loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

اللَقْلق

breakLine

 

اللَقْلق

 

ناظم مزهر - كاتب عراقي

 

أقلقني مَظهره لحظة دخولهِ مع عامل الفندق الذي أخبرني أن الرجل أيضاً عراقي.
أعلى غرفة في فندق (البيضاء) - صنعاء اليمن20.2.2000!
دَسَّ الرجل حقيبتَه الصغيرة تحتَ السرير الثاني ولَمْ يَقلْ غير (مرحبا) عَجلى شأنَه شَأن عَابري الليل من نزلاء الفنادق الرخيصة وطالَعَني بهذه النظرة التي يَنمُ لمعانُها عن حزن خَفَي. لمْ يخلع قميصه الأبيض، لا ولا حتى حذاءَه بنيّة اللون وهو يجلس طاوياً ساقيه النحيفتين الطويلتين؛ ربما كان بنطاله الأبيض على مقاسهِ ذات يوم، فأصبح ضيقاً وقصيرا لا يتناسب مع طوله وكادت أذياله تصل الى الركبتين وكأنه ببدلة شخص آخر.
ظَللتُ لدقائق طِوال من الانتظار عَلّهُ يقول شيئاً، لكن الرجل لبثَ صامتاً وكأنه لا يدرك أبداً أن عليه أن يتكلم. رحتُ أرقبَهُ بنظرة جانبية وهو يَقبع متشبثاً بحافةِ السرير؛ ولَعَلّه بهذا التَّشَبُّث الشديد كَمَنْ يخشى انهياراً قد يُسفِرُ عن افتضاح أمرٍ ما.
لكنه تمالك نفسه!
ولَمّا أغمضَ عينيّه، رحتُ أسترق السمع إلى أنفاسه، خُيّل إليّ انه غَطَّ أخيراً في نومٍ عميق، لكن تَبيَن لي بَعْدَ حين، انه لم يَكُن كذلك، وراح بين اللحظةِ والأخرى يَمدُّ ساقيّه الطويلتين مُتأوِّهاً، ثُم ما لبث أن ضمَّ رأسَه الصغير تحت ذراعيه كأنّما يريد إخفاءَ مشاعره أو يحاول أن ينام بطريقةٍ ما، وربما هو يبكي بصمت كطير ضال.
هذا يقَع كثيراً لِمَن خَذله الزمان!
وهو بهذا القلق كأنَّ شيئاً مُلِحّاً يُعذبه، فيلجأ إلى الوقوف على ساق واحدة أو يرفع نصفه العلوي كمن يريد أن يقفز أو يطير، فلم أك قادراً، وهو بالوضع هذا، على إصدار أي صوت يمعن في إيذائه. مِن هذا آثرت الصمتَ وامتنعتُ عن السؤال ورحتُ أُسارقه النظر بطارف عين فبدا لي رقيقاً في غاية الرِقّة. أَردتُ أن أقومَ بشيءٍ آخر غير الكلام، كتغطيته بملاءة السرير على سبيل المواساة لِما يَمرُّ به من لحظات عصيبة تمنعه مِنْ أن يركد أو ينام، لا سِيَّما وأن دُجنَة الليل بدأت تَخفُّ بعد آذان الفجر وتتكشف عن زُرْقةٍ غامقة فوق المنائر العالية للعاصمة (صنعاء)واختفى مِنْ السماء الكثيرُ مِنْ النجوم.
لَمْ يَنَمْ، طوال الليل وهو يرنو بعين حائرة إلى باب الشُرفَةِ!
كان كَمَنْ ينتظر شيئاً أو أحداً ما يأتي إليه أو يذهبُ اليه.
لكن مَن ذا الَّذي يأتي إليه في مثل هذه الساعة النَديّة غير بواكير شاحبة وباردة مِنْ ضياء الفجر الجليل؟
وإلى أين يريد الذهاب؟
كان الرجل يبدو، في بعضٍ مِنْ لحظات شرودِه، وكأنه ينسى أنني معه في غرفة واحدة، فيُغَمغِم دون أن يقول شيئاً، ويمد يديه تحت السرير ليعبث بمحتويات حقيبته الصغيرة ويخرِج مِنْها صورة يضعها بين ذراعيّه ويتأملها طويلاً وكأن ما يراه فيها ينعشه ويوقظَ في نفسه أشوقاً قديمة.
راح يذرع الغرفة جيئةً وذهابا كمَنْ يُهيئ نفسَه لأمرٍ انتظره طويلاً، وتَسللتْ إلى شِفتيّه ابتسامة باهتة وربما حازمة لأنه عَقَدَ العَزمَ أخيراً، وانبسطت أساريره، رغم صرامة ما أَقدَمَ عليه، وكسا وجهه تعرق واضح. وحين وقعَ نظَرُهُ عليَّ أخيراً، أفاءَ إلى نفسِه وقد تَبدى على وجهِه، هذه المَرَّة، إحساس بماهو فيه وهو يُطيل النظرَ إلى باب الشُرفة المُغلَق وما لاحَ وراء زجاجها مِنْ ضياء باهت.
كان غارقاً في لُجَّةِ شرودٍ عميقة كَمنْ طاشَ صوابُه!
أيُ بريقٍ غريب هذا الَّذي أَخذَ يلْتَمع في عينيّه وهو يغمر وجهَهُ فيما تسرَبَ إليه مِنْ ضياء؟! مما أضفى على سُحنَتِهِ البيضاء سحراً خالصاً. كان قميصه الأبيض مهلهلا يلتف صاعدا نحو عنقه كُلَّما دارَ حول نفسه في حركات استعراضية وهو يفتح ذراعيّه كأنهما جناحان وهو يدور ويدور. ولمّا قررتُ أن أُكلِمه أخيراً أشار لي، بسبابة على شفتيه ألا أُحاول تَعكيرَ ما هو فيه؛ قد يؤثر ذلك على ما يسمعه مِنْ أصوات؛ ربما هي أصداء من وقع خطى الفجر الوئيدة تَمرُّ فوق مَنائر "صنعاء".
ولمّا وضعت يدي على كتفه للمواساة فقط، جفَلَ جفول طيور البريّة الّتي تطبّعت على غريزة وحدتها، وفزَعَ كأنه شَعرَ بوجودي لأول مَرَّة منذ صعوده إلى الغرفة، لكنه عادَ واقترب مني للحظة، وظللنا واقفيّن، هكذا، مثل صديقيّن حميميّن مضى على صداقتهما زمنٌ طويل رغم أننا لمْ نلتق مِنْ قَبل. وقف معي بتلك الهيأة التي جمعته بالأصدقاء، ذات يوم، في صور الذكريات.
رحتُ أقف على أطراف أصابع القدمين وأشرئِبّ بعنقي علّني أصل الى مستوى عنقه الطويلة وأرى ما كان يرنو إليه عبر حاجز الشرفة. في مكانٍ ما مِنْ السماء كانت لقالق مدينة صنعاء تمرُّ مرتحلة فجراً، حتى إذا ما تناهت إلينا لقلقتها، باعَدَ الرجل ما بين ذراعيّه كَمَنْ يفرد جناحيّن وهو بهذيّن الإكماميّن الواسعيّن الأبيضيّن، راح يدور حولَ نفسه في الفسحة الضيقة بين السريريّن ويتهادى في أدائِه لرقصة طقوسية ربما تؤديها اللقالق بفعلٍ غريزي قُبيلَ كل تحليق، وكأنه يفعل ذلك على أصداءِ لحنٍ بهيج لموسيقى بديعة آتية إليه فقط؛ يسمعها مِنْ مكانٍ ما غير الأرض.
وفجأة شعر لأول مَرَّة وكأنه بحاجة إلى الكلام! 
أخذَ يقول كلاماً مشتتاً وهو يتحدث بصوت أبح مِنْ فرط الانفعال مخاطباً نفسه أكثر مما يخاطبني. قال إنه كثيرا ما يجد نفسه تخفق محلقة في أحلام اليقظة والمنام مع سرب من اللقالق عائدة إلى مرابع صباه، وانه كثيرا ما كان يجد نفسه في غَمْرَةِ الحماسة للحاق بها وها هو ينتظر الفجر ليسترقَ السمعَ إلى خَفَقِ أجنحتها ابتهاجا وهي تَعبر درباً خَفيّاً مِنْ دروب السَّماء فيجدَ نفسه توّاقةً ليبتهج مثلها كمَنْ يَعثر أخيراً على طريق للخلاص.
كان يتحدث مثل تلميذ مدرسة ابتدائية يلقي نشيدا مدرسيا حفظه منذ سنين طِوال.
ثم توقف فجأة ولم يزل مُغَمَّض العينيّن كَمَنْ كان يغتسل بما يتساقط عليه من ضياء الفجر ورجاني أن ابتعد عن طريقه وقد كسا وجهه بياضاً لا حياة فيه. تشبثت يديه بحافة الحاجز الحديدي للشرفة وجثا برهةً، فسمعت كيف طقطقتْ مفاصل ساقيّه الطويلتين. لمْ يلتفت إلى الوراء ولَمْ يَعترض وأنا افتح سحّاب حقيبته التي ظلّت منزوية مثل قفص طير تحت السرير.
أخرجتُ الصورَة التي كان يتأملها.
وحين عدتُ الى الشرفة، لَم أجد شريك غرفتي.
حقيقةً لم أجده!
وقفتُ هناك انقل بصري حائراً بين أفق الفجر وأفق الصورة التي في يدي؛ صورة قديمة مِصْفرَّة الورق في سمائِها نقطة لطير أبيض، كان يحلق بعيداً فوق نهر دجلة، ذاتَ صَيفٍ مِن بَغداد.