)

- (بل هي أكثر من ذلك بكثير يا بني ..! إنها تستمر إلى ما لانهاية...)

- ( قلت لنفترض يا شيخ .. فأنا مدرس رياضيات كما تعلم ، وأحب أن أتعامل مع الأرقام فقط ..)

فأشار الشيخ بإغماضة من عينية تعبيرا عن موافقته وقال :
- (سأقبل بافتراضك .. ولكن مالذي تريد أن تصل إليه تحديدا ؟!)

-قال صفوان : ( يا شيخ كيف يمكن لهذة السنوات الستين التي نقضيها في الحياة الدنيا أن تحدد مصيرنا لخمسمئة مليار سنة قادمة في الآخرة .. )

-قال الشيخ : ( لم أفهم كلامك ..! مالذي تقصده ؟؟؟)

- : ( أقصد أن الحياة القصيرة على الأرض، والتي لا تعادل رمشة عين من الأبدية، هي التي ستحدد مصيرنا في السماء ، وهي التي ستحدد إن كنا سنقضي الخمسمئة مليار سنة القادمة في الجنة أو في النار .. ألا تبدو لك المعادلة غير منطقية..!!؟ )

- قال الشيخ وقد بدأت سحنته تتغير : ( ما هذا الهذر الذي تقوله ..؟!)

- رد صفوان بحماس : ( المعادلة مليئة بالمجاهيل يا شيخ .. فلا يمكن أن نصل بحياتنا القصيرة على الارض والتي نقضي ثلثها في الطفولة والمراهقة، وثلثها الآخر في النوم..! لايمكن أن نصل بها الى حكمة كافية.. لكي تحدد مصيرنا لخمسمئة مليار سنة ... هذا غريب وغير منطقي!!؟ )

صمت الشيخ قليلا وهو ينظر إلى عيني صفوان اللامعتين الجائعتين إلى المعرفة، ثم قال بحذر :
- ( هل تحدثت لأحد غيري بهذا الأمر ؟)

- ( لا .. لقد جئت إليك مباشرة ، لأحصل منك على جواب شافٍ )
و تابع صفوان حديثه وهو يشرح للشيخ كيف أن هناك حلقة مفقودة، و أنه لا يمكن لاختبار صغير يستمر لبضع سنوات فقط أن يرسم مستقبلنا إلى مالانهاية...
وكان الشيخ يحرك حبات مسبحته بهدوء ، وهو يغمض عينيه نصف إغماضة ، كأنما لايريد أن يسمع المزيد من وساوس هذا الزائر المجنون.. وبعد برهة من الزمن قال الشيخ بشيء من الأسى :
- ( اسمع يا بني... لا شك أن مسّاً من جنون قد أصاب عقلك.. وجعلك تنطق بوساوس شيطانية لا معنى لها... فدعني أرقيك لأريح قلبك وعقلك من هذه الوساوس )

- ( جئت إليك من أجل جواب يا شيخ .. لا لترقيني !!؟)

- ( سأجيب على كل أسئلتك ولكن بعد أن أرقيك )

- ( هل تعدني بذلك ؟؟)

-( نعم أعدك )

أقترب الشيخ من صفوان و وضع يده على رأسه وصار يتمتم بكلمات غير مفهومة... و كان وجهه يتبدل بين الغضب والخوف، وبين الدهشة والحزن - وكأنه يقرأ أفكار صفوان- وأخذت أمارات وجهه تزداد حدة وغضبا، و بدأت عيناه تلتمعان بلون دموي داكن ، وبعد انقباضات قوية هزت جسده كله.. صرخ كالمجنون بصوت مرتجف : ( إنه الشيطان... الشيطان ...لقد استوطن بداخلك شيطان ولابد من إخراجه .. )
حاول صفوان أن يتكلم...لكن الشيخ وضع يده على فمه كاتماً صوته ،
وصار يشهق ويصرخ ( اصمت أيها الشيطان)
لم يستطع صفوان أن يتخلص من قبضة الشيخ القوية الخشنة، و أحس أن قواه تخور ...
وكان الشيخ يصرخ : ( مت أيها اللعين ..مت )
وصار صفوان يقاوم بشراسة أكبر، وشعر الشيخ أن اللعين الماكر سيفلت من بين يديه..وبلحظة اضطراب وجنون، و بحركة سريعة خاطفة انتضى خنجرا من تحت عباءته البيضاء، ثم دوّت صرخة مقهورة مُفزعة في ليل القرية الطويل ..

ومنذ ذلك الحين ولسنوات طويلة، تحدث سكان القرية عن ذلك الغريب الذي أختطفته شياطين الموت في ليلة ظلماء..

وعلى امتداد شتاءات عابسة قاسية.. وفي أكثر الأيام برداً وصقيعاً.. كان الناس يسمعون في منتصف الليل صوت صرخة بشرية مفزعة أشبه بالعويل أو البكاء .. فيغلق الجميع أبوابهم بإحكام .. ويطفئون مصابيحهم ... وحين يسأل الأطفال جداتهم عن سر تلك الصرخة المرعبة، تروي لهم الجدات حكاية عن روح قديمة هائمة، تاهت ذات ظلام ، و مازالت منذ ذلك الحين تبحث لنفسها عن ملاذ .

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي