loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

الطريق إلى القصر

breakLine

الطريق إلى القصر

ريمة راعي/ روائية سورية

في مكان قصيّ مليء بالغبار والحشرات والطرقات الموحشة, شعر رجل بالسأم؛ فقرر أن يصبح ملكاً, لكن الملك يحتاج قصراً وتاجاً وصولجاناً ورداءً مخملياً طويلاً... ورعيّة.
ولأن الرجل أراد أن يصبح ملكاً؛ كي يستريح من عناء العمل, قرر أن يبحث أولاً عن رعية, وحين يعثر عليها, تتكفل هي بتوفير متطلباته الملكيّة.
رفع الرجل قامته المحنيّة, وشدّ كتفيه, وراح يسير بجلال ملك وهو ينظر إلى الأمام بثبات, دون أن يلتفت إلى أي اتجاه. وبعد ساعات من السير دون هدف محدد, تعب وقرر أن يستريح قليلاً, فجلس على صخرة قرب النهر, وبينما يتلفت حوله, لمح عصفوراً صغيراً يشرب الماء, فصاح بصوت جهوري:
أيها العصفور! أحضر لي بعض المياه.
حدّق العصفور به, ثم صاح بتهكم: ولماذا أحضره لك؟ النهر أمامك, حرّك قدميك الكسولتين, واجلب ماءك بنفسك.
أجاب الرجل: كان هذا ممكناً لو لم أكن ملكاً.
هتف العصفور: ملك!
رفع الرجل رأسه عالياً, وهمس بنبرة متعالية: نعم.
سأل العصفور: لكن أين تاجك؟
رد الرجل: أنا ملك جديد, ولم أعثر على رعيتي بعد, كي يلبسوني تاجي.
هتف العصفور: لكن يا جلالة الملك, لا يجوز أبداً أن تتجول هكذا دون تاج!
وأشار إلى شجرة قريبة, وقال: أرجوك, خذ عشّي, استخدمه كتاج مؤقت إلى أن تجد رعيتك.
لمعت عينا الرجل, وقال: حسناً أيها المواطن المخلص, سأقبل هديتك, وسأكافئك لاحقاً.
وضع الرجل العش على رأسه, وتابع سيره, لكن العصفور تذكّر أنه لم يعد لديه بيت؛ فتوسل إلى الملك أن يسمح له بمرافقته.
وبينما كان الرجل يسير في الدروب الخالية, لمح كوخاً صغيراً تتوهج خلف نافذته شمعة, فهتف: لابد أن واحداً من رعيتي قد أشعل هذه الشمعة لأجلي!
وحين طرق الباب, أطلّت امرأة راحت ترمقه بريبة, وسرعان ما زفرت وهي تقول: متسول آخر!
فصاح العصفور: انحني أيتها المرأة أمام جلالة الملك.
شهقت المرأة, وصاحت بينما تنحني: ملك!
هتف الرجل بفخر: نعم أنا الملك الجديد.
رمقته المرأة بذهول, وهمست بصوت مرتجف: لكن لماذا يا جلالة الملك لست مرتدياً رداء الملوك المخملي؟
أجاب الرجل, وهو ينظر بتعالٍ إلى المرأة, التي مازالت منحنية أمامه: أنتظر أن أصل إلى حيث رعيتي, وحينها يخيطون لي واحداً.
رفعت المرأة رأسها, وهمست برجاء: أرجو أن تقبل جلالتك أن أخيط لك واحداً ترتديه إلى حين تصل إلى مملكتك.
هتف الرجل: لك هذا أيتها المرأة.
استلقى الرجل على الأريكة أمام المدفأة, وركضت المرأة نحو النافذة, انتزعت الستائر المخملية, وراحت تخيط منها رداءً طويلاً يليق بملك, وحين انتهت, ارتداه الرجل بزهو, وأثنى على جهود المواطنة الصالحة.
وحين همّ بالرحيل, تشبثت المرأة بذيل ثوبه, ورجته أن يسمح لها بمرافقته. وهكذا راح الرجل يسير, والمرأة والعصفور يسيران وراءه, مزهوين بأنهما باتا من أتباع الملك.
الريح التي كانت تراقب الموكب الملكي, ساءها أن يسير ملك على قدميه النبيلتين, فاستأذنته بخشوع كبير أن يسمح لها بأن تحمله بين ذراعيها, كي لا يؤثر طول المسير على صحته. وحين شاهدت أشجار الغابة الملك المحمول على ذراعي الريح, فكرت بأنه بلا شك ملك ذو شأن عظيم, واتفقت على أن تشبك أغصانها معاً؛ كي تصبح شبيهة بقصر يستريح فيه الملك من عناء السفر
شكر الملك الأشجار على تفانيها, ودخل القصر بقامة منتصبة. وما لبث أن توافد الزوار لزيارة الملك, أحضر واحد منهم كرسياً ضخماً يشبه عرشاً, وآخر جلب وسائد وثيرة مذهّبة الحواف, وثمة من أحضر سجادة عجمية فرشها على الأرض أمام العرش.
وصار الناس يقفون خلف السور الخشبي, الذي تعاونوا على بنائه حول القصر, يتأملونه من بعيد, ويفكرون ماذا عليهم أن يفعلوا لتحسين مزاج الملك, وتسليته ريثما يعثر على رعيته, وتبدأ مشاغله عظيمة الشأن. وهكذا اتفقوا على أن يتناوبوا على ارتداء زي مهرج لإضحاك الملك, وكذلك ارتدت نساء جميلات ملابس مبهجة الألوان, وجلسن عند قدميه, يروين له الحكايات.


كان الملك يبدو سعيداً, إلا أنه من حين لآخر كان يشعر بالحنين لرعيته ؛ فيحزن, وتخفت ضحكاته الجهورية.
ولأن الحزن لا يليق بالملوك, تبرع بعض الرجال الأقوياء بالبحث في البلاد المجاورة؛ علهم يعثرون على رعيّة الملك؛ كي يبدأ ممارسة مهامه الملكية, ولا يشعر بالحزن والسأم.
وعلى الرغم من أن الرجال لم يعودوا أبداً, إلا أن الملك واصل الانتظار, ولم يقبل أبداً أن يتخلى عن عهده برعاية رعيته المفقودة.

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي