loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

الليلة الأخيرة

breakLine

 

الليلة الأخيرة

سعدون جبار البيضاني - قاص عراقي





    بعد أن تآكلت  حياته جرّاء الإخفاقات التي توّجها بزواجه من فاطمة التي تكبره بعشر سنين بدأ يسحب حياته تنازليا ، حياته التي أشبه بسلك ممغنط يريد أن يلفه ويقطع منه ما يشاء ليرميه في هوّة ، هي نزوة للعودة إلى سن المراهقة  أو إلى أبعد من ذلك حتى صار بعين زوجته طفلا ًلم يتجاوز الخامسة بحجم رجل قضت معه وطرا ًمن محبة سادها خوف من مجهول ، أول ما نسي َجاسم فحولته وتلك خيبة كبيرة في حياة فاطمه التي كانت تأمل من زواجها المتأخر جدا بعد حب عنيف قذفت كل ما في جعبتها من عواطف  وغرائز لتعوض عجف السنين العنس ، غير آسفة على نواحها  لثلاثة أيام بلياليها عندما صدمها زوجها بطلب دراجة أطفال ذات ثلاثة عجلات ليستأنس بها داخل المنزل أو على سطحه ، كيّفت حياتها لتظل متعلقة بطفلها الكبير  اليتيم الذي خلفه زمن  عاقر والتي  خابت كل المحاولات عن خروجه من المنزل ، عند الصباح  تتلمس  خدّه  بحنوّ وتربت على ظهره لتوقظه بهدوء ، تمسكه من يده وتصطحبه إلى الحمام ، تغسل وجهه وتشطفه إذا كان متبوّلا ً على فراشه ، تبدل ملابسه وتحضّر له كوبا من الحليب  وخبزا ً ، بعد ساعتين تعود ثانية تربت على ظهره وهو مسدول  أمامها  تولول عليه بتهجد  حتى إذا ما أخذته الغفوة دثرّته بغطاء وغطّت رأسه بشال خفيف لتقيه من الذباب  وتنسل خلسة بعد اصطفا ق  الباب خلفها بهدوء وهي مسرعة للتبضع من سوق مجاور ،أحيانا ًتشتري له لعب أطفال  متحملة وزر عصبية لا تطاق أثناء نوبات صحو تنتابه بين آونة وأخرى  وهي لا تتجاوز لحظات ، بعض الأحيان عند عودتها من السوق تجده منتفخ الأوداج  متورم العيون  عندما يستيقظ  ولا يجدها  بجانبه فتنثال عليه بالقبل من الخدين  والجبين وتمسد رأسه وتناوله برتقالة  أو تمرا أو الحلوى التي يشتهيها بنهم ، أعيتها مراجعة الأطباء من مختلف الاختصاصات  دون أن تفلح بنتيجة لتحسين حالته ، تعامله معاملة ألام عندما تكون غريزتها باتجاه الطفولة  ومعاملة الزوج  عندما تعتريها  حالات تكون بحاجة لالتصاق جسد يمتص منها أحلام سنين خاليات ، حاولت ْبكل أساليب الإغراء أن تسترد شيء من فحولته  عل ّ الغريزة التي جرّت رجالا  وأنزلت آخرين  إلى ما لم يكن في الحسبان  بارقة أمل لسحبه  إلى حالته الطبيعية  التي نذرت من أجلها النذور وقصدت المراقد المقدسة لتلطخها بالحناء ، تمددت معه على السرير ، كشفت عن ساقيها ، أطبقت شفتيها على فمه بأحكام  وحدثته  بشبق في محاولة لتأجيج نزوة تملكتها  :
- جاسم.. جاسم.. حبيبي هل تعرف من أنا؟
- أنت ِ حبيبتي فاطمه .الله أنت ِقمر
- هل تحبني ؟ وطوقت رقبته بزند عارٍ وحار.
- كيف لا أحبك ِ، فاطمة ماذا تقولين ؟
- أنا أمامك ومالت بثقلها عليه .
- سحب نفسَه وصرخ بصوت عال .. أريد حليبا ً أنا جائع.
مزّقت ْ ثوبها المرفوع أعلى البطن واستبدلته بآخر وهيأت له كأس حليب واحتوت الموضوع بسرعة ، لم تذعن لمحاولات أهله ولا أهلها بالانفصال عنه ، كيف أترك جاسم الذي يرى  العالم  مثل كهف مظلم  أنا المصباح الوحيد الخافت  بهذا الكهف الذي لم يتأقلم عليه غيري أنا ، لا أريد أحد أن يكسر هذا المصباح .  
- جاسم سوف يكبر ويصبح رجلا وأتزوجه من جديد .
- عندها ستكونين عجوزا ً.
- لا..لا .. أنا باقية بانتظاره هو فقط سيكبر ، سيصبح في عمري  وأتزوجه ثانية بلا أعراف ولا مراسيم ، فقط سأنقله من الكهف إلى البيت .
   نهضتْ ذات صباح بعد أن أجهدتها ليلة مضنية قضتها جنبا إلى جنب مع جاسم وهو يبكي طوال الليل  دون أن يفصح عما يؤلمه ، كانت الحيرة بادية عليها ، خجلة كيف ترسل زوجها إلى طبيب أطفال وهل سيتقبل طفلها الكبير العلاج ؟ وهل سيأخذ جرعة الدواء  بنفس الجرعات المخصصة للأطفال  أم بجرعات الكبار ؟ حيرة الطفل الكبير الذي أهم ما تخشاه أن يطلب ثديها للرضاعة  أمام الطبيب ، بدأت تلوك الليل بأسنان صدئة ، تتأمل الصبح الذي سلخته عنوة من جلد الليل الأسود ، عندما بدأ الصبح يدب على قارعة النهار كان جاسم  قد استسلم لنوم ثقيل ،تمددت جنبه،نهضت ْوقد فات على انتصاف النهار أكثر من ساعة أحسّت ْ بأمعائها تتقطع ، أرادت أن تنهض من فراشها أن تشتكي لأنيس أو قريب ، غلفها صراخ كانت نسبة الحزن تطغي على الألم 0
     جاسم.. جاسم..أمعائي تتقطع..رأسي ..جاسم من يعمل لك حليب؟ من يستبدل ملابسك؟ نهض جاسم من فراشه وسط دهشة الزوجة المتألمة .
- ما بك ِفاطمه؟ حياتي اهدئي..سأوصلك حالا إلى المستشفى ،لنذهب إلى المستشفى جهّزي نفسك.
- من ؟ جاسم ،ترسلني إلى المستشفى ،أنت تقول ذلك ،صحيح؟ ماما، بابا ،بطني ، أنت
- ياألهي بدأت تهذي،انها متألمة جدا ،يارب  نجِّ فاطمة.
هم ّ بارتداء ملابسه التي فارقها منذ ثلاث سنين ، لبس بنطاله  وسترته وربطة عنقه وكأنه فارقها بالأمس ، كذلك حذائه الذي وجده مصبوغا في زاوية الغرفة دون أن يكلف نفسه عناء البحث .
- فاطمة،.أين الفلوس،أين مفتاح الدولاب؟ سأجلب تاكسي وأنقلك إلى المستشفى حالا ً- الله..منذ فترة لم أخرج مع فاطمة ، يا لمشاغل الحياة اللعينة ،  متأكد ستكون سعيدة بمرافقتي لها  وسيخف ألمها بسرعة .
ذهب إلى غرفة النوم ،  جلب لها من خزانة الملابس بدلة وردية  كان يحبها كثيرا حين ترتديها عند مرافقته – فاطمة..فاطمة..هل أنت جاهزة ..أنا  ok ،كانت فاطمة مستلقية على فراشه وقد كوّرتْ جسمها واضعة ركبتيها في بطنها، صارت تشبه جنينا ًكبيرا ً جدا، حاول أن يعدلها من وضع التكور، عيناها مفتوحتان تنظران إليه  أينما اتجه، مبتسمة أو كانت تحاول أن تبتسم ، رفع الجسد البارد كالثلج، صار ثقيلا جدا ،وضعها في ارجوحة تنتصب في حديقة متروكة قرب السياج الخارجي للمنزل ، وضع تحتها إسفنجة بيضاء ، غطّى جسدها الذي لازال محافظا على نظارته ، وهزّ الارجوحة ، استمر يهز الجنين العملاق وهو يتأرجح يمنة ويسرى ، أوقف الارجوحة ، ربط الجسد بقماط وثبّته جيدا وعاود يهز الارجوحة بقوة  ...