loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

العائد

breakLine

العائد
"حميد الربيعي"
خضير فليح الزيدي / كاتب عراقي

ملاحظة:
هذه حكاية يوم موعود. عن عودة الفقيد حميد الربيعي إلى بغداد، أباح لي بها في يوم ما يوم كنا نتسلى في سهرة ليلية في فندق على تخوم القاهرة معا. الفقيد أذن لي بنشرها بعد يوم الفراق.
نعم لقد فكرت بالعودة إلى بغداد، بعد تعب مضنٍ من سنين ثقال في المنافي:
هجرت العراق بشكل نهائيا في عام 1978. اتجهت بملابس فلاحية من بغداد إلى البصرة. ومنها بعد مساعدة أحد الأصدقاء اتجهت إلى الحدود الكويتية مع دليل حاذق تحت جنح الظلام لتجاوز الحدود والأسلاك الشائكة. مسيرة ليل حافي القدمين محفوفة بالمخاطر من حرس الحدود بعد أن أشار الدليل بيده وقال: "أدخلها من هذه الفتحة بسلام". ثم ودعني وغاب في الظلام.
يحدث هذا كله من عذاب وسقم بعدما اشتدت حملة القمع الوحشي من قبل نظام صدام على اليسار العراقي. حملة مسعورة بشكل غير مسبوق جعلتني أترك وظيفتي وأقرر الهرب من كلاب السلطة التي كانت تبحث عني في كل مقهى وشارع ومقر الوظيفة.
أخيرا وصلت إلى مدينة الكويت، ومعها بدأت جملة من المتاعب التي برزت لي من وجودي القلق فيها حتى قررت الهرب مرة أخرى. انتقلت أجوب المدن والدول من جديد. في عدة دول منها غربية وشرقية وما بينها. الكويت وسوريا وليبيا وتونس والمغرب وسويسرا وألمانيا وغيرها. ثم عدت إلى الكويت مجددا للاستقرار فيها مؤقتا. كانت عائلتي معي في كل تلك التنقلات الخائبة.
تحقق لي الاستقرار النسبي والعمل اللائق في الكويت في منطقة الفحيحيل. لكن ما حدث في أثناء الغزو العراقي للكويت خرب ما بنيته من أحلام واستقرار هناك.
كنت موجودا في الكويت في حينها. أعمل مديرا تنفيذيا لشركة مارسيدس لأحد المستوردين الكبار من تجار الكويت. كذلك أعمل محررا ما بعد الظهر في جريدة كويتية بصفحتها الثقافية ونشرت قصصا عن عذاباتي في بغداد وأكملت مجموعتي الأولى تل الحرمل ورواية ضاعت كمخطوطة.
في لحظة مدمرة خسرت كل ما املكه من ثروة تعينني على الحياة في أيامها الغابرة. حيث كنت خائفا من الجيش بكوني عراقيا هاربا، كما كنت خائفا من المقاومة الكويتية كوني عراقيا.
تخفيت في بيوت بعض الأصدقاء، حتى حانت الساعة التي تركت كل شيء وكل ما عملت عليه وهربت من جديد من الكويت وأنا أشاهد الدبابات العراقية تجوب الشوارع. أهرب من النظام وسلطته واجده أمامي في شوارع الكويت. أية حياة تعيسة تلك التي أعيشها؟ عن تلك الفترة كتبت روايتي دهاليز الموتى بعد عودتي إلى بغداد كي أخفف من وطأة الأسف والحيف لضياع المخطوطة تحت سرف الدبابات العراقية.
استقر بي الحال في ليبيا مع عائلتي، بعد عذابات رحلة طويلة فيها المؤلم والمضحك والمصادفات العجيبة. بعد انفتاح نظام القذافي على العرب ومنهم العراقيين فتحت الحدود لدخول العراقيين. الحسنة الوحيدة هو حصولي على أوراق رسمية عراقية من السفارة العراقية في الكويت. لكني أضعتها في أثناء الهرب منها. وفي سفري إلى سويسرا بورقة الإقامة الكويتية استعدت أوراقي من جديد.
ما بعد 2003 وزوال نظام البعث كنت أراقب الوضع كل يوم. حتى قررت في يوم ما العودة إلى العراق في عام 2009. بعد مرور إحدى وثلاثين سنة من الغربة القاسية والمدمرة. الغربة التي جعلتني أنسانا محطما يعيش أيامه من وحي ذاكرته الأولى فقط ولا سواها من حياة.
لا أحد في العراق أعرف عنوانه أو رقم هاتفه. كنت في قطيعة كاملة مع الأقارب والأهل خوفا عليهم من هاجس الملاحقة. حتى أهلي وأخوتي لا أعرف شيئا عنهم ولا يعرفون عني شيئا في الغربة وتعدد المنافي.
مع ذلك قررت العودة عندما انتقلت إلى سوريا وقد تركت عائلتي في ليبيا. في السيدة زينب التقيت صديقا مغتربا يدعى (قيس الغراوي) ينتظر زوجته وأطفاله في كراج السيارات الكبيرة القادمة من بغداد.
قال لي الصديق قيس: كيف تذهب إلى بغداد وليس عندك عنوانا تذهب إليه؟ بغداد يا حميد عبارة عن حقل الغام في هذه الأيام. القتل والكواتم والاختطاف على قدم وساق. كن حذرا اذا كنت مصرا على العودة في زمن كل الناس تهرب منها وأنت تقرر العودة لها يا للمفارقة العجيبة.
ثم أخذني إلى سائق السيارة "الجيمسي" شاب عراقي لطيف المعشر يعشق سماع سعدي الحلي بشكل جنوني بحيث وضع عدة صور له في داخل غرفة السيارة.
أوصاه بي خيرا. حدّثه بحذر ألا يتركني وحيدا وغريبا في بلدي الأول. حتى أجد أهلي في دروب بغداد ومتاهاتها. أقسم السائق بأغلظ الأيمان أن لا يتركني في تيه وغابة بغداد المسلحة (على قص اللوزة). مد يده على رقبته كما يفعل النجباء في تلك المهنة.
في الساعة الرابعة عصرا انطلقت السيارة بعد أن ودعت صديقي الغراوي من خلف زجاج السيارة . جابت بنا تلك السفينة السوداء ما بين الفضاء والأرض. تلتهم الصحاري التهاما مرعبا بسرعتها الجنونية على صوت أبي خالد و"حبيبي أمك متقبل" التي أعادها لعشرين مرة حتى حفظناها عن ظهر قلب.
مرة أنام ومرة أصحو على مكالمات السائق مع أهله ومع سواق آخرين يتسابقون على طريق الكيلو "160" خاصة بعدما تزودنا بالطعام من مطعم صحراوي منفرد كقصر أحلام في قصص الف ليلة وليلة.
- عندك رقم هاتف بيت أخيك.
سألني السائق وانا بين النوم والصحو بعدما دخلنا الحدود العراقية ودخولنا صحراء الرمادي. تيه طويل وعريض من الرمال تحيط بنا والسائق ينبّه الركاب من دخولنا منطقة خطرة وعليه أن يزيد السرعة للحاق بقافلة السيارات المنطلقة كالسهام.
- لا املك كل رقم ولا عنوان ولا أي شيء آخر. ثلاثون سنة مضت وانا البعيد عن الأهل والأقارب والمدن. هل يبقى رقم على حاله؟
- امممممممم. ولا يهمك. بهاي الرقبة وياك للوحة.
جابت مخيلتي آلاف الصور لشكل الميتة المتخيلة على رمال تلك الصحراء عندما حذرنا السائق. فكرهت نفسي وتلك الخطوة النزقة والحنين المراهق الذي جاء بي إلى الموت في هذه الصحراء. أيعقل هذا؟
فتح زجاج النوافذ ليدخن. قدم لي واحدة للمرة الأولى في حياتي فأحببت رائحتها وما تفعل بتلافيف الدماغ. ومنذ ذلك اليوم وحتى هذه اللحظة أصبحت مدخنا مدمنا مسرفا في التدخين. العراق يليق به التدخين الثقيل.
جاءت الساعة التي تجاوزنا بها خط الخطر، حسب ما جاء من تصريح للسائق. وأعاد تشغيل مسجلة السيارة على أغنية "يامدلولة اشبقى بعمري" إذن هو سعدي الحلي مرة أخرى بغازل وجودنا الصحراوي هذه والسائق يهز رأسه مع الأغنية.
في ساعة مبكرة من اليوم التالي بحدود الساعة الثالثة قبل الفجر وصلنا إلى ساحة اللقاء حيث المحطة الأخيرة لإعلان الوصول. نزل كل من في السيارة الجمسي وبقيت جالسا في كرسي المقدمة لا اعرف ماذا افعل. أخذتني موجة عاتية من الذكريات التي تعاد لأول مرة عن بغداد في شكلها الجديد. اتصل السائق :
- - سلام عليكم. أنا سائق السيارة. أعطاني هذا الرقم رجل يدعى قيس الغراوي في السيدة زينب لاتصل بكم. عندكم علم بالموضوع.
يبدو أن الأمور سارت بشكل حسن. ذهبنا إلى حي القادسية لشقيق قيس الغراوي واستقبلنا الرجل بعراقية معهودة وخالصة في بيته العامر الكبير الذي يدل على حياة مستقرة للرجل. كان ضابطا كبيرا من بقايا الجيش السابق وهو أيضا خائف على حياته بعد انتشار القتل المجاني.
نمت في صالة الاستقبال مع السائق الذي رفض الذهاب إلى بيته حتى أن يجد أهلي في بغداد. جلب الرجل الفطور في الساعة العاشرة صباحا. جهز لنا الحمام للاستحمام. أزلنا غبار الصحراء عن جسدينا وما يطلق عليه بوعثاء السفر. ثم جاءت وجبة الفطور العراقي. البيض المقلي والقيمر العراقي والكاهي لأول مرة بعد ثلاثين سنة أعود لممارسة عراقيتي المسلوبة والتي حلمت بها كثيرا.
حتى لهجتي لم تكن عراقية، فهي خليط من لهجات عربية هجينة فيها اللهجة الكويتية والتونسية والليبية وغيرها وبعض مفردات إنكليزية دخلت من حيث لا أعرف من خلال عملي في المختبرات الطبية في ليبيا.
انطلقنا بحدود الساعة الحادية عشر للبحث عن بيت أخي الحاج جميل في حي الثورة.
- مو زين مني حافظ لهسه اسم اخوي؟
لا اعرف سوى بعض ملامح الحي الذي كان يسكن فيه. أعطيت للسائق بقايا مواصفات المنطقة المتخيلة. زقاق وثمة معمل موزائيك قريب ومقهى وأشياء أخرى من هذا القبيل. كلها عنوانات لا تؤدي كما بدا إلى ضالتي. استمر البحث حتى الساعة السادسة مساء خضنا بها تجربة مريرة عن رجل في مدينة الأربعة مليون نسمة. حتى جاءت فكرة البحث عن بيت الحاج من خلال المخاتير في الأزقة.
أخيرا قال الحاج عباس مختار احد أحياء مدينة الثورة. "لقد وصلت الحاج جميل صاحبي". صعد في الجمسي معنا المختار وتنقلنا من فرع وزقاق إلى زقاق وفرع مغلق آخر. ثم أشار بيده إلى بيت متداع قديم قال: "هذا بيت الحاج". وقفت على باب الدار وظل الجماعة في السيارة ينتظرون ما يحدث في لحظة مأساوية تختصر سني الفراق الطويلة. لا احد يعرف شكلي فكل أنواع التواصل معي مقطوعة منذ سنين. طرقت الباب وتداعت آلاف الصور كما انهالت برأسي آلاف القصص والحكايا التي تركتها في مكان ما من هذا البيت الذي تغير شكله وشكل المنطقة كلها في هذا الاكتظاظ العجيب من البشر.
خرج مشروع رجل كبير السن. كان يضع يشماغ على رأسه من غير عقال: منو.
ثم راح يتفرس بالطارق والقادم بهيئته الغريبة. تفرس بي لدقائق ثم قال: تفضل؟ قلت له : شلونك حجي.
ينقطع الحوار لدقائق والصمت يخيم على وجهينا. عادت الذكريات به ليتذكر هذا القادم من الغربة. لكنه لم يتعرف عليّ بعد.
- حجي آنه حميد!
نزلت الدموع كمزنة صيف ماطرة. خضبت لحيته الشائبة. حمييييييييييييد. قهقهقه ثم بكاء بصوت متقطع. بينما أنا لم أسيطر على مشاعري التي تفجرت كبركان حام تفجر في لحظة غفلة من الزمن.
خرجت زوجته وأولاده وتجمع الجيران وبدأت حفلة لا تتكر كثيرا في الحياة. إنها حفلة البكاء المفرح، من عذوبة الدموع، من المفاجأة غير المتوقعة، مما احرجني أن السائق ترجّل من سيارته وبكى بحرقة عندما تمثل له هذا المشهد اختصارا كبيرا للعراق "العظيم".
دخلنا إلى البيت وودعنا السائق والسيد الضابط المتقاعد ورحت اسرد لهم عن كل ما حصل لي من يوم الهروب من بغداد حتى هذه الساعة.
- هل ندمت يوما على عودتك؟
- نعم كثيرا. لكني في الغربة أيضا كنت نادما على هذا الوجود القلق لي.

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي